باتت مشاهد الطوابير أمام محلات بيع الخبز التقليدي مألوفة في مختلف المناطق الجزائرية، وليس بالضرورة أن تكون محضّرة “الكسرة” سيدة، حيث ينافسها الرجال، وليس بالضرورة أن يكون الزبون رجلا، حيث تنافسه النسوة، المهم أن الكسرة أو المطلوع أو الرخسيس صار واقعا في المشهد التجاري وطبعا الاجتماعي في الجزائر، وليس في المدن الكبرى، حيث خطف العمل ربات البيوت، وإنما توغل إلى عمق الأرياف أيضا.
تشهد ولايات الوطن خلال السنوات الأخيرة، بروز ظاهرة استهلاكية جديدة، أعادت إحياء عدد من العادات الغذائية التقليدية، لكن هذه المرة داخل محلات تجارية ومخابز ومطاعم، بعد أن تحولت إلى فضاءات لتحضير وبيع الكسرة والرخسيس والمطلوع، بطرق تقليدية تشبه إلى حد كبير ما تقوم به المرأة الجزائرية، داخل البيت منذ عقود طويلة.
ولم تعد هذه الظاهرة مرتبطة فقط بالأكل السريع العصري، كما يعتقد البعض، بل أصبحت تحمل طابعاً تراثياً واضحاً، خاصة مع اعتماد عدد من المحلات على وسائل التحضير التقليدية القديمة، على غرار الطابونة والطاجين الطيني أو الحديدي، وهي أدوات كانت ولا تزال تستعمل داخل البيوت الريفية والمدنية العصرية لتحضير الخبز التقليدي بمذاقه المعروف “الكسرة”.
وفي جولة عبر عدد من المخابز والمحلات بولايات الشرق الجزائري، بل وحتى، المطاعم بمختلف أنواعها، بات الزبون يشاهد، مناظر أعادت إلى الأذهان أجواء المطابخ التقليدية، وأكدّت تسلطن “الكسرة” على الموائد، حيث تُحضّر عجينة الكسرة والرخسيس باستعمال الخميرة، أمام الزبائن بطريقة يدوية، ثم توضع فوق الطاجين الساخن أو داخل الطابونة لتطهى على نار هادئة، قبل تقديمها ساخنة مباشرة للزبائن، مرفوقة أحياناً بزيت الزيتون أو الحليب أو العسل أو محشوة بمختلف الإضافات العصرية حتى تؤكل حالا، أما في الغالب فإن الزبون يأخذ “كسرته” معه إلى البيت وبكميات كبيرة.
من مطبخ ربة البيت إلى المحلات التجاريةيرى كمال دغموس، موظف بالتعليم العالي، أن أصل هذه الظاهرة يعود إلى النجاح الكبير الذي حققته المأكولات التقليدية، في السنوات الأخيرة، بعد ما أصبح المواطن يبحث عن النكهة القديمة والطعم التقليدي، الذي افتقده وسط الانتشار الواسع للوجبات السريعة الصناعية، فالكسرة والرخسيس لم يكونا مجرد نوعين من الخبز، بل شكّلا لسنوات طويلة، جزءاً من الهوية الغذائية للعائلات الجزائرية، وكانت المرأة داخل البيت تتفنن في تحضيرهما باستخدام السميد والماء والملح وربما قليل من الفرينة، ثم عجنهما يدوياً وترك العجين يرتاح قبل تسويته فوق الطاجين أو داخل الطابونة التقليدية، ومع تغير نمط الحياة وخروج المرأة للعمل وضيق الوقت – يقول كمال – تراجع تحضير هذه الأكلات داخل المنازل، لتظهر محلات استغلت الحنين الجماعي للأكلات التقليدية وأعادت تقديمها بطريقة تجارية منظمة، ما جعلها تلقى رواجاً واسعاً وسط المواطنين.
ويتساءل أمام محل “مطلوع” ويجيب السيد كمال مزاودة وهو مواطن في الستين من العمر قائلا: “الخبز بـ10 دينار، والمطلوع ب 50 دج ومع ذلك أشتري يوميا المطلوع”.
الطابونة والطاجين.
أسرار النكهة التقليديةويعتبر كثير من الزبائن، على لسان السيد سمير فالس، متقاعد من مصالح المالية، أن سر نجاح هذه الظاهرة يعود إلى طريقة التحضير التقليدية، حيث تمنح الطابونة والطاجين مذاقاً مختلفاً لا يمكن الحصول عليه باستعمال الأفران العصرية.
فالطابونة، وهي فرن تقليدي مصنوع غالباً من الطين أو الحديد، تسمح بنضج العجين تدريجياً وتمنحه نكهة مدخنة محببة، بينما يساعد الطاجين الساخن على طهي الكسرة والرخسيس، بطريقة متوازنة تجعلها “مقرمشة” من الخارج ولينة من الداخل، كما تعتمد بعض المحلات على إشعال الفحم أو الحطب أثناء الطهي لإضفاء نكهة ريفية أصيلة تستحضر ذكريات البيوت القديمة، وهو ما جعل الكثير من كبار السن يقصدون هذه المحلات بحثاً عن طعم زمان، حسب تعبيرهم.
وتنتقد السيدة لبنى لجوء بعض ربات البيوت إلى طهي رغيف الكسرة على آلات الطهي العصرية بالرغم من استعمال الطاجين الطيني، وترى بأن الطابونة وحدها ما تمنح النكهة الخالصة لمختلف أنواع الكسرة، والأمر سيّان بالنسبة لبقية الأطباق التقليدية ومنها “الغرايف أو القرصة المعروفة في مناطق اخرى باسم البغرير” أو التي لا يمكن أن تكون بنفس الجودة والطعم والنكهة إن ابتعدت عن الطابونة.
الظاهرة لم تعد مقتصرة على فئة معينة، بل أصبحت تستقطب الشباب والعائلات، بل وحتى النساء بشكل لافت، حيث باتت بعض المحلات تشهد طوابير طويلة، خاصة خلال الفترات المسائية، واللافت أيضا أن كثيراً من النساء، أصبحن يقبلن على اقتناء الكسرة والرخسيس، الجاهزين بدل تحضيرهما يومياً داخل البيت، خاصة في ظل ضيق الوقت وكثرة الالتزامات اليومية، بينما يرى آخرون حسب تعبير موسى حريق موظف بالمناجم، أن هذه المحلات وفرت بديلاً عملياً يحافظ في الوقت نفسه على الطابع التقليدي للأكلة الجزائرية، كما تحولت بعض هذه الفضاءات إلى أماكن تجمع، إذ يفضّل الزبائن تناول الكسرة ساخنة مباشرة بعد خروجها من الطاجين، لما تمنحه من إحساس بالدفء والحنين إلى الأكلات الشعبية القديمة وحتى الفنادق الفخمة ذات الخمسة نجوم، لجأت للكسرة أمام طلب الزبائن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك