بعد نحو ثماني سنوات من المفاوضات، يدخل ميثاق الهجرة واللجوء في الاتحاد الأوروبي حيّز التنفيذ، اليوم الجمعة في الثاني عشر من يونيو/ حزيران 2026، ليمثّل أحد أبرز الإصلاحات في تاريخ سياسات الهجرة واللجوء في أوروبا.
ويهدف الميثاق إلى توحيد الإجراءات وتسريع البتّ في طلبات اللجوء وتعزيز إدارة الحدود الخارجية، إلى جانب ترسيخ مبدأ التضامن بين الدول الأعضاء، في وقت ما زالت فيه دول عدّة تحتفظ بضوابط حدودية داخلية مؤقّتة تعكس استمرار تحديات إدارة الهجرة في داخل فضاء" شنغن".
ويأتي هذا الإصلاح نتيجة مسار طويل من النقاشات والأزمات المرتبطة بالهجرة منذ عام 2015، إذ اعتمدت المفوضية الأوروبية حزمة تشريعات شاملة لإعادة ترتيب النظام الأوروبي للهجرة واللجوء، تشمل إجراءات الفحص عند الحدود، ومعالجة الطلبات، وآليات إدارة الأزمات، بالإضافة إلى تحديث قواعد البيانات البيومترية لطالبي اللجوء، بهدف بناء نظام أكثر كفاءة وعدالة يوازن ما بين مسؤوليات الدول الحدودية وبقيّة الدول الأعضاء ويقلّص التباينات في ما بينها.
في هذا السياق، أفادت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين، أمس الخميس، بأنّ دخول الميثاق حيّز التنفيذ يمثّل" نقطة تحوّل" في السياسة الأوروبية للهجرة واللجوء، مشدّدةً على أنّ التحدي صار" أوروبياً بامتياز" يتطلّب استجابة مشتركة.
وأوضحت أنّ الإصلاح يوفّر حدوداً خارجية أكثر أماناً، وإجراءات لجوء وعودة أسرع وأكثر فاعلية، مع تعزيز آليات التضامن بين الدول الأعضاء، لافتةً إلى أنّ المؤشّرات الأولية تُظهر تراجع محاولات العبور غير النظامي بنحو 55% مقارنة بالسنوات السابقة، الأمر الذي يعكس، بحسب قولها، فعالية النهج الأوروبي الجديد في إدارة ملفّ الهجرة واللجوء.
ويتضمّن الميثاق الجديد للهجرة واللجوء في الاتحاد الأوروبي حزمة متكاملة من القوانين التي تغطي كلّ مراحل التعامل مع طلبات اللجوء وإدارة الهجرة، إذ يقوم على استبدال نظام" دبلن" بنظام إدارة جديد، مع الإبقاء على المبدأ الأساسي الذي يقضي بتقديم طلب اللجوء في الدولة الأولى التي يصل إليها المهاجر.
وفي إطار تعزيز التضامن الأوروبي، أُنشئت آلية جديدة لتقاسم الأعباء بين الدول الأعضاء، تقوم على إعادة التوطين والدعم المالي والتقني للدول التي تواجه ضغوطاً مرتفعة في مجال الهجرة.
وينصّ الميثاق على فرض نظام فحص إلزامي عند الحدود الخارجية، يشمل جميع الوافدين غير النظاميين في خلال مدّة لا تتجاوز سبعة أيام، بهدف تسريع تحديد أوضاعهم القانونية.
ويوازي ذلك اعتماد نظام إجراءات لجوء سريعة من الممكن أن تصل مدّتها إلى 12 أسبوعاً فقط في حالات عدّة، خصوصاً بالنسبة إلى الطلبات التي تُعَدّ ضعيفة أو المتعلقة بوافدين من دول تُسجَّل فيها نسب اعتراف منخفضة بالحماية الدولية.
في السياق نفسه، جرى تحديث نظام" يوروداك" بما يوسّع نطاق جمع البيانات البيومترية ويطيل مدّة الاحتفاظ بها، إلى جانب إدخال آلية خاصة لإدارة الأزمات تتيح للدول المتأثّرة بضغط هجرة مرتفع تعليق عدد من الإجراءات مؤقتاً أو تخفيفها.
يُذكر أنّ نظام" يوروداك" هو قاعدة بيانات أوروبية موحّدة تُستخدم لتسجيل بصمات طالبي اللجوء والمهاجرين غير النظاميين وبياناتهم، بهدف تحديد الدولة المسؤولة عن معالجة طلب اللجوء ومنع تعدّد الطلبات في أكثر من دولة.
ويولي ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي الجديد أهمية خاصة لتعزيز الرقابة عند الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، إذ ينصّ على إخضاع جميع المهاجرين غير النظاميين لفحوص أولية تشمل تسجيل البيانات البيومترية والشخصية وإجراء فحوص أمنية وصحية، مع إبقائهم في مراكز قرب الحدود، من دون السماح بالدخول القانوني في خلال فترة الفحص، إلى جانب إمكانية تطبيق إجراءات حدودية سريعة لإعادة الذين لا يستوفون شروط الحماية الدولية إلى بلدانهم، بهدف تقليص الطلبات غير المؤهلة وتسريع عمليات الإعادة.
ويرتكز الإصلاح الأخير في سياسات الهجرة واللجوء الأوروبية على مبدأ التضامن الإلزامي بين الدول الأعضاء، إذ يمكن للدول المتأثّرة طلب دعم عبر إعادة التوزيع أو التمويل أو إرسال خبراء، مع إمكانية اختيار مساهمات مالية بدلاً من الاستقبال المباشر، بما يعكس تسوية بين دول الخط الأمامي وبقيّة دول الاتحاد.
وعلى الرغم من دخول ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي حيّز التنفيذ، تمضي دول عدّة في منطقة" شنغن" بفرض ضوابط حدودية داخلية مؤقتة لأسباب أمنية أو بسبب ضغط الهجرة، الأمر الذي يثير جدالاً حول مستقبل حرية التنقل وتزايد التوتر بين متطلبات الأمن والسياسات المشتركة.
من جهتها، تبقي الدنمارك على وضع خاص يحدّ من مشاركتها الكاملة بسبب تحفظاتها القانونية، مع إمكانية الانضمام الجزئي لعدد من الآليات المرتبطة بـ" شنغن" و" دبلن" عبر اتفاقات منفصلة، الأمر الذي يجعل تطبيق الإصلاح فيها محدوداً مقارنة ببقيّة الدول.
وبينما يمثّل ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي خطوة نحو توحيد السياسات ذات الصلة بهما في الاتحاد الأوروبي ورفع كفاءتها، فإنّه يواجه تحديات سياسية وأمنية واستمرار تباين المواقف بين الدول الأعضاء وضغوط الحدود الخارجية، الأمر الذي يجعل نجاحه مرهوناً بقدرة الاتحاد على تحقيق توازن ما بين التضامن الأوروبي والسيادة الوطنية، في ظلّ جدال ما زال قائماً حول مدى فعالية هذا الإصلاح في معالجة أزمة الهجرة بصورة شاملة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك