باريس- “القدس العربي”: تحت عنوان: “ما يجب معرفته عن إطلاق سراح تسعة سلفيين من قبل ولد الغزواني”، توقفت مجلة “جون أفريك“ الفرنسية عند إفراج السلطات الموريتانية عن سجناء مدانين بالتطرف الديني، من بينهم أحد أبرز وجوه الجهادية في البلاد.
وقد عبّر جميعهم عن توبتهم، عقب حوار قاده علماء دين بالتنسيق مع السلطات.
فبمرسوم رئاسي، تلاه بيان صحافي، أعلنت السلطات الموريتانية بشكل مقتضب في 19 حزيران/ يونيو الجاري، العفو عن معتقلين أُدينوا في قضايا تتعلق بالتطرف الديني.
استفاد ثلاثة منهم من عفو شامل، بينما حصل ستة آخرون على تخفيف في أحكامهم الأصلية، وغادروا جميعًا السجن فورًا.
وقد أصبح هذا الإفراج ممكنًا بفضل عمل مجموعة من العلماء الدينيين، كلفهم رئيس الدولة، محمد ولد الشيخ الغزواني، بـ“إجراء حوار عقدي معمق” مع السلفيين، الذين “أعادوا النظر في قناعاتهم ومواقفهم الأيديولوجية، وعبّروا عن توبتهم وطلبوا الصفح عن الأضرار التي ألحقوها بالدولة والمجتمع”.
ووفقًا للبيان الصادر عن الرئاسة، فقد عبروا أيضًا عن “رغبتهم الصادقة في العودة إلى الطريق المستقيم” والاندماج مجددًا في المجتمع.
لم تنشر السلطات قائمة رسمية بالأسماء.
لكن الشخصية الأكثر شهرة بين المستفيدين من هذا القرار هي الخديم ولد بشير ولد السمان.
هذا الوجه البارز في الجهادية المحلية، والذي كان معروفًا سابقًا بخطاباته الحماسية، حُكم عليه بالإعدام عام 2010 بسبب مشاركته في إطلاق نار، قُتل خلاله شرطي في نواكشوط.
وقد خُفف حكمه لاحقًا إلى السجن المؤبد.
تم تداول صور لهذا الرجل، صاحب اللحية الكثيفة التي أصبحت مائلة إلى الحمرة، ووجهه الذي ما يزال مستديرًا، على مواقع التواصل الاجتماعي عند الإفراج عنه.
ووفقًا لمصادر الصحيفة، لم يُفرج عن أي من المتورطين في مقتل أجانب، سواء كانوا السياح الفرنسيين الأربعة عام 2007، أو العامل الإنساني الأمريكي في 2009.
ومع ذلك، شمل العفو بعض المتواطئين مع أربعة جهاديين -قُتل ثلاثة منهم، بينما سلّم الرابع نفسه- كانوا قد فروا من سجن دار النعيم في نواكشوط عام 2023.
وقد عبّر جميع المعتقلين التسعة عن توبتهم كتابيًا.
ووفقا لمعلومات “جون أفريك” فقد تم تشكيل فريق بشكل سري داخل السجن من قبل أجهزة الاستخبارات لتقييم سلوكهم.
كما تم إنشاء لجنة للحوار مع السجناء المتطرفين والراديكاليين، يرأسها محمد مختار امبالة، منذ عدة أشهر.
وتضم اللجنة ضمن أعضائها محفوظ ولد الوالد، المعروف بأبو حفص الموريتاني، وهو الرجل الثالث السابق في تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ومستشار سابق لأسامة بن لادن، والذي أعلن هو الآخر توبته ويقيم في نواكشوط منذ عام 2012.
وقد تناولت النقاشات، التي تكثفت في الأشهر الأخيرة، عدة مواضيع مثل الولاء والبراء، وتعريف الجهاد، وسيادة الله.
وقال محمد مختار امبالة خلال مؤتمر صحافي في 20 من الشهر الجاري، إن هذه القضايا “تمت معالجتها من زاوية الشريعة وعلى أساس النصوص الدينية”، موضحًا أن هذا المسار “اختياري”.
وأضاف: “يمكن للشخص أن يحاول، وإذا لم يقتنع، يمكنه الانسحاب”.
قد يبدو هذا القرار مفاجئًا، لكنه لم يدهش الموريتانيين.
أولًا لأنه ليس سابقة، إذ سبق لمحمد ولد الشيخ الغزواني أن عفا عن ثمانية معتقلين مدانين في قضايا مرتبطة بالإرهاب عام 2022، والذين كانوا قد “تخلوا عن أفكارهم المتطرفة” بحسب لجنة من العلماء.
وثانيًا لأن البلاد تعتمد منذ سنوات عديدة، من بين أمور أخرى، على مسار نزع التطرف عبر الحوار الفكري، بالتعاون مع القيادات الدينية.
في عام 2010، نظم الرئيس آنذاك، محمد ولد عبد العزيز، لأول مرة، نقاشًا واسعًا بُث مباشرة على التلفزيون، جمع بين سجناء وعلماء دين.
وخلال السنوات الأخيرة، كثّف هؤلاء العلماء لقاءاتهم مع السلفيين، الذين أبدوا أيضًا انفتاحًا على استقبال النساء، المرشدات الدينيات.
وعلى خطاهم، يزور الأئمة السجون بشكل منتظم، كما يتدخلون في المحاظر (المدارس التقليدية).
وكان وزير الدفاع حننا ولد سيدي قد صرح لـ“جون أفريك” عام 2024 أن “الانخراط الفعّال للعلماء، الذين يتمتعون بمكانة واحترام في العالم العربي والإسلامي، ساهم بشكل كبير في الحد من انتشار الأفكار المتشددة، التي تتنافى مع الإسلام الصحيح، وأعاد عشرات المقاتلين السابقين إلى الطريق الصحيح”.
وأضاف: “كما أن تمويل مشاريع مدرة للدخل ساهم في إعادة إدماج التائبين اجتماعيًا، حيث أصبح بعضهم من أبرز الداعين إلى مكافحة التطرف والعنف”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك