من أبرز ردود الفعل على الهجمات المفاجئة التي تُسبب صدمة جماعية، قيام الطرف المُستهدف بإنشاء مشاريع ضخمة، يُنظر إليها على أنها رد فعل على التهديد المُكتشف، وضمانة لعدم تكرار فشل الماضي.
عادةً ما يكون هذا استعدادًا لتحديات الحرب السابقة، بينما يُحضّر العدو بالفعل لنوع مختلف من الحروب.
كان الهدف من خط ماجينو، الذي بناه الفرنسيون بين الحربين العالميتين، هو صدّ الغزوات الألمانية التي انطلقت عبر الحدود بين البلدين، لكنه أثبت عدم جدواه عندما شنّت ألمانيا هجومها عام 1940 التفافاً من أراضي بلجيكا.
الحاجز الذي أُقيم على حدود غزة بعد عملية “الجرف الصامد” (2014) أوقف أيضاً عمليات التسلل إلى الأراضي الإسرائيلية عبر الأنفاق في 7 أكتوبر، لكنه انهار أمام غارة برية واسعة النطاق.
منذ 7 أكتوبر، أصبح الاستيلاء على الأراضي ركيزة أساسية في السياسة الأمنية الإسرائيلية، ويجري تنفيذه في لبنان وغزة وسوريا.
يُقدَّم هذا كدرس رئيسي من فشل 7 أكتوبر، الذي كان يهدف إلى ضمان حماية التجمعات القريبة من خطوط الحدود وإبعاد العدو عنها، وهناك من يضيف “الرؤية” القائلة إن “العربي لا يفهم إلا عندما تُنتزع منه أرضه”، ما يعني تعزيز صورة إسرائيل كرادع.
ويُقدِّم نتنياهو وكاتس الرؤية نفسها، إذ يُصرِّحان باستمرار بأن إسرائيل لن تنسحب من الأراضي التي احتلتها.
منذ 7 أكتوبر، أصبح الاستيلاء على الأراضي ركيزة أساسية في السياسة الأمنية الإسرائيلية، ويجري تنفيذه في لبنان وغزة وسوريامع ذلك، يُشير التفكير النقدي والذاكرة إلى أن فشل 7 أكتوبر لم يكن نابعًا أساسًا من وجود العدو قرب الحدود، بل من سيطرة الغطرسة والغرور على إسرائيل، إلى جانب ازدراء العدو وفهمٍ قاصر لمنطقه، وظهور فكرة مفادها إمكانية تغيير سلوكه عبر حوافز اقتصادية.
في مثل هذه الحالة، حتى لو كانت الحدود كما هي عليه اليوم، لكان ممكناً شن هجوم مفاجئ وحاسم على إسرائيل.
لا شك بأن الأفضل أن يكون العدو بعيداً عن المستوطنات الحدودية شمالًا وجنوبًا، وعدم تطوير بنية تحتية تُهدد الحدود.
ومع ذلك، من الضروري طرح تساؤلات جوهرية: إلى متى يُراد احتلال الأراضي المُحتلة على الجبهات الثلاث؟ إضافةً إلى السيطرة على الأراضي (أو ما تُسميه إسرائيل “الزحف التدريجي” في سياق غزة)، هل هناك خطة استراتيجية؟ وكيف سنتصرف في مواجهة الضغوط الخارجية المتزايدة للانسحاب، كما بدأ بالفعل في لبنان؟ إضافةً إلى ذلك، من الضروري إدراك أن استمرار الاستيلاء على الأراضي يعيق التطبيع مع الدول العربية، التي تشعر بالفعل بالفزع مما تعتبره “مؤامرة للتوسع الإقليمي على حسابها”.
يوصى بتجريد الاستيلاء على الأراضي من أي دلالات أيديولوجية، ولا سيما الرؤية القطاعية المرتبطة بالحركة الصهيونية الدينية، التي يصرح ممثلوها في الحكومة والكنيست بأنها يجب أن تشمل أيضاً الضم والطرد وإقامة المستوطنات.
في الوقت نفسه، يوصى بتجريد الاستيلاء على الأراضي من أي دلالات أيديولوجية، ولا سيما الرؤية القطاعية المرتبطة بالحركة الصهيونية الدينية، التي يصرح ممثلوها في الحكومة والكنيست بوجوب أن تشمل أيضاً الضم والطرد وإقامة المستوطنات.
إن ترسيخ الصورة القائلة إن الاستيلاء على الأراضي في الساحات الثلاث، إلى جانب الجهود الاستيطانية المكثفة في الضفة الغربية، ينبع من دوافع دينية لا تمثل عموم الشعب، وتُخفى وراء تبرير استراتيجي ظاهري (“حيثما يوجد استيطان، لا يوجد إرهاب”)، سيؤدي إلى تصعيد الجدل الداخلي حول هدف الحرب.
يُقدَّم التمسك بالأراضي حاليًا على أنه “ركيزة وجودنا”، بينما يبدو التلاعب بهذه القضية محاولة من القيادة لإثبات إنجازات في فترة تراجع استراتيجي: في ضوء الاتفاق مع إيران الذي يهدد مصالح إسرائيل، وتضييق هامش تحرك إسرائيل في لبنان، والغموض المحيط بالاستيطان في هذه الساحة، وتصاعد التوتر بين نتنياهو وترامب، كل هذا يُثير تساؤلات حول جدوى حرب “زئير الأسد”، وما إذا كان ضررها يفوق نفعها، وبشكل عام، ما إذا كانت الظروف التي كانت سائدة قبل هذا الصراع قد ساءت.
في الواقع، منذ نحو أسبوع، تمر إسرائيل بمرحلة صعبة من التراجع إلى الواقع والعودة إلى مكانتها التي فقدتها منذ بداية عهد “زئير الأسد”، مصحوبة بأوهام حول انهيار النظام الإيراني، والقضاء على الأعداء، وإعادة تشكيل الشرق الأوسط، بينما تلوح في الأفق “تأملات” حول إعادة رسم حدود سايكس-بيكو، في ظل دعم أمريكي كامل لإعادة هندسة البنية الإقليمية.
لقد بدأت الصحوة مع الاتفاق مع إيران، وزادت حدتها مع الاتفاق مع لبنان مؤخراً.
ويبدو هذا الأخير بمثابة “سلم” لانسحاب إسرائيل المحتمل من جنوب لبنان، وهو أهون الشرين وأكثر ملاءمة من مواصلة الحرب واحتلال الأراضي دون خطة منهجية.
مع ذلك، لا بد من الحفاظ على نهج واقعي: فالحكومة اللبنانية لا تزال ضعيفة، وحزب الله، الذي يرفض الاتفاق، قوي ولا يُتوقع له الزوال.
هدف إسرائيل الرئيسي لا يكمن في السيطرة على الأراضي، بل في الحفاظ على حرية العمل في مواجهة التهديدات المستقبلية، مثل مساعي حزب الله لتعزيز موقعه، وعودة إيران إلى لبنان.
ولتحقيق هذه الغاية، من الضروري الحفاظ على علاقات طبيعية مع ترامب رغم التوتر الراهن، مع إثبات قدرة إسرائيل على إدارة شؤونها السياسية، وأنها لا تقتصر على الأنشطة العسكرية.
علاوة على ذلك، يُنصح بالبدء في التفكير في بدائل للوجود غير المحدد المدة والهدف على الجبهات الثلاث: بدءًا بنشر قوات أجنبية أو محلية، والإشراف الأمريكي، واستمرار السيطرة على النقاط الاستراتيجية الرئيسية (وخاصة محور فيلادلفيا)، والأهم ضمان حرية العمل في مواجهة أي تهديد ناشئ في العمق، لا سيما في المنطقة الحدودية، مع إظهار المبادرة والقدرة على الهجوم (مبدأ “الوقاية”)، إلى جانب اليقظة المستمرة ضد عدو لا يمكن “القضاء عليه” في أي ساحة، وتجنب سياسة الاحتواء والتقييد التي سادت حتى قبل ثلاث سنوات.
وبعبارة أخرى: تطبيق دروس فشل 7 أكتوبر والمفهوم الذي يقوم عليه، الذي يتحمل مسؤوليته أولئك الذين يسعون اليوم إلى تشكيل الواقع دون الاعتراف بفشلهم أو التشكيك فيه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك