رواية «مجلس إدارة العبث»: نظام الطبقات قد ينزف ويتهاوى.
لكنه لا يموتنوع من الكتابة السريالية استخدمه الروائي المصري هشام شعبان، في روايته الأخيرة (مجلس إدارة العبث) الصادرة عن دار العين 2026، وقد لا يوحي الغلاف للقارئ بالكثير حول الرواية إلا انك إن أعدت النظر في الغلاف بعد قراءة النص، ستجد الرسم يظهر الطبقية، مخلوقات تعلو فوق مخلوقات أخرى، بينما الطبقة الدنيا والتي طالما أسميناها طبقة المسحوقين، تجاهد بكل قواها لتسند بناء الطبقية، وتعمل جاهدة على حمايته من الاهتزاز أو الوقوع كي يتمتع السادة في الطبقات الأعلى بالهدوء والسكينة وراحة البال.
مخلوقات مشوهة تقف أعلى مستويات البناء السردي الذي خلقه الكاتب، عدد محدود منها، ربما هو من البشر ولكن بشر قد أخرجهم النظام الطبقي من كينونتهم البشرية، فصار الشكل الخارجي شكل خنزير وإن خرجت لها أجنحة لتطير بها، وهذا يذكرنا بالمثل الشعبي (عنزة وإن طارت) هذه الصورة يعززها السرد الروائي في رواية هشام شعبان، صنفان من الكائنات، هم بشر أو أشباه بشر في الحكاية، وكما جاء كثيراً في روايات عربية وعالمية، طبقة دنيا تشكل الأغلبية المسحوقة، وطبقة منعمة لا يهمها من وجود المسحوقين إلا أن يبقى النظام ويبقى «مجلس العبث» كما اسماه الكاتب قائماً وأن يبقى هؤلاء غير المعترف بحقوقهم في نظام العبث.
سيبقى هؤلاء في الدرك الأسفل من النظام، لا صوت لهم ولا حراك، حتى عندما يضرب الزلزال أراضي المسحوقين، عندما يموت منهم من يموت ويجوع منهم من يجوع وتترمل النساء وتُكسر عزيمة الرجال، حتى عندما يطلب غير المعترف بهم الشيء اليسير من المعونة من الأغنياء أو من مجلس إدارة العبث، يقابل الطلب لا بالرفض بل بالعنف والقتل المروع لمن يجرؤ على رفع الصوت بالمطالبة، ويرتفع الصوت أكثر من خلال الأنين فيزيد العنف والتشريد والتهكم على الجرأة التي خرجت من الطبقة المنسية.
وفي مرحلة ما تطول يد الحامي للنظام، تهدم بقايا البيوت فوق الرؤوس يُعاقب الرجال بالنفي إلى جزيرة النفايات الحارقة، تموت عجائز غرقاً وتُقطع ألسنة النساء الشابات، ويرسلن للخدمة في بيوت الطبعة الناعمة في أعلى النظام، ولا تموت جذوة الغضب بل تشتعل مع كل حركة من حركات العنف ومع نكات التهكم من تلك المخلوقات التي صارت لها أجنحة تطير بها.
شباب مطحونون لم يعد لديهم ما يخسرونه وما يحافظون عليه، مجموعة من الشباب الذين يحتفظون بقلب نابض وكرامة نابضة وعقل ما يزال يفكر في الخلاص، يعرفون الطريق للخروج من جزيرة النفايات، فيما المرأة الرمز / زهرة ورغم لسانها المقطوع، تشعل الثورة داخل بيوت الطبقات العليا، تتحد القوى المسكينة، تثور على ظلم نظام العبث، لتجد الطفلة عليا والتي كادت تموت جوعاً يوماً ما، تجد في ثورة الأب والأم ثم الآخرين، تجد مستقبلاً جديد لم يكن يحلم به كل من عاش في الظلام، في مجتمع مهمته سند نظام العبث ومجلس إدارته.
ورغم اعتراف بطل الرواية ورأس الحربة في ثورة المساكين الجياع، رغم اعترافه أن «نظام العبث ينزف لكنه لا يموت « تستمر الحياة المشرقة إلى الأمام، حتى تعتاد الطبقة الدنيا على الطبقية وعلى دورهم في الحياة كساندين للنظام، وإن كان نظام عبث، قد يخرج بعدها صوت غاضب آخر، يعيد سرد السردية نفسها من جديد.
إن إسقاطات رواية هشام شعبان على الوضع العربي بالتحديد لا تكاد تخفى على القارئ، لكنه قد يسقطها على الثورات العربية في منتصف القرن الماضي ضد المستعمر، وقد يسقطها على الربيع العربي الذي اشتعل قبل خمسة عشر عاما، وقد يسقطها على حرب غزة، أو ما حدث في سوريا، فالعبث هو العبث، وقد يكون هو ذاته نظام «البعث/العبث» الذي شهدنا ارتفاعه بالأجنحة، ثم سمعنا دوي سقوطه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك