ليس من الممكن اعتماد وصفة موحدة أو سريعة لتطوير كرة القدم في دول كبرى مثل روسيا والصين والولايات المتحدة الأميركية، إذ تختلف الظروف والعوامل التي أسهمت في تأخر اللعبة في كل منها.
فعلى رغم الإمكانات الاقتصادية والبشرية الهائلة التي تمتلكها هذه الدول، لا تزال كرة القدم فيها أقل شعبية وتأثيراً مقارنة بدول أصغر حجماً وأقل ثراءً.
ومن خلال دراسة التجربة الصينية يمكن الوصول إلى مدخل لفهم التجربتين الروسية والأميركية، حيث تشترك الدول الثلاث في تحدٍّ أساس يتمثل في عدم قدرتها حتى الآن على تحويل كرة القدم إلى صناعة عالمية مزدهرة تدر أرباحاً كبيرة وتسهم في تنشيط السياحة والاقتصاد، على رغم الجهود والاستثمارات الضخمة المبذولة لتحقيق هذا الهدف.
ولفهم أسباب عدم نجاح هذه الدول في بناء صناعة كروية عالمية، لا بد من التوقف عند جملة من العوامل السياسية والاقتصادية التي أسهمت في إبطاء تطور اللعبة.
وتُعدّ الصين مثالاً واضحاً على ذلك، إذ إن تنظيم مباريات كرة القدم للهواة كان يواجه صعوبات كبيرة حتى وقتٍ قريب.
ويشير الكاتب والرحّالة الإنجليزي روان سيمونز إلى أن الحكومة الصينية كانت تطبق، حتى الفترة التي سبقت عام 2008، قيوداً صارمة على الأنشطة الجماعية، مما انعكس سلباً على انتشار كرة القدم وتوسع قاعدتها الجماهيرية.
وروان سيمونز هو مؤلف كتاب" أعمدة المَرمى الخيزرانية"، وكتابه هذا لقي نَصيباً من الشُهرة في الصين، فيما قَضى سيمونز نفسه معظم حياته في ذلك البلد بوصفه ناشطاً في مجال كرة القدم.
ويصف روان في كتابه حجم التحديات التي واجهت نشر كرة القدم في الصين، مشيراً إلى أن محدودية المساحات المتاحة داخل المدن والقيود المفروضة على الأنشطة الجماعية شكّلتا عقبتين أساسيتين أمام تطور اللعبة.
فتنظيم مباراة بسيطة للهواة كان يتطلب الحصول على موافقات عدة والخضوع لإجراءات معقدة، مما جعل بناء قاعدة شعبية وبنية تحتية داعمة لكرة القدم مهمة شاقة تتطلب صبراً ومثابرة مستمرين.
لم يكن هناك" رِهانات شُجاعة على لعبة كرة القدم" في أميركا وروسيا والصين منذ عقود.
فالمحاولات التاريخية لاستقطاب النجوم الأجانب وتأسيس بيئة كروية تنافسية في الصين مثلاً، فَشِلت بسبب ضعف القاعدة الشعبية.
ولذلك يُقدّم سيمونز سَرداً" فُكاهياً" للصعوبات التي واجهت بناء أسُس كرة القدم في بلاد وصفها الناشط الإنجليزي بأنها" مُزدحمة وتفتقر إلى المساحات الرياضية داخل المدن".
من جهة ثانية، وفي مقالة ضمن السياق ذاته نُشرت على موقع" مُحادثة بريطانية" أخيراً، أكد الموقع أن الصين أطلقت منذ عام 2016 رهاناً مالياً وسياسياً ضخماً لتطوير اللعبة.
ولكن وفي الوقت ذاته، نوهت المقالة إلى أن رهان الصين الضخم على كرة القدم كان يتطلب شجاعة وجرأة، إضافة إلى موارد مالية ضخمة.
إذ جاء في المقالة وصف لما حدث بعد شراء الصين لاعبين أوروبيين مميزين، إذ يقول الكاتب" كان جاكسون مارتينيز وأليكس تيكسيرا وراميريز، الذين كانوا من بين أفضل لاعبي كرة القدم في أوروبا وقتها، محور صفقة الدوري الصيني المُمتاز التي بلغت قيمتها 200 مليون جنيه إسترليني لضمّ مواهب كروية".
ويؤكد ديفيد كوكاين، المحاضر الأول في كلية الإدارة بجامعة ليفربول أن حجم الاستثمارات الصينية في كرة القدم عكس طموحاً يتجاوز مجرد تطوير اللعبة محلياً.
ويشير إلى أن الإنفاق الذي شهدته الأندية الصينية فاق ما ينفقه الدوري الإنجليزي الممتاز خلال فترة الانتقالات الشتوية، التي تُعد عادةً الأكثر نشاطاً وارتفاعاً في قيمة الصفقات.
ومع ذلك، فإن هذه النفقات لم تكن سوى جزء من مشروع استثماري أوسع، سعت الصين من خلاله إلى تعزيز حضورها في كرة القدم العالمية وترسيخ مكانتها على الساحة الرياضية الدولية.
أظهر المسعى الصيني إلى ضم أفضل لاعبي العالم للدوري" النية الصادقة" لإحداث تغيير جذري في الوضع الراهن لكرة القدم، واعتُبر ذلك وقتها" تقدماً ملحوظاً"، خصوصاً أنه ترافق مع خُطط طموحة.
ويرى ديفيد أن" ثمة اختلافاً في جهود الرئيس شي جين بينغ، فمن خلال هذه الرؤية ستُصبح الصين قوّة عالمية في شتى المجالات، من الطيران وتكنولوجيا النانو إلى كرة القدم".
كانت خطة الرئيس الصيني خُطة عَشرية.
فالرئيس شي جين بينغ وضع عام 2015 خطته التي تمتد حتى عام 2025، التي كانت ترتكز على إنشاء اقتصاد رياضي صيني بقيمة 850 مليار دولار أميركي.
ويُعد هذا" هدفاً طموحاً للغاية" وفق ديفيد" لا سيما وأن قيمة سوق الرياضة العالمية وقتها لم تكن تتجاوز 145 مليار دولار أميركي".
ولتحقيق ذلك، قرر شي بناء 20 ألف مدرسة لكرة القدم بحلول عام 2017، و30 ألفاً أخرى بحلول عام 2025، وكل ذلك يأتي على أمل تخريج 100 ألف لاعب مُحتمل.
على رغم ذلك، أكد بعض المراقبين الرياضيين وقتها أن هذه الطموحات عالية جداً، بل ربما غير واقعية، وأنها ستواجه الفشل لأسباب كثيرة أهمها دور رجال الأعمال الصينيين في الخطة.
وهذا للأسف ما حدث فعلاً.
ولكن بالنسبة إلى من لديهم خبرة في مجال الأعمال في الصين، لم يكن الطموح غريباً، فهو يعكس نهج الصين" الصناعي" في النمو والتنمية الاجتماعية والاقتصادية.
نحن اليوم في عام 2026، أي بعد مرور الموعد الذي حددته الصين لتحقيق المرحلة الأولى من مشروعها الكروي الطموح بحلول عام 2025.
غير أن الواقع يشير إلى أن كرة القدم الصينية لا تزال بعيدة عن المكانة التي كانت تطمح إليها القيادة الصينية، سواء على مستوى الحضور في كأس العالم أو على مستوى المنافسة بين القوى الكبرى في اللعبة.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري: لماذا لم تحقق خطة شي جين بينغ أهدافها على رغم الاستثمارات الضخمة التي ضُخت في قطاع كرة القدم؟تشير دراسات ومراجع رياضية أوروبية إلى أن خطة شي جين بينغ لم تكن مجرد مشروع لتطوير كرة القدم، بل كانت جزءاً من استراتيجية وطنية أشمل عُرفت باسم" الصين الصحية 2030".
وقد استهدفت هذه الرؤية بناء صناعة رياضية متكاملة تشمل كرة القدم وكرة السلة والرياضات الأولمبية واللياقة البدنية، إلى جانب تطوير السياحة الرياضية والبنية التحتية المرتبطة بها.
وكان الهدف الرئيس لهذه الاستراتيجية يتمثل في تحويل الرياضة من نشاط اجتماعي إلى قطاع اقتصادي حيوي يسهم في خلق فرص العمل وجذب الاستثمارات وتعزيز القوة الناعمة للصين عالمياً.
وفي إطار هذه الرؤية، احتلت كرة القدم موقعاً محورياً، خصوصاً بعدما أعلن شي جين بينغ ثلاث غايات طموحة أصبحت عنواناً للمشروع بأكمله: تأهل الصين إلى كأس العالم واستضافة البطولة ثم الفوز بكأس العالم.
على أرض الواقع وتحديداً بعد عام 2019 توقفت هذه الطَفرة الرياضية تماماً، " إذ بدأت الحكومة الصينية بفرض قيود مالية صارمة، ووضعت سقف رواتب للاعبين، وفرضت ضرائب على الصفقات الكبيرة، مع منع الشركات من الإنفاق المُبالغ فيه".
ووفق الموسوعات الرياضية أيضاً، فقد كان السبب" تراكم ديون ضخمة على الأندية التي انهار بعضها تماماً مثل نادي" جيانغسو سونينغ" وهو بطل الدوري وقتها، الذي انضم إليه لاعبون أوروبيون عدة، والذي ما لبث أن أغلق أبوابه بعد أشهر من فوزه باللقب.
وبذلك كانت النتيجة أن الصين لم تحقق أهداف كرة القدم الربحية، لكنها نجحت في بناء ملاعب جديدة وأكاديميات وزيادة المشاركة الشعبية في الرياضة وتحويل الرياضة إلى قطاع اقتصادي كبير أقل طُموحاً.
ملعب عُش الطائر أو مصنع اللاعبينكان ملعب عُش الطائر واحداً من أبرز رموز الخطة.
وضم هذا المشروع وحده نحو 3 آلاف طالب مُسجّل، مما أكسبه لقب" مصنع كرة القدم".
وكما هي الحال في جميع القطاعات الصناعية الأخرى في الصين، تأتي الخطة من أعلى الهرم دائماً، وقد انطبق هذا أيضاً على الرياضة، وذلك من خلال محاولة تطبيق فكرة التعليم الرياضي.
ولتحقيق ذلك، كان لا بد من إنشاء مؤسسات مِهنية مُتخصصة في الرياضة، " لاكتشاف رياضيي المُستقبل وتشجيعهم على استثمار أعوام دراستهم الابتدائية والثانوية في صقل مواهبهم الخام وتحويلها إلى نجاحات رياضية".
وقد أثمر هذا النهج وفق الكاتب ديفيد" عن عدد لا يُحصى من الميداليات الأولمبية على مستوى الشباب والكبار، لكن نجاحه كان في المقام الأول في الرياضات الفردية، لا الجماعية".
يُذكر هنا أن الكاتب ديفيد كوكاين هو أيضاً مُحاضر أول في إدارة الأعمال والرياضة في كلية الإدارة بجامعة ليفربول.
وتشمل مسؤولياته التدريس في برنامج ماجستير إدارة الأعمال في صناعات كرة القدم وتقديم برامج التعليم التنفيذي وتوفير برامج التطوير المهني المُستمر داخل الكلية.
وتُعدّ هذه الاستراتيجية الاستثمارية، التي تقوم على استهداف طرفي هرم كرة القدم في الصين، مقاربة مبتكرة ربما وفّرت للبلاد أفضل فرصة لبناء منظومة كروية حديثة.
فبينما يسهم استقطاب النجوم العالميين في جذب اهتمام الإعلام ورفع مستوى المتابعة الجماهيرية، تعمل الاستثمارات الضخمة في أندية كبرى مثل" مانشستر سيتي"، والتي شملت استثماراً بقيمة 265 مليون جنيه إسترليني، على تعزيز ثقة الرعاة والمستثمرين بأن دخول الصين إلى عالم كرة القدم يمثل مشروعاً مدروساً وليس مغامرة عشوائية.
وقد بدا هذا التوسع في الاستثمارات على مستوى النخبة لافتاً، وبخاصة إذا ما ارتبط بأهداف بعيدة المدى، من بينها إعداد 100 ألف لاعب محلي بحلول عام 2025، وإنشاء نحو 50 ألف مدرسة لكرة القدم.
وإذا ما تحققت هذه الأهداف، فقد تمهّد الطريق أمام الصين لتصبح موطناً لأول دوري كرة قدم رئيس خارج أوروبا بمستوى تنافسي عالمي.
ولفت النموذج الذي تبنّته الصين في تطوير كرة القدم اهتمام المراقبين، إلا أن بعض الصحافيين والكتّاب طرحوا تساؤلات حول مدى استدامته على المدى البعيد.
وذهب بعضهم إلى أن استثمارات رأس المال التي ضخّها رجال أعمال صينيون في هذا المجال قد تكون، جزئياً، وسيلة لتعزيز علاقاتهم بالسلطة السياسية، لا سيما بالرئيس شي جين بينغ.
ومع مرور الوقت، ظهرت مؤشرات تؤيد هذه المخاوف، إذ وُجّهت اتهامات، وإن بصورة غير مباشرة، لبعض رجال الأعمال في هذا السياق.
ويشير الكاتب والرحالة روان سيمونز في كتابه" أعمدة المرمى الخيزرانية" إلى أن العلاقات الشخصية كانت في تلك المرحلة أكثر تأثيراً من القواعد القانونية في الصين.
ويؤكد أن النجاح هناك لا يعتمد فقط على الالتزام بالأنظمة الرسمية، بل يرتكز بدرجة كبيرة على بناء شبكات من العلاقات والثقة.
ويطلق على هذا المفهوم الثقافي مصطلح" قوانشي"، الذي يشير إلى منظومة من الروابط المتبادلة التي تنظّم مجالات التعامل اليومي، موضحاً أن فهم هذا البعد الاجتماعي يعدّ مفتاحاً أساساً لفهم الواقع الصيني.
برنامج مُباراة اليوم الإنجليزييضيف ديفيد كوكاين في مقالته هذه" في أوروبا، لا توجد لدينا مدارس كُرة قدم بالمعنى المُتعارف عليه، لكن كرة القدم حاضرة بقوة في أذهاننا، ويلعب الإعلام دوراً مهماً في ذلك، وربما تحتاج كرة القدم الصينية إلى برنامج مماثل لبرنامج (مباراة اليوم) الإنجليزي الذي يُسلّط الضوء على أبرز أحداث المباريات".
ووفق ديفيد، لا يستمتع كثير من مشجعي كرة القدم في المملكة المتحدة بمشاهدة المباريات كاملة، ولا يحضرون المباريات مباشرة.
وعلى رغم ذلك، أصبح التحليل الفكاهي والعميق والحماسي لأحداث نهاية الأسبوع سمة مميزة لكرة القدم في إنجلترا.
وبذلك تحتاج الأندية الصينية إلى تجاوز مُجرد جذب المشجعين المتحمسين، والتركيز أكثر على المشجعين العاديين.
فهذه الفئة وفق المُحاضِر الجامعي هي التي" ستَضمَن في نهاية المطاف استمرارية النادي".
كذلك يلفت ديفيد إلى أهمية استخدام التعليم كأحد الحلول لنشر كرة القدم في الصين، وذلك لأن التعليم يُعد بلا شك أهم ما تُنفق عليه العائلات الصينية أموالها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك