كانت تفاصيلنا لا تُختزل في نقرة زر، ولم تكن ملامحنا رهينة" فلتر" يمنحنا وجوهاً مستعارة لا تشبهنا، كان للذكريات وزن يُحمل، وملمس يُتحسس، ورائحة ورقية عتيقة تفوح من بين طيات" الألبوم" المخملي القابع في قلب كل بيت.
ذلك الصندوق السحري الذي كان يضم شتات العائلة، ويحرس ملامح السنين من التبدد، قبل أن تغزونا ثورة" الديجيتال" وتتحول لقطاتنا إلى مجرد أرقام مهملة في غياهب" الذاكرة العشوائية".
المفارقة الساخرة أننا اليوم نلتقط آلاف الصور في الدقيقة الواحدة، لكننا لا نرى منها شيئاً، نكدس" اللايكات" على منصات التواصل، ونحن نعيش عزلة حقيقية خلف الشاشات.
في الماضي، كانت للصورة هيبة؛ تبدأ من رحلة شراء" شريط الفلم" بـ 36 لقطة فقط، مراراً بحبس الأنفاس أثناء عملية" التحميض" في الاستوديو، وصولاً إلى الفرحة العارمة حين يمسك الأب بالصور الورقية ويسرع بها إلى المنزل.
كان كل خطأ في التصوير عفوياً وجميلاً، وكانت" هزة اليد" أو" العيون الحمراء" تضفي سحراً وضحكة تدوم لسنوات، على عكس عصرنا الحالي الذي يبحث عن كمال زائف يمحو الأصالة ويلسع المشاعر.
لقد خانتنا التكنولوجيا عندما أقنعتنا أن هواتفنا الذكية هي الحارس الأمين لذكرياتنا، كم من هاتف ضاع ومعه تاريخ كامل من الضحكات؟ وكم من" هار ديسك" تلف فجأة ليتحول عمرنا إلى سراب رقمي لا يمكن استعادته؟ سُرقت منا متعة الطقس العائلي الذي كان يجمعنا أيام العيد والإجازات حول ألبوم ورقي واحد، يقلب الأجداد صفحاته بأصابع يرتعش فيها الحنين، ويستحضرون حكايات الراحلين والغائبين، فتتحول الورقة الجامدة إلى كائن حي ينبض بالدفء والأمان.
نحن الآن نعيش عصر" التخزين الأعمى"، حيث تحولت الصور من" وثائق عاطفية" إلى" ملفات مؤقتة" مصيرها الحذف أو النسيان في سلة المهملات.
إن الحنين إلى ألبوم الصور الورقي ليس بكاءً على المظهر، بل هو حسرة على الجوهر، واحتجاج صامت ضد عالم رقمي بارد، استبدل لمسة اليد الحانية بمسحة شاشة جافة، وسرق منا متعة الاحتفاظ بملامحنا الحقيقية دون رتوش أو تزييف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك