تقف اليابان أمام اختبار نقدي نادر، لا يتعلق بسعر الين أمام الدولار فقط، بل حدود قدرة دولة تملك واحداً من أكبر احتياطيات النقد الأجنبي في العالم على الدفاع عن عملتها، في وقت يفرض فيه" الدولار القوي" وفارق الفائدة مع الولايات المتحدة ضغطاً متواصلاً على الأسواق الآسيوية.
وتفيد صحيفة" وول ستريت جورنال" الأمريكية، بأن الين يتحرك قرب أضعف مستوياته منذ عام 1986، بينما يؤكد مسؤولون يابانيون استعدادهم للتحرك إذا أصبحت تقلبات العملة مفرطة، وعلى خلفية هذه التحذيرات، تكشف" رويترز" أن طوكيو تدرس تحسين إدارة احتياطياتها الأجنبية المقدرة بـ 1.
3 تريليون دولار، بعد تراجعها في مايو(أيار) عقب تدخل ضخم لشراء الين.
وترى صحيفة" فاينانشال تايمز" البريطانية، أن تدخلات العملة قد تهدئ السوق مؤقتاً، لكنها لا تعكس اتجاه الين بشكل دائم إذا بقيت الأسباب الأساسية للضعف قائمة، وفي مقدمتها فجوة الفائدة وحرية حركة رؤوس الأموال.
خبير أسواق مال لـ" 24": قوة الدولار تقود تراجع الين.
والتدخل الياباني يضبط التقلبات لا الاتجاهتذكر" وول ستريت جورنال" أن العملة اليابانية تتحرك نحو مستوى 162 يناً للدولار، مقتربة من أدنى مستوياتها في نحو أربعة عقود، مشيرة إلى أن رئيس أمناء مجلس الوزراء الياباني مينورو كيهارا، أكد استعداد السلطات لاتخاذ الإجراءات المناسبة، في وقت يواصل فيه الين التداول قرب مستويات تتجاوز منطقة تدخل محتملة حول 160 يناً للدولار.
وبحسب الصحيفة الأمريكية، لا يزال الضغط على العملة اليابانية مرتبطاً بتوقعات الفائدة الأمريكية، والطلب على الدولار، وتداعيات التوترات في الشرق الأوسط، وهي عوامل أبقت الين تحت ضغط رغم التدخلات السابقة، ونقلت عن محللين أن أي تدخل- حتى إذا جرى بالتنسيق مع الولايات المتحدة- يمكنه منح العملة دعماً مؤقتاً، لكنه لا يزيل الضغوط الأساسية المرتبطة بتباين مسار الفائدة بين الولايات المتحدة واليابان.
تؤكد" رويترز" أن الدولار صعد إلى أعلى مستوى في 13 شهراً، مدفوعاً بتوقعات متزايدة لرفع الفائدة الأمريكية، وبطلب المستثمرين على العملة الأمريكية بوصفها ملاذاً آمناً وسط ضغوط على أسهم التكنولوجيا العالمية وحالة عدم يقين جيوسياسية، مشيرة إلى أن قوة الدولار وضعت الين تحت ضغط إضافي، إذ تراجعت العملة اليابانية باتجاه مستويات لم تشهدها منذ عام 1986، رغم تحذيرات المسؤولين في طوكيو من تحركات حادة في سوق الصرف.
وتوضح" رويترز" أن توقعات الفائدة الأمريكية أعادت دعم الدولار أمام العملات الكبرى، في وقت لم يكن رفع بنك اليابان للفائدة كافياً لوقف تراجع الين، بسبب استمرار الفجوة الواسعة بين عوائد الأصول الأمريكية ونظيرتها اليابانية.
ترسانة الـ1.
3 تريليون دولاروفي تقرير لها، كشفت" رويترز"، أن اليابان ستدرس طرقاً لتحسين إدارة احتياطياتها الأجنبية، المقدرةبـ 1.
3 تريليون دولار، ضمن مسودة استراتيجية للنمو، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في رفع العائد على هذه الأصول ودعم المالية العامة، موضحة أن هذه الاحتياطيات" ترسانة" للتدخل المستقبلي في سوق العملات، لكنها تراجعت 5.
6% في مايو (أيار)، بعدما استأنفت طوكيو تدخلاً واسعاً في أواخر أبريل(نيسان) عندما انخفض الين إلى ما بعد 160 يناً للدولار، عبر عملية شراء للعملة اليابانية تقدر بنحو 73 مليار دولار.
وتضيف الوكالة أن الجزء الأكبر من الفائض الناتج عن هذه الاحتياطيات، بما في ذلك الدخل من سندات الخزانة الأمريكية، يحول إلى الحساب العام لتمويل ميزانية الدولة، ما يجعل النقاش حول إدارة الاحتياطيات مرتبطاً أيضاً بحسابات المالية العامة.
تفيد" رويترز" بأن بعض المسؤولين والمشرعين في اليابان يطرحون أفكاراً لاستخدام احتياطيات النقد الأجنبي وأصول أخرى، مثل حيازات البنك المركزي من صناديق المؤشرات وأصول التقاعد، ضمن صندوق سيادي يستهدف عوائد أعلى، لكن الوكالة تنقل عن مسؤولين حكوميين أن إجراء تغيير كبير في محفظة الاحتياطيات سيكون غير واقعي، لأن هذه الأموال تحتفظ بها الدولة بالأساس كمصدر جاهز لتمويل التدخل في سوق العملات.
وتنقل" رويترز" عن أكيرا موروجا، كبير استراتيجيي السوق في بنك" أوزورا"، أن السعي إلى أرباح أعلى قد يكون مفهوماً، لكنه يضعف سلامة الاحتياطيات، ما تنظر إليه الأسواق بصورة سلبية.
كما تنقل الوكالة عن سايسوكي ساكاي، كبير خبراء الاقتصاد في" ميزوهو للأبحاث"، أن الاستخدام الفعال لاحتياطيات النقد الأجنبي يعني بيع سندات خزانة أمريكية، متسائلاً" عما إذا كان ذلك ممكناً في ضوء العلاقة مع الولايات المتحدة، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية طويلة الأجل".
أما صحيفة" لوموند" الفرنسية، تؤكد أن رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي تسعى إلى دعم النمو عبر الإنفاق العام، لكن ارتفاع كلفة الاقتراض يهدد خططها الاقتصادية، وتشير الصحيفة إلى أن اليابان تحاول الخروج بشكل كامل من أزمة انكماش طويلة بدأت في التسعينيات، لكن عودة التضخم، وارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، وضعف الين، زادت كلفة الواردات وعقدت مسار التعافي.
وتضيف" لوموند" أن رفع بنك اليابان للفائدة إلى 1% يهدد خطط الإنفاق العام التي تراهن عليها تاكايتشي، لأن ارتفاع كلفة الاقتراض قد يضغط على النمو ويزيد عبء الدين العام، وبحسب الصحيفة، لا تنتقد تاكايتشي استقلالية بنك اليابان علناً، لكن التوتر يتزايد بين سياسة مالية ترغب في دعم النمو، وسياسة نقدية تتحرك لمواجهة الضغوط التضخمية.
رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشيقوة الدولار تقود الضغط على الينيقول سامر حسن، محلل أسواق المال، إن تراجع الين الياباني أمام الدولار الأمريكي يعود في الأساس إلى قوة العملة الأمريكية، لا إلى ضغوط داخلية جوهرية في الاقتصاد الياباني خلال المرحلة الحالية.
ويوضح لـ 24 أن قوة الدولار ترتبط بتزايد توقعات الأسواق بشأن استمرار التشدد النقدي من جانب الاحتياطي الفيدرالي هذا العام، ما يعزز الطلب على العملة الأمريكية، ويضع ضغوطاً إضافية على العملات الكبرى، وفي مقدمتها الين.
وفي المقابل، لا يرى حسن أن الاقتصاد الياباني يواجه في الوقت الراهن عاملاً داخلياً رئيسياً يفسر هذا التراجع، مشيراً إلى أن التفاؤل باستمرار وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط يوفر بعض الدعم لليابان، باعتبارها اقتصاداً يعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة.
ويضيف أن قوة الدولار لا تنعكس على الين وحده، بل تظهر أيضاً في ضغوط أوسع على أسواق أخرى، من بينها النفط والعملات المشفرة، ما يعكس حالة عامة من التحول نحو الدولار في الأسواق العالمية.
ويرى حسن أن بنك اليابان لا يزال يملك القدرة على التدخل في سوق الصرف عبر احتياطياته الأجنبية الضخمة، إذا رأى أن تحركات الين أصبحت تهدد استقرار السوق أو تزيد من التقلبات، مشيراً إلى أن التجارب السابقة أظهرت قدرة السلطات النقدية اليابانية على استخدام جزء من هذه الاحتياطيات لدعم الاستقرار النسبي في السوق، وأوضح أن بقاء الاحتياطيات عند مستويات كبيرة يمنح طوكيو مساحة للتحرك إذا لزم الأمر.
وبحسب حسن، فإن امتلاك اليابان هذه الاحتياطيات لا يعني بالضرورة استخدامها للدفاع عن مستوى محدد للعملة، لكنه يمنح البنك المركزي والحكومة أداة مهمة للتعامل مع التحركات الحادة والمفاجئة في سوق الصرف.
ضبط التقلبات لا تغيير الاتجاهويشدد حسن على أن التدخل في سوق الصرف، وفق فلسفة البنوك المركزية المعاصرة القائمة على مبادئ السوق الحر، لا يستهدف عادة توجيه العملة الوطنية نحو مسار محدد صعوداً أو هبوطاً، بقدر ما يستهدف ضبط التقلبات الحادة.
ويرى أن أي تدخل ياباني محتمل قد يؤدي إلى تحركات سريعة في الين على المدى القصير، لكنه سيكون موجهاً بالأساس إلى تهدئة السوق وتقليل حدة التقلبات، تمهيداً لفترة أكثر استقراراً في سعر الصرف والأسعار، بما يخدم أهداف السياسة النقدية اليابانية.
في النهاية، لا تبدو أزمة الين مرتبطة بسؤال التدخل وحده، بل مدى قدرة اليابان على الموازنة بين الدفاع عن العملة، والحفاظ على سيولة احتياطياتها، والتعامل مع فارق الفائدة الواسع مع الولايات المتحدة، فترسانة التريليون دولار تمنح طوكيو مساحة للتحرك، لكنها لا تلغي حقيقة أن اتجاه الين سيظل مرهوناً بقوة الدولار ومسار السياسة النقدية الأمريكية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك