ما إن أُعلن عن التفاهمات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران حتى ارتفعت أصوات تتهم طهران بأنها فاوضت على لبنان وتركت غزة تواجه مصيرها وحدها.
وقد يبدو هذا الاتهام منطقياً لمن ينظر إلى السياسة بعين العاطفة، لكنه يفقد كثيراً من وجاهته عندما يُقرأ بمنطق المصالح وموازين القوى، وهي اللغة الوحيدة التي تحكم العلاقات الدولية.
فالدول لا تدخل المفاوضات وهي تحمل أحلام الآخرين، وإنما تدخلها وهي تحمل مصالحها الوطنية.
هذه ليست فضيلة ولا رذيلة، بل هي القاعدة التي قامت عليها السياسة الدولية منذ نشأة الدولة الحديثة.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا تفاوضت إيران على لبنان؟ وإنما: لماذا لم يكن للعرب مشروع قادر على فرض غزة على طاولة المفاوضات؟لقد قدمت إيران، منذ عام 1979، دعماً سياسياً وعسكرياً ومالياً لفصائل المقاومة الفلسطينية بدرجات متفاوتة، في ظل حصار وعقوبات وضغوط دولية متواصلة.
ويمكن الاختلاف حول أهداف هذا الدعم أو حجمه أو دوافعه، لكن يصعب إنكار وجوده.
وفي المقابل، فإن النظام العربي الرسمي، على امتداد عقود، لم ينجح في بناء مشروع عربي موحد لتحرير فلسطين أو حتى لحماية الفلسطينيين، بل شهدنا انقسامات عربية، واتفاقيات سلام منفردة، ومسارات تطبيع، وتراجعاً تدريجياً لمركزية القضية الفلسطينية في أولويات عدد من الدول.
ومن غير الإنصاف تحميل إيران مسؤولية تحرير القدس، بينما الأمة العربية نفسها، بكل إمكاناتها البشرية والاقتصادية والعسكرية، لم تتفق حتى اليوم على استراتيجية مشتركة لتحقيق هذا الهدف.
فالمطالبة بأن تقوم دولة غير عربية بما عجز عنه العرب جميعاً، تعكس خللاً في تشخيص المشكلة أكثر مما تعكس نقداً لإيران.
أما لبنان، فله حسابات مختلفة.
فإيران تنظر إلى حلفائها هناك بوصفهم جزءاً من منظومة أمنها الإقليمي، ولذلك يصبح الملف اللبناني جزءاً من أي تفاوض يتعلق بالأمن والاستقرار في المنطقة.
والدول، في النهاية، تفاوض حيث تمتلك النفوذ، وتحمي حيث تمتلك أدوات التأثير.
لقد شهد العالم اتفاقات كثيرة انهارت بعد ساعات أو أيام لأنها لم تكن محمية بميزان قوة حقيقي.
وشهدنا اتفاقات لوقف إطلاق النار في غزة تعثرت أو انهارت مع تجدد العمليات العسكرية، وهو ما يبرز حقيقة مؤلمة: الاتفاق الذي لا يستند إلى قدرة على ردع من يخرقه يبقى عرضة للانهيار.
إن التاريخ يعلمنا أن السلام لم يكن يوماً ثمرة النوايا الحسنة وحدها، بل ثمرة توازن القوة.
فلم يمنع الحرب الباردة حب السلام، وإنما منعها الردع النووي.
ولم تحافظ القوى الكبرى على استقرارها النسبي إلا لأنها أدركت أن كلفة المواجهة المباشرة أكبر من مكاسبها.
ولهذا قال المفكرون في العلاقات الدولية إن" القوة هي اللغة التي تُكتب بها السياسة، أما الاتفاقات فهي مجرد ترجمة لهذه اللغة".
واليوم، إذا نظرنا إلى الواقع العربي، نجد مفارقة تستحق التأمل.
فالعالم العربي يمتلك أكثر من أربعة مئة مليون نسمة، وثروات هائلة، وناتجاً محلياً يفوق بأضعاف الناتج المحلي الإيراني، ومساحة جغرافية تمتد عبر قارتين، ومع ذلك ما زال عاجزاً عن تشكيل قوة ردع عربية موحدة، أو بناء مشروع استراتيجي يجعل صوته مسموعاً في القضايا المصيرية.
وفي المقابل، استطاعت إيران، رغم العقوبات والعزلة والضغوط، أن تفرض نفسها لاعباً إقليمياً رئيسياً لا يمكن تجاوز مصالحه عند مناقشة ملفات المنطقة.
ليست القضية هنا تمجيداً لإيران، ولا تبرئةً لسياساتها، فلكل دولة حساباتها وأخطاؤها ومصالحها.
وإنما القضية هي أن الأمم تُقاس بما تملك من مشروع، لا بما ترفعه من شعارات، وبما تملك من أدوات تأثير، لا بما تصدره من بيانات.
لقد آن الأوان لأن يتوقف العرب عن البحث الدائم عن شماعة يعلقون عليها إخفاقاتهم.
فالمشكلة ليست أن لإيران مشروعاً، وإنما أن العرب لم يبنوا مشروعاً عربياً جامعاً يوازيه أو ينافسه.
والفراغ الاستراتيجي لا يبقى فراغاً؛ فسرعان ما يملؤه الآخرون.
إن الحقيقة التي تؤكدها وقائع التاريخ هي أن الاتفاقات لا يحميها الحبر، ولا البيانات، ولا الأمنيات، وإنما تحميها القوة.
والقوة ليست دعوة إلى الحرب، بل هي الضمانة التي تمنع الحرب، وتجعل السلام ممكناً، وتجبر الخصوم على احترام العهود.
" وفي السياسة، كما في التاريخ، لا تُوزَّع الحقوق على قدر عدالتها، بل على قدر القوة القادرة على حمايتها.
لذلك فإن الأمة التي لا تمتلك مشروعاً وقوةً تحميه، ستظل تكتب بيانات الاحتجاج، بينما يكتب الآخرون خرائط المنطقة.
".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك