طريق الشرق السريع.
والعراق الذي تأخر!في التاسع من يونيو حزيران الجاري، وقع وزيرا النقل في كل من المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية مذكرة تفاهم، تهدف للتعاون في قطاعي السكك الحديدية والخدمات اللوجستية، في خطوة وصفت بأنها تحول استراتيجي في حركة التجارة الإقليمية والدولية.
ويهدف المشروع إلى إنشاء ممر بري حديث يربط الخليج العربي والبحر الأحمر بالقارة الأوروبية عبر السعودية والأردن وسوريا وصولًا إلى تركيا، حيث يتصل بشبكات النقل الأوروبية.
ويُنظر إلى هذا المسار، المعروف استراتيجياً باسم “طريق الشرق الأوسط”، بوصفه بديلاً عالي الكفاءة لنقل البضائع والأفراد، بما يختصر الزمن والكلفة، ويقلل الاعتماد على المسارات البحرية التقليدية، فضلاً عن تجاوز العديد من الاختناقات الجيوسياسية المحتملة وفي المقدمة مضيق هرمز وباب المندب والتي اثبتت الاحداث انها قد لا تكون سالكة وأمينة على الدوام.
لا يتعلق الأمر بمجرد خط نقل جديد، بل بإعادة رسم جزء مهم من الخريطة الاقتصادية للمنطقة، والطريق المقترح بالمناسبة لا يقتصر على خطوط السكك الحديد بل يشمل النقل البري للشاحنات ايضا.
كما ان الممرات التجارية الحديثة لا تنقل البضائع فحسب، بل الأشخاص، وتجذب الاستثمارات، وتخلق فرص العمل، وتحفز على إنشاء المناطق الصناعية والخدمية، وتمنح الدول الواقعة على مسارها مزايا استراتيجية قد تستمر لعقود طويلة، ناهيك عن البعد التكاملي للدول المستهدفة بالمشروع، بكل ما ينطوي عليه ذلك من ابعاد اقتصادية وسياسية واجتماعية بل وحتى امنية عسكرية متى نشأت الحاجة.
المشروع في جزء منه كانه يحيي خط سكة حديد الحجاز التاريخي، والذي بناه العثمانيون اوائل القرن العشرين، وكان الغرض هو ربط دمشق بالمدينة المنورة مرورا بعدد من المدن والبلدات في سوريا والأردن والسعودية لتسهيل سفر الحجاج إلى الديار المقدسة، المشروع الجديد بامتدادات شمالاً يضيف مدنت تركية وأوروبية …ان دول العالم تتسابق اليوم على حجز مواقع متقدمة في خرائط التجارة العالمية، لهذا لم تعد مكانة الدول تقاس بناءّ على ما تملكه من ثروات، بل بقدرتها على توظيف تلك الثروة للتحول إلى عقدة استراتيجية في حركة النقل والطاقة والاستثمار.
ولهذا أصبحت الممرات الاقتصادية والسكك الحديدية والموانئ الحديثة والمناطق اللوجستية جزءًا من أدوات النفوذ السياسي والاقتصادي في القرن الحادي والعشرين.
هنا يبرز السؤال المؤلم بالنسبة للعراق: أين موقعه من هذه التحولات؟فالعراق، بحكم الجغرافيا والتاريخ، كان المرشح الطبيعي للقيام بهذا الدور.
فهو يشكل أقصر حلقة وصل برية بين الخليج العربي وتركيا وأوروبا، ويتمتع بموقع استراتيجي فريد لطالما اعتُبر أحد أهم ميزاته النسبية.
غير أن الجغرافيا وحدها لا تصنع الإنجازات، ولا تكفي لتحويل الفرص إلى واقع!
لقد انشغل العراق خلال العقود الماضية بالحروب والصراعات والأزمات السياسية والانقسامات الداخلية، ولازال يعاني حتى اللحظة، وهو لا يفتقد الرؤية الإستراتيجية بعيدة المدى فقط، بل يفتقر إلى بيئة مستقرة، ومؤسسات قوية، وإدارة كفؤة، وقرار سياسي موحد، وثقة إقليمية ودولية قادرة على جذب المستثمرين، وتعاقدات سليمة وضمان تنفيذ بإطار جداول زمنية واضحة، وحوكمة فعـالة ….
لهذا ضاعت عليه فرص واعدة، بينما كانت دول المنطقة تستثمر مليارات الدولارات في تطوير موانئها وشبكاتها اللوجستية وسككها الحديدية، وتبني شراكات اقتصادية عابرة للحدود، وتخطط لمستقبل ما بعد النفط.
ولم يكن مشروع “طريق التنمية” الذي أعلنته الحكومة العراقية في ٢٧ مايس ٢٠٢٣ سوى محاولة جادة لاستعادة هذا الدور التاريخي.
فالفكرة تقوم على ربط ميناء الفاو الكبير بتركيا وأوروبا عبر شبكة حديثة من السكك الحديدية والطرق السريعة، بما يجعل العراق مركزاً لوجستياً إقليمياً يربط الشرق بالغرب.
لكن المشروع يواجه صعوبات فنية ومالية، وادارية تنفيذية، لذا من غير المعروف متى سينتهي العمل به، والعراق كما هو معروف ما يزال يعاني من معوقات مزمنة تجعل المستثمرين أكثر حذراً، وفي مقدمتها الفساد الإداري والمالي، وضعف البنية المؤسسية للدولة، واستمرار الخلافات السياسية، وتعدد مراكز القرار، فضلاً عن التحديات الأمنية التي ألقت بظلالها على صورة البلاد طوال السنوات الماضية.
ومتى استمرّ هذا الوضع وتعطلت حركة الإصلاح، فان من المتوقع، ان لا يرى المشروع النور قريبا، بل وتضيع عليه فرص اخرى، ويهمش العراق ويفقد ميزته الجغرافية تدريجيا والى الابد.
آخذين في الاعتبار ان العالم من حولنا يتغير ويتقدم، وان فرص الاستثمار والتنميةّ لا تنتظر طويلاً.
بل هي تتحرك نحو البيئات الأكثر استقراراً، والأسرع إنجازاً، والأوضح رؤية.
وعندما تتأخر دولة ما في استثمار ميزاتها الطبيعية، فإن المنافسين لا يترددون في البحث عن بدائل أخرى، حتى وإن كانت أقل كفاءة من الناحية الجغرافية.
ومع ذلك، فإن الحديث عن الفرص الضائعة لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب يائس.
فما يزال العراق يمتلك من المقومات ما يؤهله للعودة إلى قلب المعادلة الاقتصادية الإقليمية.
فموقعه الجغرافي لم يتغير، وثرواته ما تزال كبيرة، وسوقه المحلية واعدة، وميناء الفاو الكبير يمكن أن يشكل نقطة تحول تاريخية إذا ما تحركت عجلة الإصلاح والتي تنطوي بين أمور كثيرة إلى مراجعة موضوعية لجميع المشاريع الاستراتيجية المتلكئة بضمنها مشروع ( طريق التنمية ) …و التحول في الرؤية من مشروع منافس لمشروع (طريق الشرق الأوسط ) إلى تكامل خليجي عربي، التحول من مسارات متنافسة ومتقاطعة إلى مسارات متكاملة، متذكرين ان الموانئ والمواقع اللوجستية في شرق الجزيرة العربية، في الكويت، البحرين، الإمارات المتحدة، قطر، وسلطنة عمان، إضافة إلى الموانئ والمدن في المنطقة الشرقية للسعودية …هي الأقرب إلى ميناء الفاو الكبير في الوصول إلى تركيا واوروبا.
المطلوب ان يجلس الفرقاء ويتفقوا على رؤية تنموية للمنطقة ككل، ينبثق منها افضل وصفة لوجستية، تلبي الحاجات، وتحقق التغيير المنتظر، وتعظم الفوائد المشتركة، تقلص الازدواجية، تقضي على الهدر، وتقتصد بالموارد والنفقات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك