استضاف مركز نوار الموسيقي في القاهرة، الأسبوع الماضي، محاضرة تخصصية، ألقاها المستشرق الفرنسي فريدريك لاغرانج (Frédéric Lagrange)، أستاذ الأدب العربي في جامعة السوربون، والمتخصص في الموسيقى المصرية، ولا سيما في حقبة عصر النهضة الغنائية، الممتدة من منتصف القرن التاسع عشر، وإلى ثلاثينيات القرن العشرين.
حملت المحاضرة عنوان" الوصلة الغنائية.
عصر حجري أم كلاسيكية مفقودة"، واشتملت على عدة محاور رئيسة، من أهمها:ظهور الأسطوانات وأجهزة التسجيل، والتطور التقني للأسطوانة، وبدء نشاط شركات التسجيل في مصر والشرق الأوسط، وأنواع الموسيقى التي بدأت الشركات في تسجيلها، والشكل المعتاد للوصلة الطربية المصرية، وأهم القوالب الغنائية والموسيقية التي تحتويها، وطرائق أداء العازفين والمطربين داخل الوصلة.
سارت وقائع المحاضرة في اتجاهين متوازيين: نظري، يتمثل في الشرح والتوضيح، وعملي يتمثل في الاستماع إلى قطع مختارة من الموشحات والأدوار والقصائد والطقاطيق والمواويل، لعدد من أعلام الطرب ممن أدركوا التسجيل على أسطوانات.
قسم فريدريك لاغرانج ما سجلته شركات الأسطوانات في مصر إلى قسمين: الأول، ما قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، وفي مقدمة هذا القسم تأتي الموسيقى الحضرية، والمعزوفات الآلية (بلدي - عسكري - بيانو)، وأغاني العوالم، والتلاوة والإنشاد والتراتيل المسيحية، والمُضحكون، و" المَغنى البلدي"، ثم القسم الثاني الذي سُجل بعد اندلاع الحرب، ويشتمل على الطقطوقة، والألحان المسرحية، وما سماها المحاضر بامتدادات الموسيقى الحضرية النهضوية، ومثل لها بالمونولوغ والطقطوقة" المهذبة".
يرى لاغرانج أن البعد الاجتماعي الطبقي كان حاضراً في اختيارات شركات الأسطوانات الغنائية، لأنها أرادت أن تقدم الغناء الذي يستمع إليه القادرون على شراء أجهزة الفونوغراف، أي الطبقة البرجوازية في هذه الفترة، ما منح الغناء الحضري المديني موقعه المركزي الذي سيستمر لنحو قرن كامل.
عرف العالم تسجيل الصوت في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، عقب ظهور أسطوانات الشمع، ويوضح لاغرانج أن شركات التسجيل أدركت أصوات كبار المطربين، وفي مقدمتهم المغني المصري الشهير عبده الحامولي (1836 – 1901) في أخريات حياته من خلال ما سماه المصريون أسطوانة كُبّاية، لأنها بالفعل كانت تأخذ شكل الكوب، قبل أن تتحول إلى قرص مسطح، مع الاحتفاظ بتسمية أسطوانة بسبب التعود على استخدامها لفترة طويلة.
يؤكد لاغرانج أن الأسطوانة الكُبّاية أصبحت شيئاً نادراً جداً، ولا سيما تلك التي تحمل صوت الحامولي، حتى وإن كان ذلك عبر تقنية بدائية لا تظهر حقيقة صوت الرجل.
يشير المستشرق الفرنسي إلى أن جامعة كاليفورنيا (سانتا باربرا) تملك مجموعة مهمة من تلك الأسطوانات، ومنها مثلاً أسطوانة لدور" كادني الهوى" بصوت الحامولي، سجلت غالباً عام 1900، أي قبل وفاة رائد الغناء بعدة أشهر.
يتوقف فريدريك لاغرانج مطولاً أمام شكل الوصلة الغنائية المصرية، والقوالب المكونة لها غنائياً وآلياً، ويعتبر أن الوصلة تعد صيغة مصرية لمفهوم المتتالية الشائع في الموسيقات الحضرية، مثل النوبة المغاربية، والفصل الحلبي، والمقام العراقي.
ويلفت لاغرانج إلى أن أجزاء الوصلة تمثل عدداً من المتقابلات، فالموسيقى الصوتية (الغناء) تقابل الموسيقى الآلية (العزف)، والتلحين يقابل الارتجال، والموقع أو الموزون يقابل المرسل أو الفالت، والفصيح يقابل العامي.
وعلى سبيل التغليب، تبدأ الوصلة الغنائية المصرية، بالتقاسيم، ثم موشح أو أكثر، ثم تقاسيم ثانية، ثم" ليالي" والموال، أو قصيدة مرسلة، ثم تقاسيم موقعة أو مرسلة، ثم" ليالي" موقعة (بمب) ثم دور، ثم ليالي بمب.
وفي الوصلة الثالثة قد يتبدل الدور، وتحل محله قصيدة.
وبالطبع، قد تختلف هذه المكونات، وقد يختلف ترتيبها.
واستعرض فريدريك لاغرانج عدداً من النماذج لقوالب الوصلة القديمة، كان أولها سماعي دارج بياتي من عزف سامي الشوا على الكمان، وإبراهيم القباني على العود، وعبد الحميد القضابي على القانون، وهو تسجيل أنتجته شركة غرامافون عام 1919.
ثم قدم نموذجاً لتقاسيم من مقام الصبا، ومن تسجيل أنتجته شركة أوديون عام 1906، ويشترك فيه سيد السويسي على العود، وعبد العزيز القباني على القانون، وعلي صالح على الناي.
واختار لاغرانج موشح" أهوى قمراً"، بصوت الشيخ سيد الصفتي، من أسطوانة لشركة غرامافون عام 1910.
كما قدم نموذجاً للموال، بصوت الشيخ يوسف المنيلاوي، أصدرته" غرامافون" عام 1906، من نظم إسماعيل باشا صبري، ويقول مطلعه: " في ظل أهداب عيونك ورد خدك آل (من القيلولة) والحسن ميراث عن يوسف لوجهك آل (من المآل)".
وكانت الوقفة الكبرى في ندوة فريدريك لاغرانج مع قالب الدور، إذ اختار المستشرق الفرنسي دور" سلمت روحك" ليستعرض من خلاله طرائق الأداء المتباينة لمطربي عصر النهضة، ومن خلال عدد من التسجيلات المختلفة للعمل نفسه، بدأها بتسجيل لملحن الدور نفسه، الموسيقي المصري الشهير داود حسني، صدر بالإسكندرية عام 1905، ثم تسجيل للدور نفسه بصوت الست بمبة فهيم العوادة، أصدرته شركة زونوفون عام 1906، كما أصدرته في العام نفسه بصوت المطرب محمد سالم الكبير.
ثم توقف لاغرانج مع أداء المطرب الشهير عبد الحي حلمي للدور نفسه، ومن تسجيل لشركة أوديون عام 1906.
أشار لاغرانج إلى بعض خصائص أداء حلمي، ومن أبرزها استهتاره الشديد باللحن، وتصرفاته المختلفة، حتى في مذهب الدور، الذي يتسم دوماً بقدر معتبر من الثبات اللحني.
لكن النسخة الأهم والأكمل من الدور جاءت بصوت الشيخ يوسف المنيلاوي، وعلى أسطوانة لشركة غرامافون عام 1907.
ملأ المنيلاوي غناءه للدور بتصرفات بالغة الإطراب، تفاعل معها الحضور أكثر من كل أجزاء الندوة، مستفيدين من التنبيهات الإشارية للاغرانج، الذي حرص على إدراك الحضور لمواضع التفنن الأخاذ في النسخة المنيلاوية، التي شغلت أربعة أوجه أسطوانية، بزمن 16 دقيقة، فكانت الأطول بين كل تسجيلات هذا الدور التي نقلتها التسجيلات مطلع القرن الماضي.
ثم جاء دور القصيدة الموقعة، لكن فريدريك لاغرانج آثر أن يوضح للجمهور الطريقة التي شاعت بين المطربين للدخول إلى جو القصيدة، عن طريق ما يُعرف بالدولاب الغنائي، وهو بيت من الكلمات العامية البسيطة، ملحنة بعدة مقامات، يختار منها المطرب ما يتطابق مع مقام القصيدة التي سيرتجلها، فبياتي إن كانت القصيدة بياتي، وسيكاه إن كانت القصيدة من السيكاه، وحجاز إن كان سيغني من الحجاز.
ووظيفة الدولاب أن يُدخل المطرب في أجواء المقام استعداداً للغناء.
والنص الأشهر في التراث الغنائي القديم هو" دولاب العواذل" وتقول كلماته: " آه يا أنا وإيش للعواذل عندنا.
قوم مضيع العذال وواصلني أنا".
قدم لاغرانج عدة نماذج لأداء هذا الدولاب: من مقام الهزام بصوت الشيخ سلامة حجازي، ومن مقام البياتي بصوت الشيخ سيد الصفتي والمطربة نعيمة المصرية، ومن مقام الحجاز بصوت زكي مراد، ومن مقام الراست بصوت علي عبد الباري.
قدم لاغرانج ثلاثة نماذج للقصيدة التي كانت تغنى ضمن الوصلة الغنائية: أولها قصيدة" سمحت بإرسال الدموع محاجري"، من مقام السيكاه، بصوت سلامة حجازي، وثانيها" أساقياي أخمر في كؤوسكما"، من مقام البياتي بصوت عبد الحي حلمي، والأخير" أحب ليالي الهجر لا فرحاً بها"، من مقام النهاوند، بصوت الشيخ أبو العلا محمد.
وبالطبع تفاوتت مساحة الارتجال بين النماذج الثلاثة، إذ تأتي القصيدة عند أبو العلا أقرب إلى اللحن المسبق الكامل.
انتقد فريدريك لاغرانج السردية النقدية الشائعة عن الأثر التركي الكبير في الموسيقى المصرية، مشيراً إلى أن هذه المقولة لم تلق هذا الانتشار إلا بعد ثورة 1952، وأن ما يُعرف بالموسيقى النهضوية أو الخديوية، غلب عليها الإبداع المصري، إذ أراد الخديوي أن يثبت امتلاك مصر موسيقى تضارع ما تعرفه تركيا، وما يقدم في الآستانة.
وربما كان هناك بعض التأثير التركي فيما العزف الآلي، من بشارف وسماعيات، لكن حتى هذه المساحة، تعرضت للتمصير، سواء بأسلوب العزف، أو باعتماد أبعاد مختلفة لبعض المقامات.
وبقي الغناء مصرياً في كلماته وألحانه وطرائق أدائه.
يرى لاغرانج أن الوصلة الغنائية المصرية تمتعت بقدر كبير من الحلية، إذ كان ممكناً تبديل قطعها وتقديمها وتأخيرها، أو الاختيار من بين نماذج متعددة مع شرط وحيد هو الالتزام بالمقام الموسيقي.
ومثلاً، فإن التقاسيم قد تكون على القانون أو العود أو الكمان، وقد تكون مرسلة أو موقعة، وقد يُكتفى بعازف واحد على آلة معينة، وقد تتضمن عدة تقاسيم على آلات مختلفة.
واعتبر لاغرانج أن آخر جيل من المطربين الذين تربوا على الموسيقى النهضوية يتحمل المسؤولية عن اندثار هذه الموسيقى، وعلى رأس هذا الجيل يتقدم اسم كل من عبد الوهاب وأم كلثوم، اللذين قادا الحداثة الغنائية في مصر والعالم العربي.
ويرى لاغرانج أن هذا الجيل قدم نسخة مسهلة من طرب عصر النهضة، ثم جاءت أجيال لاحقة لتقدم نسخاً تسهل المُسهل، إلى أن وصلنا إلى المشهد الغنائي المعاصر.
عكست اختيارات شركات الأسطوانات ذائقة الطبقة البرجوازية مرسخةً الغناء الحضريبدت ندوة لاغرانج في مركز نوار للموسيقى غريبة واستثنائية، إذ اعتادت المؤسسات الموسيقية على خطاب تقليدي، يرسّخ المرسّخ، ويُكرر العبارات التي كونت السردية المستقرة عن الغناء القديم، باعتباره تكرارات مملة، تغلب عليه عبارة" آمان يالالالي"، وتهيمن عليه الموسيقى التركية، وأنه ظل بهذه المثابة إلى أن ظهر سيد درويش، ليصبح المجدد والمخلص والمُمَصر.
يقدم مركز نوار هذه الندوة بعيداً عن أي انحيازات أيديولوجية مسبقة، أو مراعاة اتجاهات فنية بعينها، فالمركز ومنذ افتتاحه يمثل ساحة لعرض كل الألوان الموسيقية، من الطرب الحامولي إلى وردة وبليغ، ومن أم كلثوم والسنباطي إلى نجاة الصغيرة والموجي، ومن عبد الوهاب" يا جارة الوادي" إلى عبد الوهاب" من غير ليه".
ولا ريب أن هذه الخلفية تساعد المتلقي على تقبل الرؤى الموضوعية، المبنية على شواهد واقعية ومعلومات دقيقة، من دون تحفز أو رفض مسبق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك