على مدار تاريخها، لم تتعامل جماعة الإخوان الإرهابية مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية وطنية أو قومية تستوجب الدعم الصادق، بل حولتها إلى منصة للمزايدات السياسية وباب واسع لجمع الأموال وحشد الأنصار وتوسيع النفوذ التنظيمي.
فبينما كانت مصر تدفع أثمانًا سياسية واقتصادية وأمنية دفاعًا عن الحقوق الفلسطينية، كانت الجماعة تتاجر بالشعارات وتستثمر في الدماء والمعاناة لتحقيق مكاسبها الخاصة.
ومع اندلاع الحرب في غزة عقب أحداث السابع من أكتوبر 2023، سقطت الأقنعة مجددًا.
ففي الوقت الذي قادت فيه الدولة المصرية جهودًا مكثفة لوقف العدوان ورفض مخططات التهجير وإدخال المساعدات الإنسانية والدفاع عن بقاء الفلسطينيين على أرضهم، خرجت عناصر محسوبة على جماعة الإخوان لتنظيم وقفة احتجاجية أمام السفارة المصرية في قلب تل أبيب، موجهة سهامها إلى القاهرة بدلًا من توجيهها إلى الاحتلال المسؤول عن المأساة.
ذلك المشهد لم يكن مجرد موقف سياسي عابر، بل كشف عن وجه الجماعة الحقيقي؛ تنظيم لا يتردد في استهداف الدولة المصرية وتشويه دورها التاريخي في خدمة القضية الفلسطينية، بينما تطارده في الوقت نفسه شهادات واعترافات صادرة من قياداته ومنشقيه تتهمه باستغلال اسم فلسطين والأقصى وغزة لجمع التبرعات وتكديس الأموال وتوظيفها لخدمة أهداف التنظيم.
وبين الهجوم على مصر والمتاجرة بمعاناة الفلسطينيين، تتكشف واحدة من أكثر صفحات الجماعة إثارة للجدل، حيث تحولت القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى أداة للاستثمار السياسي والمالي في أدبيات الإخوان وممارساتهم.
وقفة تل أبيب.
هجوم على مصر وتبرئة ضمنية للاحتلالفي الوقت الذي كانت فيه الأنظار تتجه إلى الجرائم والانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون داخل قطاع غزة، اختارت جماعة الإخوان توجيه بوصلتها نحو مصر، عبر تنظيم وقفة احتجاجية بالقرب من السفارة المصرية في تل أبيب، متهمة القاهرة بالمشاركة في حصار غزة ومتجاهلة الدور المصري الممتد تاريخيًا في الدفاع عن القضية الفلسطينية.
المفارقة أن الجماعة التي رفعت شعارات نصرة فلسطين لم تجد غضاضة في استهداف الدولة التي أعلنت منذ اللحظة الأولى رفضها القاطع لمخططات تهجير الفلسطينيين أو تصفية القضية، وقادت جهودًا سياسية ودبلوماسية مكثفة لإيقاف الحرب وإدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع.
وبينما كانت مصر تتحرك في كل الاتجاهات لحماية الحقوق الفلسطينية، كانت الجماعة منشغلة بتشويه صورة القاهرة وإضعاف موقفها الإقليمي والدولي ووقفت الجماعة في قلب تل أبيب في حماية المحتلين تشوه مصر.
شهادة من داخل التنظيم.
فلسطين كانت وسيلة لجمع الأموالالفضيحة الأخطر جاءت من داخل الجماعة نفسها، وتحديدًا على لسان محمود عبد الحليم، عضو الهيئة التأسيسية للإخوان وأول مؤرخ رسمي لتاريخ التنظيم، الذي كشف في كتابه" الإخوان المسلمون.
أحداث صنعت التاريخ" تفاصيل صادمة عن حقيقة الأموال التي كانت تُجمع باسم فلسطين.
وأوضح عبد الحليم أن التبرعات التي كان الإخوان يجمعونها من المساجد والمقاهي والتجمعات الشعبية لم يكن الهدف منها في الأساس دعم المقاتلين الفلسطينيين، مؤكدًا أن المجاهدين الفلسطينيين لم يكونوا في حاجة إلى تلك الأموال بالقدر الذي كان يروجه التنظيم.
وكشف أن جمع التبرعات كان وسيلة للتأثير على الرأي العام وربط الجماهير بالتنظيم، وأن الأموال التي كانت تُحصَّل لم تكن ترسل إلى المجاهدين الفلسطينيين، وإنما كانت تُنفق على أنشطة الدعاية والتحرك التنظيمي الخاصة بالجماعة، بما يخدم أهدافها السياسية والتنظيمية.
علي عشماوي يفضح المتاجرة بالأقصىاعتراف آخر لا يقل خطورة جاء على لسان علي عشماوي، آخر قادة التنظيم الخاص للإخوان، في كتابه" التاريخ السري للإخوان المسلمين"، حيث أكد أن الجماعة اعتادت استغلال مشاعر المسلمين تجاه القدس والأقصى لفتح أبواب جديدة للتبرعات وجمع الأموال.
وأشار عشماوي إلى أن الجماعة كانت ترفع شعار التطوع لإنقاذ الأقصى كلما أرادت تعبئة الأنصار أو جمع مزيد من الأموال، لافتًا إلى أن تلك التبرعات كانت تُستخدم في شراء السلاح وتخزينه لصالح التنظيم، فيما ظلت مصائر مبالغ ضخمة جُمعت باسم فلسطين مجهولة وغير خاضعة لأي رقابة أو شفافية.
وأضاف أن كثيرًا من الروايات التي روجتها الجماعة بشأن دورها في حرب 1948 لا تعكس الواقع الحقيقي، مؤكدًا أن مشاركتها كانت محدودة مقارنة بالصورة البطولية التي حاولت ترسيخها في أدبياتها وخطابها الدعائي.
نصف مليار دولار.
أحدث فضائح التبرعاتوفي أحدث حلقات الجدل المرتبطة بملف الأموال، كشف ماهر فرغلي، الخبير في شؤون الجماعات الإرهابية، عن اتهامات تتعلق باستيلاء جهات مرتبطة بجماعة الإخوان على ما يقرب من نصف مليار دولار جُمعت تحت شعار دعم غزة.
فلسطين في أدبيات الإخوان.
شعار للحشد ومصدر للتمويلتكشف الشهادات التاريخية والوقائع الحديثة خيطًا مشتركًا يربط بين ممارسات الجماعة على مدار عقود، وهو استغلال القضية الفلسطينية باعتبارها أداة للحشد السياسي والتوسع التنظيمي وجمع الأموال.
ففي الوقت الذي كانت فيه مصر تخوض معارك سياسية ودبلوماسية دفاعًا عن الحقوق الفلسطينية، وتتحمل أعباءً كبيرة للحفاظ على القضية ومنع تصفيتها، كانت الجماعة توظف اسم فلسطين في حملات التعبئة والتجنيد وجمع التبرعات، مستفيدة من المكانة الخاصة التي تحظى بها القضية في وجدان الشعوب العربية والإسلامية.
تكشف وقفة تل أبيب، إلى جانب الشهادات والاعترافات المتراكمة من داخل الجماعة نفسها، حجم التناقض بين الشعارات التي يرفعها الإخوان والواقع الذي تكشفه الوقائع.
فالتنظيم الذي يهاجم الدولة المصرية ويتهمها بالتقصير تجاه غزة، هو ذاته الذي يواجه اتهامات تاريخية وحديثة باستغلال القضية الفلسطينية لتحقيق مكاسب سياسية ومالية وتنظيمية.
وبينما تواصل مصر دورها التاريخي في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية ورفض مخططات التهجير والتصفية، تتزايد الأسئلة حول مصير الأموال التي جُمعت لعقود باسم فلسطين، وحول حقيقة الدور الذي لعبته الجماعة بعيدًا عن الشعارات الرنانة والخطابات العاطفية التي طالما استخدمتها لاستقطاب الأنصار وجمع التبرعات.
فالقضية التي قدمها الإخوان باعتبارها عنوانًا للنضال، تكشف الوقائع أنها كانت في كثير من الأحيان واحدة من أهم أدوات الاستثمار السياسي والمالي في تاريخ التنظيم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك