أعادت جولة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في منطقة الخليج فتح ملفات حساسة تتعلق بمستقبل الأمن الإقليمي، في ظل سعي واشنطن إلى طمأنة حلفائها بعد التفاهم الأخير مع إيران، وسط تباين في المواقف بشأن مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية ودور حلفاء طهران في المنطقة.
ويبرز مضيق هرمز في مقدمة القضايا المطروحة، باعتباره شريانًا رئيسيًا لتدفق النفط الخليجي إلى الأسواق العالمية.
وفي هذا السياق، أكد روبيو أن" لا دولة تستطيع فرض رسوم عبور في مضيق هرمز"، في حين تشدد طهران على أن أوضاع المضيق" لن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب"، وأن من حقها إدارة الممر بما يضمن أمنه وسلامته.
وفي الملف النووي، ظهرت روايات متباينة بين واشنطن وطهران عقب الجولة الأولى من المحادثات التي عقدت في سويسرا.
فبينما قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن إيران وافقت على أعلى مستويات التفتيش النووي ودون قيود، نفت طهران تقديم أي التزامات جديدة تتجاوز الأطر السابقة.
أما بشأن برنامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، فرغم تراجع واشنطن عن فكرة التفكيك القسري لهذه القدرات، فإن الإدارة الأميركية لا تزال تربط استقرار المنطقة بوقف الهجمات التي تنفذها الجماعات الحليفة لإيران.
في المقابل، يؤكد الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان أن بلاده لن تتفاوض على قدراتها الدفاعية.
ترقب خليجي لمخارج الإتفاقوتتابع دول الخليج هذا الملف بحذر، خصوصًا أن الصواريخ والطائرات المسيّرة كانت من أبرز أدوات المواجهة خلال السنوات الماضية، فيما ترى عواصم خليجية أن أي تفاهمات لا تعالج هذه المسألة بصورة واضحة قد تترك أسباب التوتر قائمة.
كما أثارت تصريحات أميركية حديثة بشأن حلفاء إيران في المنطقة اهتمامًا خليجيًا واسعًا، بعدما دعا روبيو القيادة الإيرانية إلى التحول إلى" دولة طبيعية" إذا أرادت الاندماج في الاقتصاد العالمي، بدل الاستمرار في نهج" الحركة الثورية" وتصدير الأزمات.
وفي هذا السياق، قال الكاتب والباحث في العلاقات الدولية والمستشار السابق في وزارة الخارجية السعودية سالم اليامي، في حديث إلى التلفزيون العربي، إن دول الخليج لا تزال تنظر إلى التطورات الحالية بكثير من الحذر، مشيرًا إلى أن لديها" هاجسًا ومخاوف وتساؤلات" حول المرحلة المقبلة بعد سنوات من التوترات والهجمات التي طالت منشآت ومصالح خليجية.
وأوضح اليامي أن دول الخليج تؤيد العلاقات الطبيعية بين الدول والالتزام بالقانون الدولي، لكنها تريد أن تكون الاتفاقات الحالية دائمة وقادرة على إنتاج استقرار حقيقي، لا مجرد تفاهمات مؤقتة تعيد المنطقة لاحقًا إلى دوامة الصراع.
وأضاف أن ملفي الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة يثيران قلقًا خليجيًا متزايدًا، خصوصًا بعد تصريحات إيرانية تؤكد التمسك بهذه القدرات بوصفها أحد مصادر القوة الرئيسية لطهران.
ورأى أن أزمة الثقة تبقى العقبة الأساسية أمام أي ترتيبات أمنية مشتركة بين دول الخليج وإيران، مشيرًا إلى أن العلاقات بين الجانبين تأثرت بشدة نتيجة الصراعات والهجمات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية.
وفي معرض تعليقه على تصريحات رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بشأن ضرورة أن تتولى دول المنطقة بنفسها مسؤولية الأمن الإقليمي، قال اليامي إن دول الخليج لا ترفض مبدأ التعاون الإقليمي، لكنها لا تزال تنظر بحذر إلى أي مشاريع أمنية تقودها إيران، في ظل تراكمات طويلة من الخلافات وعدم الثقة.
وأضاف أن طهران طرحت في مراحل سابقة مشاريع أمنية إقليمية كانت، من وجهة نظر العديد من دول الخليج، تمنح إيران دورًا مهيمنًا في إدارة أمن المنطقة، وهو ما أثار تحفظات واسعة آنذاك.
كما لفت اليامي إلى وجود شعور لدى بعض العواصم الخليجية بحدوث اهتزاز في مستوى الثقة بالحلفاء التقليديين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، بعد التطورات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، ما أدى إلى تنامي المخاوف بشأن مستقبل التوازنات الأمنية.
وعن إسرائيل، وصف اليامي نظرة دول الخليج إلى هذا الملف بأنها" معقدة وشائكة"، موضحًا أن السياسات الإسرائيلية في لبنان وسوريا والأراضي الفلسطينية تثير بدورها تساؤلات ومخاوف في المنطقة، خصوصًا في ظل استمرار الاعتماد على منطق القوة في إدارة العديد من الأزمات الإقليمية.
وأشار إلى أن المنطقة لا تزال تواجه حالة من عدم اليقين بشأن مستقبلها، مع استمرار المخاوف من عودة التوترات بين إيران والولايات المتحدة أو اندلاع جولات صراع جديدة، ما يجعل الحاجة ملحة إلى ترتيبات تضمن الاستقرار المستدام وتمنع تكرار أزمات السنوات الماضية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك