أكد عدد من السياسيين والمفكرين، أن مصر كانت ولا تزال دولة محورية في المنطقة، ولها تاريخ ممتد من الريادة في مجالات الحداثة عبر أدوات القوة الناعمة، محذرين من محاولات إعادة تشكيل الإقليم وفق تصورات لا تعكس الواقع التاريخي والسياسي للمنطقة.
وقال عمرو موسى، الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية ووزير الخارجية الأسبق، إن ما تواجهه مصر والمنطقة من تحديات جسام لا يحتمل إهدار الوقت أو إعادة اختراع العجلة، مشددًا على أن دروس الدول التي نهضت وتقدمت باتت واضحة، وقائمة على العلم والبحث العلمي واحترام العقل وسيادة القانون وقوة المؤسسات والعمل الجاد والانفتاح على العالم والتفاعل معه.
جاء ذلك خلال اللقاء التاسع والسبعين لصالون الدكتور أحمد جمال الدين موسى، وزير التعليم الأسبق، الذي عقد تحت عنوان استلاب الفكر وسبل خروج الشعوب العربية من أزمتها المعاصرة.
عمرو موسى يستعرض التحولات الجارية في النظام العالمي والإقليميواستعرض موسى التحولات الجارية في النظام الدولي والإقليمي، مؤكدًا أن من واجب المعنيين بالشأن العام متابعة ما يجري حولهم بوعي ومسؤولية، وفهمه والتعامل معه برؤية مدروسة، مؤكدا أنه مستحيل لإسرائيل أن تقود المنطقه وفقا لأحلام نتنياهو لأنه لا يصح ولا يمكن قبول أن تقوم القيادة على الهدم والتخريب والإبادة وعلينا فى مصر ان نعزز تلك الاستحالة.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة لم تحقق تأثيرها العالمي بالقوة العسكرية وحدها، وإنما عبر قوتها الناعمة المتمثلة في الجامعات والفنون والسينما والابتكار، لافتًا إلى أن لمصر أيضًا تاريخًا من الريادة في مجالات الحداثة والتقدم، وأنها قادت الإقليم في فترات سابقة عبر أدوات القوة الناعمة.
وفيما يتعلق بالتحالفات والأدوار الإقليمية، أكد وزير الخارجية وأمين عام جامعة الدول العربية الأسبق أهمية فهم مواقف القوى الإقليمية مثل الهند وباكستان، معتبرًا أن مصر جزء أصيل من غرب آسيا جغرافيًا عبر سيناء، وأن أي ترتيبات تخص هذه المنطقة لا يمكن أن تتم دون حضور مصري فاعل، وشدد على أن استبعاد مصر يعني عمليًا إنهاء القضية الفلسطينية، داعيًا إلى تسوية عادلة ومعقولة، ومؤكدًا أن مصر لا تناطح الولايات المتحدة لكنها قادرة على تحدي إسرائيل.
ومن جانبه، أكد الدكتور مصطفى حجازي، أستاذ العلوم السياسية ومستشار رئيس الجمهورية الأسبق، أن النخب الحاكمة ليست مجرد جهاز إداري بل قوة فاعلة في تشكيل وعي الأمة وصناعة مسارها التاريخي، مستعرضًا نماذج من التاريخ المصري في التعليم والثقافة والفنون التي أسهمت في بناء الوعي العام عبر مراحل مختلفة.
وأوضح أن التعليم لم يعد مجرد وسيلة للتوظيف، بل أصبح مرتبطًا بالتنمية البشرية وجودة الحياة، مشيرًا إلى أن مصر رغم التحديات الاقتصادية والاجتماعية تظل حاضنة لعقول متميزة قادرة على إنتاج الفكر وصياغة الرؤى وصناعة المستقبل.
فيما دعا الدكتور أحمد زايد، أستاذ علم الاجتماع ومدير مكتبة الإسكندرية، إلى إعادة تنظيم وتوظيف القدرات المصرية المتاحة، ومقاومة حالة الاستلاب الثقافي، مؤكدًا أن بناء الأمة عملية علمية واعية تتطلب شجاعة في مواجهة الوهن الفكري والتفكير الأحادي والثنائيات المبسطة.
وقال إنه على المجتمعات تجاوز منطق الأبيض والأسود في تناول قضاياها، والتوجه نحو فهم أكثر عمقًا وتعقيدًا للواقع المصري والعربي.
أما المفكر الدكتور سمير مرقص، فأكد الحاجة إلى مراجعات فكرية كبرى وبناء خرائط معرفية لمصر والعالم، مشيرًا إلى أن العالم مرّ بعدة موجات معرفية لم يكن لمصر فيها التأثير الكافي، داعيًا إلى الإصغاء الجاد للجيل الجديد من الشباب بما يحمله من رؤى مختلفة.
ولفت إلى تصاعد التنافس الدولي على الموارد، مع تعقّد الصراعات الإقليمية، داعيًا إلى إعادة دراسة مفهوم الدولة الوطنية الحديثة بهدف استلهام التجارب لا استنساخها.
ودعا الدكتور عصام شرف، رئيس الوزراء الأسبق، إلى ضرورة تحقيق تناغم وطني على غرار ما تحقق في لحظات تاريخية فارقة مثل نصر أكتوبر 1973.
وأكد الدكتور سمير رضوان، وزير المالية الأسبق، أن الحضارة العربية قادت العالم في لحظات تاريخية بمزيج من القوة الناعمة والصلبة، مشيرًا إلى أن التحدي اليوم يتمثل في الإجابة عن سؤال: ما العمل وبأي أدوات نمضي لتحقيق الأهداف الوطنية؟كما شدد اللواء محسن النعماني، وزير التنمية المحلية الأسبق، على أن مصر الدولة المحورية في المنطقة، وأن تماسك شعبها ومؤسساتها مكّنها من الصمود أمام محاولات التفكيك منذ عام 2011 وحتى الآن.
وأشار اللواء أبو بكر الجندي، وزير التنمية المحلية الأسبق، إلى ضرورة تصويب العلاقات العربية وتعزيز التقارب مع الدول العربية الشقيقة.
فيما أكد الدكتور حسن يوسف، أستاذ الاقتصاد الفخري بجامعة أوهايو الأمريكية، أهمية التمييز بين مفهومي النمو والتنمية، داعيًا إلى استثمار المنحة الديموغرافية التي تتمتع بها مصر والعالم العربي في ظل شيخوخة المجتمعات الغربية.
وشهدت الجلسة نقاشًا ثريًا بمشاركة نخبة وطنية بارزة من المفكرين والمسؤولين وأساتذة الجامعات.
وتأتي هذه التجربة الثقافية، التي أطلقها الوزير الأديب أحمد جمال الدين منذ ما يقرب من عشر سنوات، لتشكل منصة فكرية للحوار بين صناع الفكر والرأي، وتعزيز الوعي العام بالقضايا الوطنية والإقليمية، بما يعكس جانبًا من قوة مصر الناعمة، ويؤكد استمرار حضورها الفكري والثقافي في محيطها العربي والدولي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك