في الوقت الذي كانت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تسعى إلى تقديم فنزويلا بوصفها نموذجا لنجاح سياستها الجديدة في أمريكا اللاتينية بعد الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو مطلع العام الجاري، جاء الزلزال المزدوج الذي ضرب البلاد الأربعاء الماضي ليقلب المشهد رأسا على عقب.
ووضعت هذه الكارثة الطبيعية الحكومة الانتقالية برئاسة ديلسي رودريغيز أمام أول اختبار وجودي، كما وضعت واشنطن نفسها أمام امتحان لا يقل صعوبة لإثبات أن وعودها بإعادة بناء الدولة المنهكة لم تكن مجرد شعارات سياسية أو رهانات مرتبطة بالنفط.
وفي ظل عجز أجهزة الدولة عن الاستجابة لتداعيات الزلزالين، اضطر السكان إلى تنظيم عمليات إنقاذ ذاتية، مستخدمين أيديهم العارية لإزالة الأنقاض، بينما تحولت الدراجات النارية والسيارات الخاصة إلى وسائل لنقل المصابين وإيصال المياه والمؤن في ظل غياب فرق الإنقاذ الرسمية لساعات طويلة.
list 1 of 2صيف الرعب.
كيف حولت موجة الحر بيوت الفرنسيين إلى أفران طاردة؟list 2 of 24096 اعتداء في عام.
لماذا ارتفعت الحوادث المعادية للمسلمين في ألمانيا؟ونقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن أحد سكان منطقة كاتيا لا مار قوله إن" أكبر استجابة جاءت من الناس أنفسهم"، في تعبير لخص شعورا واسعا بين الفنزويليين بأن الدولة لم تكن حاضرة بالقدر المطلوب خلال الساعات الأولى بعد الزلزال المزدوج.
وذكرت في تقريرها أن الزلزالين الأخيرين أظهرا مدى ضآلة التغيير الذي طرأ على أجهزة الدولة منذ إطاحة الولايات المتحدة بالرئيس نيكولاس مادورو في يناير/كانون الثاني الماضي.
وأشارت إلى أن وكالات الإغاثة الدولية أفادت بأن البلاد لا تزال تعاني منذ ذلك الحين من أزمة إنسانية حادة، وانعدام الأمن الغذائي، فضلاً عن الخدمات العامة التي عجزت عن تلبية الاحتياجات الصحية الأساسية.
ولم يقتصر التحدي على حجم الكارثة الإنسانية، بل امتد إلى البعد السياسي، إذ وجدت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز نفسها أمام اختبار قد يرسم مستقبلها السياسي.
فمنذ تسلمها السلطة عقب إبعاد مادورو، حاولت رودريغيز تقديم نفسها باعتبارها" وجهاً أكثر براغماتية" وقدرة على إعادة دمج فنزويلا في الاقتصاد العالمي، من خلال تشجيع الاستثمارات الأجنبية والانفتاح على الولايات المتحدة بعد سنوات من القطيعة والمواجهة، وفق تقرير الصحيفة الأمريكية.
وتناولت وول ستريت جورنال تصريحات أدلت بها رودريغيز، خلال لقاء أجراه معها التلفزيون الحكومي يوم الجمعة، حيث أكدت أن الجيش وأجهزة الدولة يجري حشدها لمواجهة الأزمة، معلنة توفير الغذاء والمياه للمناطق المنكوبة، وإسناد إدارة ولاية لا غوايرا إلى القوات المسلحة.
كما شددت على أن فرق الإنقاذ تمكنت من انتشال عشرات الأشخاص أحياء من تحت الأنقاض، في محاولة لطمأنة الرأي العام وإظهار قدرة الحكومة على التعامل مع الكارثة.
غير أن هذه الرسائل الرسمية اصطدمت بشهادات ميدانية وتقارير تحدثت عن بطء الاستجابة ونقص المعدات الثقيلة، وهو ما دفع العديد من المحللين -بحسب وول ستريت جورنال- إلى اعتبار الساعات الأولى بعد الزلزال لحظة كاشفة لحقيقة مؤسسات الدولة الفنزويلية بعد سنوات من الانهيار الاقتصادي.
وترى الصحيفة أن الكارثة قد تتحول إلى نقطة مفصلية بالنسبة لكل من رودريغيز وإدارة ترمب معا، إذ إن نجاح الحكومة في إدارة الأزمة قد يمنحها شرعية سياسية أوسع، بينما قد يؤدي أي إخفاق أو اتهامات بالفساد أو سوء توزيع المساعدات إلى موجة جديدة من الاحتجاجات في بلد يعاني أصلا من مستويات مرتفعة من السخط الشعبي.
ومن جانبها، قالت صحيفة واشنطن بوست إن الزلزال المزدوج يضع العلاقة بين الولايات المتحدة وفنزويلا على المحك، فبعد أن كانت الدولتان تناصبان بعضهما العداء فقد يتحولان الآن إلى" صديقين رائعين".
ويرى سياسيون ومحللون أن الفرصة سانحة أمام واشنطن وكاراكاس لتحويل علاقتهما إلى ما يشبه التحالف، في إطار انفراج دبلوماسي قد يمثّل أحد أسرع التحولات الجيوسياسية في التاريخ المعاصر، على حد تعبير تيرنس مكوي، مراسل التحقيقات الدولية في صحيفة واشنطن بوست.
وفي هذا السياق، نقل المراسل عن القيادي الفنزويلي المعارض فريدي جيفارا قوله إن الأزمة تمثل فرصة لإثبات أن التعاون مع الولايات المتحدة لا يقتصر على المصالح التجارية، بل يمتد أيضا إلى دعم الشعب الفنزويلي وتعزيز قيم الديمقراطية، معتبرا أن نجاح جهود الإغاثة قد يسهم في تغيير الصورة التقليدية التي ترتسم في أذهان كثير من الفنزويليين تجاه واشنطن.
لكن هذا الرهان لا يخلو من تحديات معقدة.
فإدارة ترمب كانت قد أعادت هيكلة منظومة المساعدات الخارجية الأمريكية، وألغت أو قلصت عددا من المؤسسات التي كانت تضطلع تاريخيًا بإدارة عمليات الإغاثة الإنسانية، وهو ما أثار تساؤلات حول قدرة واشنطن على تنفيذ استجابة واسعة النطاق بالسرعة والكفاءة اللتين تعهدت بهما.
وفي تصريحات أوردتها واشنطن بوست، أشار مايكل فان رويين، مدير المبادرة الإنسانية بجامعة هارفارد، إلى أن الأزمة الحالية تمثل أول اختبار حقيقي لقدرة الولايات المتحدة على إدارة عمليات إغاثة كبرى في مرحلة ما بعد الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، محذرا من أن أي إخفاق قد يحول المساعدات إلى مجرد استعراض سياسي بدلا من أن تكون استجابة إنسانية فعالة.
وتلفت الصحيفة إلى أن كثيرا من الفنزويليين لا يشعرون حتى الآن بأن التغيير السياسي الذي حدث في بلادهم بعد الإطاحة بنظام مادورو لم ينعكس إيجابا على واقعهم المعيشي.
فالعلاقات الدبلوماسية مع واشنطن تحسنت، وبدأت الاستثمارات الأجنبية تتدفق إلى قطاع النفط، لكن التضخم لا يزال مرتفعا، والخدمات العامة تعاني تراجعا حادا، بينما لم يلمس المواطن العادي تحسنا حقيقيا في مستوى معيشته.
ومن ثم، فإن نجاح عمليات الإغاثة قد يكون أول فرصة لإقناع الشارع بأن التحول السياسي يمكن أن يترجم إلى نتائج عملية، لا إلى تفاهمات سياسية واقتصادية فحسب.
الولايات المتحدة باتت تمتلك أدوات ضغط متعددة، تشمل النفوذ على عائدات النفط، والتهديد بإجراءات قانونية ضد مسؤولين فنزويليين، فضلا عن إمكانية اللجوء إلى خيارات عسكرية إذا تدهورت العلاقة بين الطرفينومن زاوية أخرى، ذهبت مجلة نيوزويك إلى أن الكارثة كشفت بصورة أوضح طبيعة العلاقة غير المتوازنة التي نشأت بين واشنطن وكاراكاس منذ إبعاد مادورو عن السلطة.
ورأت في تقرير إخباري أن سرعة ترحيب الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز بالدعم الأمريكي، وإشادتها العلنية بالرئيس دونالد ترمب، تمثل تحولا لافتا بالنسبة لسياسية أمضت سنوات طويلة في مهاجمة النفوذ الأمريكي، بما يعكس حجم التغير الذي طرأ على موازين القوى داخل فنزويلا.
وتنقل المجلة عن الباحثة ماريا بويرتا رييرا قولها إن الإدارة الأمريكية ربطت بقاء الحكومة الجديدة في السلطة بمدى تعاونها مع واشنطن وتنفيذها إصلاحات تخدم المصالح الاقتصادية الأمريكية.
واعتبرت أن كارثة الزلزال قد تمنح البيت الأبيض نفوذا أكبر على الحكومة الفنزويلية، بحيث تتحول المساعدات الإنسانية إلى أداة إضافية لتعزيز هذا النفوذ.
ويستند هذا التقدير إلى سلسلة من التطورات التي شهدتها الأشهر الماضية، من بينها فتح قطاع النفط أمام استثمارات أجنبية، وتوسيع التعاون الأمني بين البلدين، إضافة إلى زيارات متكررة لمسؤولين أمريكيين وممثلي شركات الطاقة والدفاع إلى كاراكاس.
كما يشير التقرير إلى أن الولايات المتحدة باتت تمتلك أدوات ضغط متعددة، تشمل النفوذ على عائدات النفط، والتهديد بإجراءات قانونية ضد مسؤولين فنزويليين، فضلا عن إمكانية اللجوء إلى خيارات عسكرية إذا تدهورت العلاقة بين الطرفين.
غير أن الانتقاد الأشد لتعامل الولايات المتحدة مع فنزويلا جاء في تقرير نشره موقع إنترسبت الأمريكي لكبير مراسليه، نيك تيرس، الذي يرى أن إدارة ترمب تجد نفسها أمام مسؤولية مباشرة عن الأزمة الحالية بعد أن أعلنت في وقت سابق أنها أصبحت صاحبة الكلمة العليا في فنزويلا عقب الإطاحة بمادورو.
وقال تيرس إن الرئيس الأمريكي انتقل من الحديث عن إدارة البلاد إلى الاكتفاء بوصف الفنزويليين بأنهم" أصدقاء جدد"، متسائلًا عما إذا كانت واشنطن مستعدة لتحمل تبعات الدور الذي اختارت أن تؤديه.
وصرح مسؤول في الحكومة الأمريكية لموقع إنترسبت بأن عرض ترمب لا يرقى إلى المستوى المطلوب، لأن فنزويلا أصبحت الآن، بحسب تعبيره، " دولة تابعة للولايات المتحدة".
وتساءل المسؤول -الذي تحدث شريطة عدم كشف هويته- مستشهدا بتصريحات سابقة لترمب قال فيها: " ألسنا نحن من يدير ذلك البلد؟ هذا التزام يتجاوز مجرد الصداقة".
وتطرق الموقع الإخباري في تقريره إلى رسالة تنوي منظمات فنزويلية أمريكية وجماعات تدافع عن سياسات خارجية تقدمية نشرها، طالبت فيها الإدارة الأمريكية بتقديم مساعدات إنسانية واسعة وغير مشروطة، إلى جانب الإفراج عن العائدات النفطية الفنزويلية المجمدة وتخفيف العقوبات المتبقية التي قد تعرقل جهود إعادة الإعمار.
وفي رأي هذه المنظمات أن مسؤولية الولايات المتحدة لا تقتصر على الإغاثة العاجلة، بل تمتد إلى معالجة الآثار الاقتصادية التي خلفتها سنوات العقوبات، والتي أسهمت -حسب الرسالة- في إضعاف البنية التحتية والمستشفيات والمنشآت التي انهارت تحت وطأة الزلزال.
وتعيد هذه التطورات إلى الأذهان كارثة الانهيارات الطينية التي ضربت ولاية لا غوايرا عام 1999، حين رفض الرئيس الراحل هوغو تشافيز عروض المساعدة الأمريكية لأسباب أيديولوجية.
على أن التحدي الأكبر يكمن اليوم -برأي مايكل فان رويين- في التمييز بين ما هو عمل إغاثي حقيقي وما هو مجرد استعراض أمام وسائل الإعلام، محذرا من أنه" إذا أُديرت الأمور بشكل سيئ أو غير متقن، فقد يبدو المشهد برمته وكأنه نوع من الاستغلال والانتهازية".
ومع ذلك، فإن بوادر المضي قدما في تقديم هذه المساعدات تمثل تحولا كبيرا في مسار العلاقات الأمريكية الفنزويلية الأخيرة، طبقا لواشنطن بوست.
وأشارت الصحيفة إلى أنه في الماضي، عندما تسببت الأمطار الغزيرة في حدوث فيضانات وانهيارات طينية أودت بحياة عشرات الآلاف في ما يُعرف الآن بولاية" لا غوايرا"، كانت الولايات المتحدة على أهبة الاستعداد لنشر 450 جندياً للمساعدة في إعادة بناء طريق سريع محلي، إلا أن الرئيس الفنزويلي آنذاك هوغو تشافيز، الذي صعد إلى السلطة وهو يهاجم" الإمبريالية" الأمريكية، رفض تلك المساعدات.
واليوم، تتركز أسوأ تداعيات الكارثة مجددا في ولاية لا غوايرا نفسها، لكن الفارق يبدو جلياً في طريقة استجابة الحكومة الحالية لآفاق المساعدات الأمريكية.
وهو ما أشار إليه المحلل السياسي إيوجينيو مارتينيز في تصريحه لواشنطن بوست قائلا: " ثمة مفارقة واضحة بين ما حدث عام 1999 والنتائج التي ترتبت عليه عندما رُفضت المساعدات الدولية لأسباب أيديولوجية، وبين ما يحدث في الوقت الراهن حيث تفتح الحكومة ذراعيها لاستقبال أي نوع من الدعم، بغض النظر عن التوجهات الأيديولوجية للدولة المانحة".
ويرى المحللون أن ثمة خطرا آخر يلوح في الأفق يتمثل في شبح الفساد؛ فإذا تحولت المساعدات الإنسانية إلى باب للمحسوبية والاختلاس بدلا من تخفيف المعاناة، فإن ذلك قد يضاعف من حالة الإحباط وخيبة الأمل التي يعيشها الشعب تجاه قيادته السياسية، وهو احتمال تراه واشنطن بوست ما يزال قائما في بلد له تاريخ طويل مع المحسوبية السياسية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك