شهدت باريس، يوم 20 حزيران (يونيو) 2026، أحد أبرز المشاهد السياسية للإيرانيين في الخارج، وأكثرها تعرضًا للتعتيم الإعلامي.
فقد كان من المقرر أن تشهد العاصمة الفرنسية تظاهرة كبرى بمشاركة أكثر من مئة ألف إيراني حرّ ومناصر للمقاومة الإيرانية، غير أن شرطة باريس أصدرت، في الساعات الأخيرة، قرارًا بمنعها.
لكن ما جرى على الأرض لم يكن إخمادًا للتحرك، بل تحوّلت التظاهرة المركزية إلى عشرات التجمعات والمسيرات ومشاهد الاحتجاج في نقاط مختلفة من باريس.
غير أن الأهم في هذا الحدث لا يقتصر على قرار المنع، ولا حتى على الصدامات التي وقعت في شوارع باريس.
الأهم أن نظام طهران، بمحاولته إسكات صوت المقاومة الإيرانية والضغط على الحكومة الفرنسية لمنع التظاهرة، قدّم بنفسه عنوان خصمه الحقيقي وأشار إلى بديله الفعلي أمام المجتمع الدولي.
ففي ذروة مفاوضات سياسية حساسة، وفي وقت يغرق فيه النظام في أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة، اضطر إلى استخدام نفوذه وضغوطه لمنع تظاهرة سلمية في عاصمة أوروبية.
وهذه، بحد ذاتها، رسالة سياسية واضحة: خوف النظام ليس من حرب خارجية بقدر ما هو من انتفاضة الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة بقيادة مجاهدي خلق والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية.
كان منظمو التظاهرة قد سلكوا المسار القانوني منذ أشهر.
فقد سُجل الطلب الرسمي في 20 نيسان (أبريل) 2026، وقُدمت إلى السلطات المختصة كل التفاصيل المتعلقة بمكان التجمع، ومسار المسيرة، وعدد المشاركين، والترتيبات الفنية والخدمية والأمنية.
ووفق ما أفاد به المنظمون، استمرت الاتصالات والتنسيقات مع شرطة باريس والسلطات المحلية حتى الأيام الأخيرة، بل جرى في اجتماعات رسمية التفاهم حول مكان التجمع ومسار المسيرة.
لكن مساء 19 حزيران (يونيو)، أي قبل يوم واحد فقط من موعد التظاهرة، صدر قرار المنع.
وجاء القرار في لحظة كان فيها آلاف المشاركين في طريقهم إلى باريس، ومئات الحافلات قد انطلقت من مدن أوروبية مختلفة، فيما وصل آخرون من الولايات المتحدة وكندا ودول أخرى.
لذلك لم يُنظر إلى قرار المنع باعتباره إجراءً إداريًا فحسب، بل خطوة ذات أبعاد سياسية وقانونية وأمنية خطيرة.
واعتبر كثير من أنصار المقاومة أن القرار جاء في سياق ضغوط نظام طهران واستمرار سياسة المساومة معه، لا سيما بعد ورود تقارير عن اتصال هاتفي بين وزير الخارجية الفرنسي وعباس عراقجي، وزير خارجية النظام الإيراني، قبل صدور قرار المنع.
هذه الواقعة تكتسب دلالتها الأعمق في توقيتها.
فالنظام الإيراني، وهو يحاول إظهار نفسه طرفًا قويًا في المفاوضات، كان في الواقع يواجه مأزقًا داخليًا متفاقمًا: اقتصاد منهك، مجتمع غاضب، إعدامات متصاعدة، صراع أجنحة، وخوف دائم من انفجار شعبي جديد.
وفي مثل هذه اللحظة، حين يُجبر النظام على بلع ما يشبه كأس السم سياسيًا، حتى على مستوى رأس الهرم ومن يدورون حول مجتبى خامنئي، يصبح أول ما يفعله هو محاولة إسكات صوت المقاومة التي يعرف أنها قادرة على تحويل الغضب الداخلي إلى مشروع سياسي منظم.
وعلى الفور، عقدت المقاومة الإيرانية مؤتمرًا صحافيًا توضيحيًا في باريس، شاركت فيه شخصيات فرنسية بارزة، من بينها جيلبير ميتران، رئيس مؤسسة فرانس ليبرتيه، وكريستين أريغي، النائبة في الجمعية الوطنية الفرنسية ورئيسة اللجنة البرلمانية من أجل إيران ديمقراطية، إلى جانب ممثلين عن المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية ومنظمة مجاهدي خلق الإيرانية.
وأكد المتحدثون أن التظاهرة كانت قانونية وسلمية وحقوقية، وهدفت إلى الاحتجاج على الإعدامات ودعم الشعب الإيراني الواقع تحت القمع.
وقالت كريستين أريغي إن منع تظاهرة من أجل حقوق الإنسان ودعم الشعب الإيراني يشكل إهانة للشعب الإيراني ومصدر قلق عميق بشأن سيادة القانون وحرية التجمع في فرنسا.
أما جيلبير ميتران فتساءل كيف يمكن، بعد شهرين من الحوار والتنسيق، أن تتخذ الحكومة الفرنسية في اللحظة الأخيرة قرارًا من هذا النوع، وهل يمكن تفسير ذلك بغير الخضوع لابتزاز سياسي من جانب النظام الإيراني؟وتقدم المنظمون بطعن عاجل أمام المحكمة الإدارية في باريس.
وقد أوضحت المحكمة في حكمها أن قرار المنع الصادر عن الشرطة استند إلى مبررات نمطية تفتقر إلى معلومات سياقية كافية.
لكنها أشارت، في الوقت نفسه، إلى تقارير استخباراتية تفيد بأن تظاهرة 20 حزيران (يونيو) كانت معرضة لخطر هجوم كبير من قبل النظام الإيراني أو بقايا نظام الشاه السابق.
كما ورد في الحكم أن بقايا نظام الشاه يملكون جهازًا أمنيًا داخليًا باسم السافاك ينشط في أوروبا، وقد هدد بزرع قنبلة إذا صدر ترخيص للتظاهرة.
هذا الجزء من حكم المحكمة نقل المسألة من مستوى الخلاف الإداري إلى مستوى ملف سياسي ـ أمني بالغ الحساسية.
فللمرة الأولى، ترد في وثيقة قضائية فرنسية إشارة إلى خطر مزدوج مصدره النظام الإيراني والملكيون ضد تظاهرة للمقاومة الإيرانية.
ومن وجهة نظر المقاومة، كشف ذلك أن تيارين استبداديين، هما نظام ولاية الفقيه وبقايا نظام الشاه، يلتقيان في العداء للشعب الإيراني ومقاومته المنظمة.
ومن هنا اكتسب شعار" لا شاه ولا ملا" معنى جديدًا في باريس؛ فهو يرفض الدكتاتورية الدينية القائمة كما يرفض العودة إلى استبداد الشاه.
وبالرغم من المنع الرسمي والتهديدات الأمنية، شهدت باريس في 20 حزيران (يونيو) حضورًا واسعًا للإيرانيين.
فقد تجمع آلاف ممن وصلوا إلى المدينة في نقاط مختلفة.
والتظاهرة التي كان يفترض أن تسير في مسار واحد محدد، استمرت عمليًا في عشرات المواقع داخل باريس.
وظهرت مئات الحافلات في محيط المدينة ونقاطها المختلفة، بينما حملت مجموعات من الإيرانيين الأعلام والشعارات وصور الشهداء والسجناء السياسيين ولافتات منددة بالإعدامات، ونقلت رسالتها إلى شوارع العاصمة الفرنسية.
وردد المشاركون شعارات ضد الإعدامات والقمع والحروب وتصدير الإرهاب، وضد شكلي الدكتاتورية، الدينية والملكية.
وكانت رسالتهم المركزية واضحة: الحل في إيران ليس حربًا خارجية، ولا مساومة مع النظام، ولا عودة إلى حكم الشاه، بل إسقاط النظام على يد الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة، وإقامة جمهورية ديمقراطية.
وفي عدد من نقاط باريس، تدخلت الشرطة الفرنسية لتفريق المشاركين.
وتحدثت تقارير عن استخدام العنف، واعتقال أكثر من خمسين شخصًا، وإصابة عدد من المشاركين بجروح، بينها كسور وأضرار جسدية خطيرة.
وبالرغم من الإفراج لاحقًا عن معظم المعتقلين، فإن الصور والروايات المتعلقة بتعامل الشرطة مع متظاهرين كانوا يرفعون شعارات ضد الإعدام والقمع في إيران أثارت غضبًا واسعًا بين المشاركين ومناصري المقاومة.
ومن اللافت أن كثيرًا من وسائل الإعلام ووكالات الأنباء الدولية ركزت في تغطيتها على خبر" إلغاء التظاهرة"، بينما كانت الحقيقة الميدانية أوسع بكثير.
ما لم يُنقل بما يكفي هو حضور آلاف الإيرانيين في شوارع باريس، وتعدد التجمعات في نقاط مختلفة، وتدخلات الشرطة، والاعتقالات، والإصابات، وتحول قرار المنع إلى مشهد من الصمود الجماعي.
ولهذا، فإن ما جرى في باريس لم يكن رواية" تظاهرة أُلغيت"، بل رواية فشل محاولة إسكات صوت المقاومة الإيرانية.
فقد وجّه مسعود رجوي، زعيم المقاومة الإيرانية، رسالة إلى المشاركين في المظاهرة قال فيها إنهم حوّلوا" الشر الكبير" إلى" خير عظيم"، وكشفوا السيناريو المشترك لبقايا الملا والشاه وأصحاب المساومة، مضيفًا أن الإيرانيين في باريس، بدلًا من تظاهرة واحدة، تكاثروا وانتشروا في عدة تظاهرات في نقاط مختلفة من المدينة.
واعتبر أن ذلك أثبت وجود بديل ديمقراطي مستقل يحمله أبناء إيران.
وبالتوازي مع هذه التطورات الميدانية، عُقد المؤتمر العالمي" إيران الحرة 2026" في باريس، بمشاركة شخصيات سياسية وحقوقية وبرلمانية بارزة من أوروبا وأميركا الشمالية.
وكان القاسم المشترك في كثير من الكلمات هو إدانة منع التظاهرة، ورفض سياسة المساومة مع النظام الإيراني، ودعم حق الشعب الإيراني في المقاومة والتغيير.
وأكدت مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، أن النظام الإيراني يستخدم الحرب والإعدامات والقمع والمشروع النووي والتدخل في دول المنطقة أدواتٍ لبقائه.
وقالت إن الحرب تشكل درعًا لهذا النظام في مواجهة الانتفاضات الشعبية، وإن الحل الحقيقي لا يكمن في حرب خارجية، ولا في مساومة مع النظام، ولا في بدائل مصطنعة، بل في الثورة الديمقراطية للشعب الإيراني ومقاومته المنظمة.
كما اتخذت شخصيات دولية مواقف واضحة.
فقد قال شارل ميشيل، الرئيس السابق للمجلس الأوروبي، إن المساومة مع الدكتاتوريات لا تؤدي إلى نتيجة، وإن الحرب ليست حلًا دائمًا.
واعتبر بوريس جونسون، رئيس الوزراء البريطاني السابق، أن منع التظاهرة كان خطأً، مؤكدًا أن حرية إيران ستتحقق من داخل إيران وبإرادة شعبها.
أما جون بركو، الرئيس السابق لمجلس العموم البريطاني، فقال إن النظام يمكنه قتل الناس، لكنه لا يستطيع قتل فكرة الحرية.
في النهاية، جاءت محاولة إسكات صوت الإيرانيين بنتيجة معاكسة.
فالتظاهرة التي كان مقررًا أن تُنظم في نقطة واحدة استمرت في عدة نقاط من المدينة، والرسالة التي كان يراد حجبها ترددت في الشوارع، وفي قاعة المؤتمر، وفي كلمات شخصيات دولية.
لقد أظهر يوم 20 حزيران (يونيو) في باريس أن المقاومة الإيرانية تمتلك، حتى في مواجهة الضغط السياسي والتهديد الأمني والمنع الإداري والتعامل الشرطي، قدرة واضحة على التنظيم والحضور وإيصال الرسالة.
والأهم أنه أظهر أن النظام الإيراني، وهو يحاول إسكات هذا الصوت، دلّ بنفسه المجتمع الدولي على خصمه الحقيقي: ليس قوة أجنبية، بل الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة، وفي مقدمتها منظمة مجاهدي خلق الإيرانية والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية.
ولم يكن هذا الحدث مجرد خبر عن تظاهرة مُنعت، بل مشهد سياسي في قلب أوروبا كشف قوة البديل الحقيقي، وأثبت أن صوت إيران الحرة لا يمكن إسكاتُه بقرار منع، ولا بتهديد تفجير، ولا بتعتيم إعلامي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك