في خطوة ميدانية وسياسية تُنذر بالإجهاز التام على ما تبقى من مسار السلام، تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى فرض واقع ديموغرافي وجغرافي جديد عبر السيطرة على المساحات المفتوحة في منطقتي «أ - ب» بالضفة الغربية، وإلغاء بنود محورية في «اتفاقية الخليل» لعام 1997، وهي تحركات تضرب في عمق اتفاقيات أوسلو التاريخية التي قطعت ثلاثة عقود من تقسيم الصلاحيات الأمنية والإدارية، وتتعارض بشكل صارخ مع الحقوق القانونية والسيادية المقرة للفلسطينيين.
في المقابل، واجهت السلطة الفلسطينية، التصعيد الاستيطاني بتنديد واسع، معتبرين هذه الإجراءات تطهيرًا عرقيًا وضمًّا فعليًا للأراضي المحتلة يستغل الانشغال الدولي، داعين الأمم المتحدة والقوى الكبرى إلى تدخل فوري لحظر هذه المخططات التي تقوض نهائيًا فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
السيطرة على منطقتي «أ - ب»صرحت وزيرة البيئة الإسرائيلية، عيديت سيلمان، بأن الهدف التالي للحكومة الإسرائيلية يتمثل في السماح بإقامة مزارع استيطانية في المناطق المصنفة «أ - ب» بحسب اتفاق أوسلو.
وقالت سيلمان في مقابلة مع قناة الكنيست، يوم أمس الثلاثاء، إن المساحات المفتوحة في هاتين المنطقتين تمثل المهمة التالية والطبقة الجديدة للاستيطان، زاعمة أن إسرائيل تمتلك فيها حقًا تاريخيًا وضرورة وجودية، وأن هذا التوجه يتعارض مع ما يحاول الفلسطينيون خلقه في رؤيتهم للسيطرة على الأرض.
وأوضحت سيلمان أنها تسعى جاهدة لإدراج هذا التوجه ضمن المبادئ الأساسية وخطوط العمل للحكومة القادمة، مشددة على ضرورة أن تشمل تلك الخطوط الاستيطان في شمال قطاع غزة والعودة إلى تلك الأجزاء بناء على خطة منظمة وتجهيز تنفيذي فعلي على أرض الواقع، مشيرة إلى النمو غير المسبوق الذي حققته حكومة نتنياهو غير مسبوق عبر إقامة المزارع وتنظيم المستوطنات الجديدة مقارنة بالحكومات السابقة.
كان وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش، قد القى كلمة صباح أمس الثلاثاء في حفل إنشاء مستوطنة «دوران»، أعلن فيها إلغاء اتفاقية الخليل الموقعة عام 1997 وإنهاء الصلاحيات المتعلقة بالمستوطنات اليهودية والأماكن المقدسة في المدينة والتي كانت تابعة لبلدية الخليل، واصفًا إياها بأكثر بنود أوسلو عبثية.
وأكد سموتريتش أن هذه الخطوة تعد تعديلاً تاريخيًا وإجراء يتجاوز الأبعاد التقنية والتخطيطية ليصب في خانة ثورة تنظيم الاستيطان، وتعزيز الحوكمة، وترسيخ السيادة الإسرائيلية الفعلية في «يهودا والسامرة».
في المقابل، أصدرت وزارة الخارجية الإسرائيلية، بيانًا رسميًا دحضت فيه هذه الادعاءات، زاعمة أنه خلافًا لتصريحات وزير المالية، لم يتم إلغاء اتفاقية الخليل.
وأوضحت الوزارة أن المجلس الوزاري السياسي الأمني اتخذ قرارًا قبل عدة أشهر يخص تحديدًا صلاحيات التخطيط والبناء المتعلقة بالجالية اليهودية ومواقع التراث اليهودي في المدينة، وذلك بعد سنوات من انعدام التعاون التام من جانب بلدية الخليل في هذه القضايا، مؤكدة أنه لم تُجرى أي تغييرات أخرى على الاتفاقية.
في سياق متصل، رد عدد من الوزراء وأعضاء الكنيست من حزب «الليكود» على تصريحات نفتالي بينيت، والتي أشار فيها إلى أن المنطقة «ج» ستكون جزءًا من إسرائيل بينما تبقى المنطقتان «أ - ب» تحت الحكم الذاتي الفلسطيني.
وطالب وزير الثقافة والرياضة ميكي زوهار بتطبيق السيادة الكاملة، بينما أكد وزير شؤون الشتات ومكافحة معاداة السامية أميخاي شيكلي أن الهدف القادم هو إلغاء اتفاقيات أوسلو وإحباط خطة فياض لإقامة دولة فلسطينية، مضيفًا: «لن يكون هناك سلام مع الفلسطينيين أبدًا».
من جانبه، دعا نائب رئيس الكنيست، نسيم فاتوري، إلى طرد الجميع وإقامة مستوطنات يهودية كسبيل وحيد لتحقيق الأمن، في حين اكتفت عضو الكنيست تالي غوتليب برسالة مقتضبة نادت فيها بـ «مزارع، ثم مزارع، ثم مزارع».
رد المجلس الوطني الفلسطينيعلى الجانب الفلسطيني، اتهم رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، روحي فتوح، حكومة الاحتلال باستغلال الأوضاع الإقليمية الراهنة والانشغال الدولي لتسريع إجراءات توسيع الاستيطان وفرض وقائع جديدة على الأرض.
وأشار فتوح، في بيان، إلى أن الخطوات الإسرائيلية الأخيرة في منطقة الأغوار الفلسطينية تندرج ضمن سياسة ممنهجة لتعزيز السيطرة على الأراضي، مسلطًا الضوء على قرار سموتريتش تخصيص 3 ملايين شيكل لمشاريع تتعلق بمواقع أثرية في منطقة «فصايل» بالأغوار للاستيلاء على الممتلكات الفلسطينية، وفقًا لوكالة الأنباء الألمانية.
وحذر فتوح من أن ما يجري في الأغوار يعد جزءًا من مخطط أوسع لتغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي في الأراضي المحتلة، وهو ما يشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
ودعا رئيس المجلس الوطني الفلسطيني الأمم المتحدة والهيئات القضائية الدولية والدول الداعمة للقانون الدولي إلى التحرك الفوري لوقف الأنشطة الاستيطانية ومحاسبة المسؤولين عنها، محذراً من أن استمرارها يقوض نهائياً فرص التوصل إلى تسوية سياسية وإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
في الأسابيع الأخيرة، برزت حركة استيطانية جديدة تُدعى «منتدى الوطن» تقود جماعة ضغط سياسية تهدف إلى إحداث تغيير استراتيجي جذري يتمثل في الانهيار الرسمي لاتفاقيات أوسلو وبدء البناء اليهودي في المنطقتين «أ - ب» الخاضعتين للسيطرة الفلسطينية.
ويقود المنتدى أبوان ثكلى من الشخصيات المؤثرة في عالم الاستيطان، وهما: إلياف ليبي، أحد مؤسسي مزارع يهودا والسامرة الذي فقد ابنه ديفيد في معارك غزة، ويهوشوا شيرمان، الذي فقد ابنه يهودا في هجوم بقنبلة في السامرة.
ونجح المنتدى في استقطاب تواقيع ودعم وزراء بارزين لرسالته المطالبة بإلغاء أوسلو، ومنهم وزير شؤون الشتات أميخاي شيكلي، ووزير الثقافة ميكي زوهار، ووزير الزراعة ورئيس جهاز الشاباك السابق آفي ديختر.
كانت السلطات الإسرائيلية قد وافقت في 17 يونيو/حزيران الماضي على أعمال توسعة لمدرسة يهودية للمستوطنين في وسط مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة.
وأعلن سموتريتش عن الخطط والموافقات لتشييد مبنى على مساحة ألف متر مربع لمدرسة يهودية في قلب مدينة الخليل التاريخي الذي يضم الحرم الإبراهيمي، وجاء ذلك بعد يوم واحد من إعلانه إلغاء الاتفاق الذي كان يمنح البلدية الفلسطينية السيطرة على أعمال التخطيط والبناء حول قلب المدينة التاريخي.
وصرح سموتريتش، في بيان: «مستمرون في بناء أرض إسرائيل عمليًا وتطبيق السيادة الفعلية في المستوطنات»، مؤكدًا رغبته في دفن فكرة قيام دولة فلسطينية وفرض حقائق على الأرض تمنع ذلك.
ويعيش في المنطقة المحيطة بالحرم الإبراهيمي، الخاضع لسيطرة أمنية إسرائيلية كاملة، أكثر من ألف مستوطن يهودي بين عشرات الآلاف من الفلسطينيين، وبموجب اتفاقية الخليل لعام 1997، تنتشر القوات الإسرائيلية في المنطقة ولكن البناء يتطلب عمومًا موافقة البلدية الفلسطينية بما في ذلك حول الحرم التاريخي.
ردًا على هذه القرارات، أعرب الناشط الفلسطيني عيسى عمرو، الذي يعيش في الخليل، عن مخاوفه الشديدة من أن يؤدي تقويض بنود اتفاقية الخليل إلى انقطاع الخدمات الأساسية عن السكان الفلسطينيين، مؤكدًا أن الخطوة تهدف إلى تحويل حياة الفلسطينيين إلى بؤس لإجبارهم على الرحيل قسريًا.
ووصف عمرو، تصرفات إسرائيل بأنها تطهير عرقي للعائلات الفلسطينية من ديارها ومزيد من التهجير، وسرقة لأحلام الفلسطينيين في إقامة دولة والعيش بسلام دون عنف وخوف.
في المقابل، رحب السكان اليهود في الخليل بإعلان سموتريتش، حيث صرح إيال جيلمان، رئيس مجلس المستوطنين في الخليل، بأن القرار يزيل عبء وجود بلدية فلسطينية كانت تحول دون توسعهم، مشيرًا إلى وجود حماس كبير ونمو.
وأضاف: «ستكون الخليل بعد 50 عامًا من الآن أكثر صهيونية وقومية ويهودية، متوسعة ومبنية في جميع أنحاء المدينة».
وتعتبر الخليل صورة مصغرة للضفة الغربية المحتلة حيث يتمتع الفلسطينيون بحكم ذاتي محدود تحيط به مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية تضم المستوطنات والحرم الإبراهيمي، الذي شهد عام 1994 مجزرة قتل فيها مستوطن 29 مسلمًا أثناء الصلاة، ويقسم حاليًا إلى منطقتين منفصلتين لليهود والمسلمين.
في 11 يونيو/حزيران الجاري، كشفت حركة «السلام الآن» الإسرائيلية المناهضة للاستيطان أن الحكومة الإسرائيلية أحالت إلى المجلس الوزاري الأمني المصغر خطة لتخصيص مليار شيكل أي ما يعادل نحو 339.
7 مليون دولار لبناء مستوطنات جديدة في الضفة الغربية، مما أدى إلى إرجاء إجراء التصويت على تخصيص الأموال إلى اجتماع تقرر عقده يوم الأحد.
ويروج لهذه الخطة سموتريتش، وأوضح متحدث باسمه أن الوزراء وافقوا على إطار الميزانية لتوسيع المستوطنات على أن يبت المجلس الوزاري الأمني في كيفية توزيع الأموال، مشيرًا إلى أن التصويت سيعزز مواقع قائمة بالفعل وليست مستوطنات جديدة.
وكان سموتريتش قد أعلن قبلها عن توسع كبير بأكثر من 2000 وحدة سكنية في ثلاث مستوطنات بالضفة.
وبحسب مسودة القرار، فإن تخصيص الأموال سيشمل بناء البنية التحتية مثل طرق الوصول، وتجهيز الأراضي، وشبكات الصرف الصحي، ووصلات المياه، والأعمال ذات الصلة، بالإضافة إلى مجمعات سكنية مؤقتة، حسبما نقل موقع «أكسيوس».
في المقابل، وافق مجلس الوزراء على خطة لخمس سنوات بقيمة أربعة مليارات شيكل للتنمية الإقليمية في مدن يقطنها مواطنون عرب مثل الناصرة في الجليل، وخصص 180 مليون شيكل لأحياء جديدة في الجنوب.
ترى قوى سياسية متعددة أن حكومة الاحتلال بوضعها إجراءات ضم الضفة الغربية تكون قد قبرت اتفاقيات أوسلو بشكل نهائي بعد أن أخذت كل ما تريده منها على صعيد الاستيطان والأمن والتهويد ورفع العزلة عن الكيان.
وانتقدت أطراف سياسية غياب الإجراءات العملية من قبل الدول العربية لوقف الضم، واكتفاء وزارات الخارجية بعمليات الإدانة دون تجميد المعاهدات أو قطع العلاقات، واللجوء لمجلس الأمن لرفع العتب.
كما وُجهت انتقادات لقيادة السلطة ومنظمة التحرير بقبولها المسبق بتقسيم الضفة إلى مناطق «أ - ب - ج» وموافقتها على أن تكون المنطقة «ج»، التي تبلغ مساحتها 61% من مساحة الضفة وتضم معظم الكتل الاستيطانية، تحت السيطرة الأمنية والإدارية الإسرائيلية الكاملة، مما سهل على الاحتلال الانتقال من وضعية الاستيطان إلى وضعية الضم.
وكانت حديقة البيت الأبيض قد شهدت في 13 سبتمبر/أيلول عام 1993 استضافة الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون لكل من ياسر عرفات وإسحق رابين للتوقيع على إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالية، المعروف بـ «اتفاقيات أوسلو».
وأدى الاتفاق المؤقت إلى إنشاء السلطة الفلسطينية ومنحها سلطة محدودة على أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة - الأراضي المحتلة عام 1967- ومهد الطريق أمام اعتراف متبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير، وسمح بعودة عرفات وقادة المنظمة من تونس، وعلى الرغم من تعالي آمال السلام العادل والدائم آنذاك، إلا أن تلك الآمال اختفت تمامًا بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود.
أثارت الخطوات الجديدة التي وافق عليها المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي بشأن الضفة الغربية المحتلة موجة إدانات واسعة من الفلسطينيين والدول العربية وجماعات مناهضة الاحتلال والمملكة المتحدة، وسط تحذيرات من أنها ترقى إلى مستوى الضم الفعلي وتنسف حل الدولتين.
وتستهدف هذه الإجراءات زيادة السيطرة الإسرائيلية على المنطقة من حيث قانون الملكية، والتخطيط، والترخيص، والتنفيذ، البيئة، والآثار، وجرى الإعلان عنها قبل ثلاثة أيام من اجتماع مقرر بين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترمب في واشنطن، في وقت أكدت فيه الأمم المتحدة أن المستوطنات توسعت العام الماضي بأسرع وتيرة لها منذ بدء عملية الرصد.
وتشمل الإجراءات الجديدة إلغاء حظر دام عقودًا على البيع المباشر لأراضي الضفة الغربية لليهود، ورفع السرية عن سجلات الأراضي المحلية، وإلغاء شرط قانوني للحصول على تصريح معاملة لإتمام عمليات الشراء العقاري لتقليل الرقابة ومنع الاحتيال، بينما يخشى الفلسطينيون أن تؤدي التغييرات إلى ضغوط للبيع وأعمال تزوير وخداع، حيث تفرض السلطة الفلسطينية عقوبات تصل للإعدام أو السجن بتهمة الخيانة العظمى لبيع الأراضي للمستوطنين كونها عملية مشبوهة تشمل وسطاء.
ووصف الرئيس الفلسطيني محمود عباس الإجراءات بالخطيرة والمحاولة السافرة لإضفاء الشرعية على الاستيطان ومصادرة الأراضي وهدم الممتلكات حتى في المناطق الخاضعة للسيادة الفلسطينية، داعيًا الولايات المتحدة ومجلس الأمن للتدخل الفوري، فيما أدانت المملكة المتحدة الخطوة بشدة ودعت للتراجع عنها لمخالفتها القانون الدولي، ووصف وزراء خارجية مصر، والأردن، والإمارات، وإندونيسيا، وباكستان، وتركيا، والسعودية، وقطر الإعلان بأنه محاولات متسارعة للضم غير القانوني وتشريد الشعب الفلسطيني وتغذية العنف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك