تخيلوا المشهد أعزائي المشاهدين، ما أن بدأت المفاوضات الإيرانية الأميركية في سويسرا بعد ظهر اليوم، حتى رفض الوفد الإيراني مصافحة الوفد الأميركي أو أخذ أي صورة جماعية معه.
وما أن بدأت المفاوضات حتى وجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب صاروخًا تهديديًا لإيران، فقال إن لم توقف طهران فورا وكلاءها في لبنان عن إثارة المشاكل، فسنضربها بقوة، وإذا أغلقت مضيق هرمز فلن يتمكن المفاوضون الإيرانيون من العودة إلى بلادهم، وسنقضي على بلدهم، وإذا لم نتوصل إلى اتفاق مع إيران فسنفرض رسوم عبور في مضيق هرمز وستصبح أميركا الملاك الحارس للمضيق وتأخذ 20 بالمئة من النفط، ثم ذهب أبعد من ذلك بقوله إني اقترب من تسليم ملف حزب الله لسوريا ومنح القوة للرئيس السوري أحمد الشرع، وإني أشعر بخيبة أمل من إسرائيل لأنها لا تستطيع فعل أي شيء في لبنان دون هدم المباني.
هذه التهديدات الترامبية، تزامنت مع دخول تهديدي أيضا لبنيامين نتنياهو على خط المفاوضات، فقال لن أسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي مهما كان المسار السياسي، وأكد أن الحزام الأمني في جنوب لبنان مستمر.
وهو ما دفع رئيس البرلمان الإيراني ورئيس الوفد المفاوض محمد باقر قاليباق إلى الرد عبر تحذير واشنطن بالقول إن على الولايات المتحدة توخي الحذر في تصريحاتها لأن قواتنا المسلحة على أهبة الاستعداد للرد، لا بل إن وكالة تسنيم الإيرانية نقلت عن مصدر إيراني تأكيده أن الوفد الإيراني غادر سويسرا احتجاجا على تصريحات ترمب.
أما الرئيس الإيراني مسعود بزوشكيان فقال إن إيران لن تتراجع عن حقها في تخصيب اليورانيوم، وهو ما سارع الرئيس ترمب للرد عليه محذرا بضرورة الانتباه لكلامه.
لو اعتمدنا على ظاهر المفاوضات إذا وعلى التصريحات التي رافقتها، لقلنا إنها متجهة إلى فشل ذريع وإن العودة إلى الحرب محتملة جدا، لكن تجارب التاريخ التفاوضي تعلمنا أن ما يقال علنا لا يعكس بالضرورة ما يجري في الكواليس وخلف الغرف المغلقة.
صحيح أن الجو متشنج بين الجانبين لأن الوفد الإيراني لا يستطيع مصافحة من قتل مُرشده الأعلى ودمر قسما كبيرا من قدراته وبناه التحتية ولأن الثقة مفقودة بين الجانبين، وصحيح أيضا أن ترمب يريد تصوير المفاوضات انتصارا لبلاده ولذلك يحاول توجيه إندارات لإثبات أنه يفاوض من موقع القوي، لكن الصحيح أكثر أن الطرفين يحتاجان هذه المفاوضات، ويريدان الوصول إلى اتفاق، وهكذا رغبة تفترض أن يرفع كلٌ منهما سقف التشدد إلى أقصاه كي يحصل على أفضل النتائج.
هذا لا يعني مطلقا أن طريق المفاوضات مزروعة بالورود، فالعقبات ما زالت كبيرة والفخاخ حاضرة والشياطين جاهزة، لا بل إن البند الأول من المفاوضات والمتعلق بوقف إطلاق النار على كل الجبهات بما في ذلك لبنان، سيبقى عقبة كأداء إذا ما أصر نتنياهو على البقاء في جنوب لبنان وتطويق مقاتلي حزب الله وضربهم، فهؤلاء سيردون على ذلك عاجلا أم آجلا، لأن الحزب يؤكد أنه لا عودة إلى ما قبل الثاني من آذار أي الالتزام بعدم الرد.
والليلة قال أمين عام حزب الله إن إسرائيل لن تبقى في لبنان، وسنتعامل مع أي خروقات، ونرفض إقامة أي منطقة أمنية إسرائيلية في لبنان.
عقدة لبنان كانت اليوم في صلب المفاوضات في سويسرا وفق ما قالت طهران التي هدد أحد أعضاء وفدها التفاوضي بأنه إذا لم تنته الحرب في لبنان فلن تستمر المفاوضات بشأن أمور أخرى.
إذا كان لبنان عقد المفاوضات إلى هذه الدرجة، فكيف إذا ما انتقلت المفاوضات إلى أموال إيران المجمدة وإلى البرنامج النووي وغيره.
نحن ما زلنا في اليوم الأول من عملية تفاوضية صعبة ومعقدة من المفترض أن تستمر ستين يوما، وقد تمدد إذا ما سارت الأمور على نحو جيد يتطلب تمديدها، وقد تتوقف في أي لحظة، وشبح الحرب لن يزول في فرصة قريبة، لكن هل تهديد الرئيس ترمب إيران بالعودة إلى ضربها بعنف منطقي بعد أن فقدت الحرب كل مبرراتها، وهل تغامر طهران بنسف هذه المفاوضات في أقرب فرصة بينما مذكرة التفاهم تتضمن نقاطا كثيرة تصب في صالحها.
الواقع أنه مع رئيس متقلب المزاج والقرارات كترمب، ومع رئيس حكومة اسرائيلي كنتيناهو ينتظر أي فرصة للانقضاض على الاتفاق، ومع متشددين في إيران لا يريدون تقديم تنازلات في الملفات الكبرى ويعتقدون أنهم ربحوا الرهان في حرب شد الأعصاب وفي اللعب على عامل الوقت وفي إشعال المنطقة من إسرائيل ولبنان إلى الخليج وفي إغلاق معابر النفط، تبقى كل الاحتمالات واردة حتى ولو أن المنطق يقول بضرورة لتغليب التفاوض على أي أمر آخر لأن فيه مصلحة للجميع.
حول هذا الملف، تحدث لبرنامج مدار الغد من دبي د.
سمير التقي، الباحث في المجلس الأطلسي في واشنطن، ومن باريس د.
خطار أبو دياب - أستاذ العلاقات الدولية بجامعة باريس، والسفير علي الحفني - الأمين العام للمجلس المصري للشؤون الخارجية.
أكاديمي: المفاوضات الجادة بين أميركا وإيران لن تبدأ قبل وصول الدفعة الأولى من الأموالالسفير علي الحفني: تفاهمات طهران وواشنطن حذرة والتفاصيل المهمة ما زالت في أول الطريق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك