إيلاف من جنيف: تبدأ القصة من لحظة عادية جداً: منبّه هاتف «آيفون» يرن عند السادسة والنصف صباحاً.
وقبل أن تكتمل الساعة السابعة، يكون المستخدم قد مرّ عبر «واتس آب» التابع لـ«ميتا»، و«لينكد إن» التابع لـ«مايكروسوفت»، و«جي ميل» التابع لـ«ألفابيت»، ثم «تيمز» و«آوتلوك» التابعين لـ«مايكروسوفت».
كل ذلك قبل غسل الوجه.
هذه البداية اليومية البسيطة تكشف المأزق الأكبر: معظم الحياة الرقمية الحديثة، من الصور الشخصية وكلمات المرور والوثائق الخاصة إلى العمل والبريد والتواصل، باتت تمر عبر عدد محدود من شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى.
وبحسب تجربة صحفية نشرتها «سويس إنفو»، فإن السؤال لم يعد نظرياً: هل تستطيع سويسرا ترسيخ سيادتها الرقمية؟ بل أصبح شخصياً ومباشراً: هل يستطيع الفرد نفسه أن يفك ارتباطه بعمالقة التكنولوجيا؟خاض صحفيان تجربة الابتعاد، قدر الإمكان، عن شركات التكنولوجيا الكبرى في الحياة اليومية والمهنية.
بدأت التجربة من الأساسيات: الحاسوب، البريد الإلكتروني، الهاتف، التخزين السحابي، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
في البداية، بدا الأمر كأنه سلسلة استبدالات بسيطة: خدمة مكان خدمة، ومنصة مكان منصة.
لكن الواقع جاء أكثر تعقيداً.
فالخروج من منظومة الشركات الكبرى لم يكن انتقالاً تقنياً بارداً، بل عملية تفكيك بطيئة لشبكة كاملة من العادات والحسابات وكلمات المرور وبيانات الدخول والخدمات المتصلة بعضها ببعض.
سرعان ما ظهرت كلفة القرار: مدفوعات عبر الهاتف توقفت، أدوات عمل لم تعد تعمل كما كانت، خدمات قديمة تعذر الوصول إليها بسهولة، ومصادقة ثنائية أصبحت أكثر تعقيداً.
المشكلة ليست تطبيقاً واحداًما كشفته التجربة أن المأزق لا يكمن في تطبيق واحد أو منصة واحدة، بل في منظومة كاملة صُممت حول الحياة اليومية.
فـ«جي ميل» لم يعد مجرد بريد إلكتروني.
أصبح مفتاحاً للمصرف، والنقل العام، والتأمين الصحي، وحسابات كثيرة أخرى.
مغادرته تعني عملياً إعادة ترتيب الحياة الرقمية من جذورها.
وهذا ما عبّر عنه أحد الصحفيين بقوله إن «جي ميل» صار أشبه بحزمة مفاتيح يحملها المستخدم من دون انتباه: مفتاح للمصرف، وآخر للنقل، وثالث للتأمين، ومفاتيح لكل شيء تقريباً.
بروتون وتريزوريت وثريما.
البدائل موجودةلا تعاني سويسرا من غياب البدائل.
فهي تضم شركات تضع الخصوصية في قلب خدماتها، مثل «بروتون» للبريد الإلكتروني، و«تريزوريت» للتخزين السحابي، و«ثريما» للمحادثات.
لكن المشكلة ليست في وجود البديل، بل في كلفة الانتقال إليه بعد سنوات من الارتباط بخدمات كبرى مثل «غوغل» و«مايكروسوفت» و«آبل».
ويقول رافاييل أوفان، المدير التنفيذي للعمليات في «بروتون»، إن المنافس الحقيقي ليس «جي ميل» وحده، بل منظومات كاملة مثل «غوغل وورك سبيس» و«مايكروسوفت 365».
وهنا جوهر المعضلة: المستخدم لا يختار خدمة واحدة فقط، بل يدخل تدريجياً في نظام كامل يصعب الخروج منه.
محاولة الابتعاد عن آبل وغوغلضمن التجربة، جرى استبدال هاتف «آيفون 16» شبه الجديد بهاتف «فير فون 5»، الذي يُقدَّم بصفته بديلاً أوروبياً أكثر مراعاة للاعتبارات الأخلاقية والبيئية، بسبب متانته واعتماده على مواد ذات مصادر أكثر مسؤولية.
لكن الهاتف وحده لم يكن كافياً.
كان لا بد من تثبيت نظام تشغيل مفتوح المصدر هو «/e/OS»، وهو نظام قائم على «أندرويد» لكنه منزوع إلى حد كبير من خدمات «غوغل».
كانت تجربة الاستخدام أكثر سلاسة مما كان متوقعاً.
لكن الابتعاد عن «آبل» و«غوغل» كشف سريعاً معنى العيش خارج المنظومة السائدة: صعوبة في الدفع عبر الهاتف، تعقيد في استخدام تطبيقات كلمات المرور والتقويم، ومشكلات في الوصول إلى بعض تطبيقات العمل.
حتى المصادقة الثنائية، وهي طبقة أمان إضافية للتحقق من الهوية، أصبحت أقل سلاسة.
فبدلاً من مفاتيح المرور الأكثر أماناً، كان لا بد من العودة إلى رموز التحقق عبر الرسائل النصية القصيرة.
البرمجيات المفتوحة ليست حلاً سحرياًالبرمجيات مفتوحة المصدر هي برامج يمكن فحص شيفرتها وتعديلها وتطويرها علناً.
وهي تبدو، من حيث المبدأ، طريقاً إلى استقلال رقمي أكبر.
لكن يوناس زولتسر، طالب علوم الحاسوب في المعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان والرئيس المشارك لحزب النزاهة الرقمية السويسري، حذر من التعامل معها كخيار سهل أو رخيص فقط.
وقال إن الانتقال إلى البرمجيات مفتوحة المصدر إذا كان الهدف منه توفير المال من دون تغيير أي شيء آخر سيقود غالباً إلى خيبة أمل.
فالتحرر الرقمي لا يعني تحميل برنامج جديد فقط، بل تغيير عادات وأنظمة وتوقعات وطريقة عمل كاملة.
التجربة الفردية كشفت جانباً أكبر من المشكلة: اعتماد سويسرا على التكنولوجيا الأجنبية لا يقف عند هواتف المستخدمين، بل يتغلغل في الاقتصاد والإدارة العامة والقرار السياسي.
تستحوذ الشركات الأميركية المزودة لخدمات الحوسبة السحابية على 78% من السوق السويسرية.
ويعتمد ما يصل إلى 80% من الشركات السويسرية المدرجة في البورصة على التكنولوجيا الأميركية، في قطاعات حيوية مثل الطاقة والرعاية الصحية والخدمات العامة.
كما تنفق السلطات الفدرالية وسلطات الكانتونات ملايين الفرنكات للانتقال إلى بنى تحتية سحابية تملكها غالباً شركات أميركية وصينية، مثل «علي بابا» و«مايكروسوفت» و«أمازون».
وتعمل خدمات أساسية، بينها الجمارك والرعاية الصحية وأجزاء من الإدارة العامة، بالفعل على خوادم سحابية تابعة لعمالقة التكنولوجيا.
250 مليون فرنك لبنية سحابية سياديةبدأت سويسرا تتحرك لتقليص هذا الاعتماد.
في عام 2024، وافق البرلمان على استثمار يقارب 250 مليون فرنك سويسري في مشروع لتطوير بنية تحتية سحابية سيادية للإدارة الفدرالية بحلول عام 2032.
وفي كانون الأول (ديسمبر) 2025، قرر البرلمان تخصيص 10 ملايين فرنك من ميزانية الجيش السويسري لدعم بدائل مفتوحة المصدر لبرنامج «مايكروسوفت أوفيس 365».
وقال البرلماني عن حزب الخضر، غيرهارد أندريه، إن على الجيش مساعدة السلطات المدنية في وضع استراتيجية للخروج من الاعتماد على «مايكروسوفت».
وبدأت الإدارة الفدرالية اختبار حلول مفتوحة المصدر مثل «أوبن دسك» و«لينوكس».
ورغم المقاومة الداخلية والشكوك بشأن نضج هذه الحلول واستقرارها، جاءت النتائج مشجعة.
رغم هذه الخطوات، لا تزال سويسرا تتحرك بحذر مقارنة ببعض جيرانها الأوروبيين.
فرنسا أصدرت تعليمات إلى عدد من وزاراتها لوضع خطط تقلل الاعتماد على التقنيات غير الأوروبية.
أما ولاية «شليسفيغ-هولشتاين» الألمانية، فقد نقلت جزءاً كبيراً من إدارتها إلى برمجيات مفتوحة المصدر.
في الخلفية، تتزايد في أوروبا النقاشات حول السيادة الرقمية، وتقليل الاعتماد على عمالقة التكنولوجيا الأميركيين، خصوصاً في ظل التحولات الجيوسياسية والمخاوف المتعلقة بالبيانات والبنى التحتية الحساسة.
أحد المفاهيم الأساسية في هذه الأزمة هو «الاحتجاز التقني من قبل المزود».
ويعني ذلك أن مؤسسة أو جهة ما تصبح معتمدة على مزود واحد إلى درجة تجعل الانتقال إلى بديل آخر صعباً ومكلفاً، حتى عندما تكون البدائل موجودة.
فعندما تصبح منظومات مثل «مايكروسوفت 365» متغلغلة في صميم العمل اليومي، من البريد الإلكتروني إلى التخزين السحابي وبرامج المكاتب وبيانات الدخول، فإن مغادرتها تصبح عملية انتقال معقدة تتطلب وقتاً ومالاً وإعادة تنظيم داخلية واسعة.
ويقول باسكال شتوكلي، الشريك المؤسس لمبادرة «نيتسفيرك إس دي إس» السويسرية الداعية إلى حلول رقمية سيادية، إن الانتقال بعيداً عن عمالقة التكنولوجيا قد يستغرق بين سنتين و7 سنوات، بحسب طبيعة المؤسسة.
ما ينطبق على المؤسسات ينطبق على الأفراد.
اختيار «آيفون» أو «أندرويد»، أو حاسوب «ماك» أو «ويندوز»، يبدو في البداية قراراً واعياً وبسيطاً.
لكن المستخدم يجد نفسه، مع مرور الوقت، داخل منظومة متكاملة: صور، بريد، ملفات، كلمات مرور، تقويم، تطبيقات، مدفوعات، وسحابة.
كلما طال البقاء داخل هذه المنظومة، أصبح الخروج منها أصعب.
وهذا ما يجعل الراحة اليومية جزءاً من قوة الهيمنة.
فالخدمات تعمل بسلاسة لأنها مصممة لتبقي المستخدم داخل البيئة نفسها.
رغم الإحباط، منحت التجربة أصحابها لحظات شعور حقيقي بالتحرر.
فقد أصبحوا أكثر وعياً بأن السلوك الرقمي لا يتشكل دائماً بفعل اختيارات واعية، بل بفعل الراحة والإعدادات الافتراضية والاعتمادات الخفية.
كما بدأوا ينظرون إلى الخدمات المجانية بطريقة مختلفة.
فوفقاً لأبحاث «بروتون»، تدر بيانات المستخدم الأميركي العادي على «غوغل» نحو 1605 دولارات سنوياً، أي أكثر من 16 ألف دولار خلال عقد واحد.
هنا يصبح السؤال أكثر حدة: هل الخدمات مجانية فعلاً، أم أن المستخدم يدفع بثمن آخر هو بياناته واعتماده المتزايد على المنصة؟البديل لا يكفي إذا لم يستخدمه الآخرونأحد أكثر الدروس وضوحاً في التجربة أن البديل التقني لا ينجح وحده.
فقد استبدل أحد الصحفيين «واتس آب» بتطبيق «ثريما»، لكنه اكتشف أن لديه جهة اتصال واحدة فقط يمكنه التحدث معها هناك.
تقنياً، البديل موجود.
عملياً، قيمته محدودة إذا لم ينتقل الآخرون إليه.
ويقول لوكاس كاهفه سميث، الخبير في التقنيات مفتوحة المصدر بجامعة برن للعلوم التطبيقية، إن الانتقال بعيداً عن عمالقة التكنولوجيا لا يصبح عملياً إلا عندما يبلغ عدد مستخدمي البدائل حداً كافياً يجعلها نافعة في الحياة اليومية.
ويضيف: من يبدأ أولاً يدفع الثمن الأكبر، لكن كلما اتسعت دائرة الانتقال، خفت الكلفة وأصبح التحول أقل إيلاماً.
سيادة رقمية أم راحة رقمية؟تكشف التجربة أن السيادة الرقمية ليست شعاراً سهلاً.
يمكن لسويسرا أن تستثمر في بنية سحابية سيادية، وأن تمول بدائل مفتوحة المصدر، وأن تدعو مؤسساتها إلى الخروج تدريجياً من قبضة «مايكروسوفت» و«غوغل» و«أمازون».
لكن الطريق طويل ومكلف، ويحتاج إلى إرادة سياسية وتنظيمية وثقافية.
وعلى المستوى الفردي، تبدو المعركة أصغر لكنها ليست أسهل: بريد جديد، هاتف جديد، نظام تشغيل مختلف، تطبيقات بديلة، مدفوعات أقل سلاسة، واتصالات أقل عدداً.
النتيجة أن الاستقلال الكامل، سواء للأفراد أو الدول، لا يزال هدفاً بعيد المنال.
لكن التجربة تكشف شيئاً مهماً: لم تعد القضية في غياب البدائل، بل في قدرة المجتمع على تحمل كلفة التحرر من الراحة التي صنعتها هيمنة عمالقة التكنولوجيا طوال عقود.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك