عمان– استحق المنتخب الوطني لكرة القدم الإشادة والثناء بعد انتهاء مشاركته التاريخية الأولى في المونديال، تاركاً بصمات واضحة، بعد حضور عالمي حمل إيجابيات كثيرة، وضعت الكرة الأردنية على طريق العالمية، ما يتطلب العمل من أجل البناء عليها مستقبلا.
اضافة اعلانونجح منتخب النشامى في تحقيق حلم طال انتظاره باللعب مع كبار العالم في المونديال، وباتت الكرة الأردنية أمام مسؤولية أكبر تتمثل في استثمار هذا الإنجاز، وتحويله إلى مشروع مستدام يضمن استمرار الحضور بين كبار القارة، ويؤسس لعودة متكررة إلى نهائيات كأس العالم، بدلاً من أن يبقى التأهل محطة استثنائية في تاريخ اللعبة، وقيمة هذا الإنجاز لا تكمن في التأهل للمونديال وحده، وإنما في كيفية استثماره والبناء عليه، وهو ما يفرض وقفة مسؤولة من اتحاد كرة القدم لتقييم حقيقي للمشاركة من مختلف الجوانب.
ولم يعد المطلوب الاكتفاء بالاحتفاء بما تحقق، بل الانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها المراجعة والتطوير والبناء على النجاحات، خاصة أن المشاركة التاريخية في المونديال كشفت امتلاك الكرة الأردنية مقومات أساسية مهمة وضرورية من أجل المنافسة، وفي الوقت ذاته أظهرت جوانب تحتاج إلى مزيد من العمل، سواء على المستوى الفني أو الإداري أو التنظيمي، مع اقتراب الاستحقاق القاري الأهم والمتمثل في نهائيات كأس آسيا 2027 في السعودية.
وشكل الدعم الكبير الذي حظي به المنتخب من جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو الأمير الحسين ولي العهد دوراً محورياً في رفع الروح المعنوية للاعبين والجهازين الفني والإداري، ما ساهم في تقديم مستويات مميزة.
ويبقى الرهان الحقيقي بعد إسدال الستار على المشاركة التاريخية، أن تتحول هذه التجربة إلى نقطة انطلاق جديدة لكرة القدم الأردنية، من خلال العمل المؤسسي، والتخطيط بعيد المدى، وتعزيز الشراكة بين اتحاد الكرة والأندية، والاستثمار في المواهب والبنية التحتية والكوادر الفنية، حتى يصبح التأهل إلى كأس العالم هدفاً متجدداً، وتبقى المنافسة على الألقاب القارية طموحاً واقعياً، يرسخ مكانة النشامى بين نخبة منتخبات آسيا.
مكتسبات خارج المستطيل الأخضرحققت مشاركة المنتخب الوطني بالمونديال، الكثير من المكتسبات خارج المستطيل الأخضر، خاصة فيما يتعلق بالترويج للأردن سياحيا، ونشر عادات وثقافة الأردنيين.
وما أن تأهل المنتخب للمونديال، حتى بدأت محركات البحث في العالم، تبحث عن الأردن وما يضمه من مكنونات سياحية وثقافية، ما ساهم في تعريف العالم بالأردن رياضيا وثقافيا وسياحيا، كما راح العالم يتداول الأماكن السياحية في الأردن، ويتحدث عن العادات والتقاليد في ترويج كبير لتلك الأماكن.
وخلال أحداث المونديال، لعبت الجالية الأردنية في أميركا، في تعزيز الحضور الأردني، واستثمار الحدث في الترويج للأردن وعاداته وتقاليده.
وتستوجب المرحلة المقبلة وضع مشروع وطني متكامل يمتد حتى مونديال 2030، هدفه تثبيت مكانة النشامى بين كبار القارة، والعمل بالتوازي على المنافسة بكل قوة على لقب كأس آسيا 2027، فالمنتخب الذي بلغ نهائي النسخة الماضية أثبت أنه يمتلك المقومات اللازمة لاعتلاء منصة التتويج، لكنه يحتاج إلى مزيد من العمل، وتوسيع قاعدة اللاعبين، ورفع مستوى الجاهزية الفنية والبدنية.
وسيحمل مجلس إدارة اتحاد الكرة الجديد برئاسة سمو الأمير علي ابن الحسين، الذي سيتم انتخابه خلال الأيام المقبلة بعد تأجيل الانتخابات التي كانت مقررة يوم الحادي عشر من الشهر الماضي، إلى ما بعد انتهاء مشاركة المنتخب الوطني في كأس العالم، مسؤولية كبيرة في قيادة المرحلة المقبلة، من خلال إعداد رؤية واضحة تستند إلى ما تحقق، ودراسة التقارير الفنية والإدارية الخاصة بالمشاركة التاريخية، واستخلاص الدروس، ووضع برنامج عمل متكامل يضمن مراكمة الإنجاز وعدم فقدان الزخم الذي صنعه النشامى.
ومن المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة مراجعة شاملة للتقرير الفني الخاص بالمنتخب، يتناول مستوى الأداء، وخطط الإعداد، والمعسكرات، والجوانب الطبية والبدنية، وآليات اختيار اللاعبين، بهدف تعزيز نقاط القوة ومعالجة أي سلبيات، وصولاً إلى أفضل جاهزية قبل انطلاق كأس آسيا.
ويرى متابعون أن أولى خطوات المحافظة على المكتسبات تتمثل في وضع إستراتيجية فنية طويلة الأمد، لا ترتبط بالأشخاص أو بمجالس الإدارات، وإنما تعتمد على رؤية واضحة تمتد لسنوات، بحيث يصبح التأهل إلى البطولات الكبرى هدفاً دائماً، وليس إنجازاً استثنائياً.
بناء علاقة قوية بين الاتحاد والأنديةومن الملفات التي تفرض نفسها بقوة، إعادة بناء وتعزيز العلاقة بين اتحاد الكرة والأندية، باعتبارها الشريك الأساسي في صناعة اللاعب الأردني.
فنجاح المنتخب الوطني لا يمكن أن يستمر دون أندية قوية تمتلك بيئة احترافية، وبرامج إعداد متطورة، وقاعدة واسعة من المواهب، وهو ما يتطلب شراكة حقيقية تقوم على الحوار والتنسيق، بما يحقق مصلحة المنتخبات الوطنية والأندية في الوقت ذاته.
كما يتطلب استثمار الإنجاز المونديالي توجيه جزء من الاهتمام نحو دعم الأندية الأردنية، سواء من خلال زيادة مواردها المالية، أو تطوير البنية التحتية للملاعب ومراكز التدريب، أو تعزيز الاستثمار في أكاديميات كرة القدم والفئات العمرية، لأن بناء منتخب قوي يبدأ من وجود أندية قوية وقادرة على إنتاج اللاعبين.
الاستعانة بالخبرات الوطنيةويؤكد متابعون أن اللجنة الفنية يجب أن تضم أصحاب الخبرة والكفاءة من المدربين الوطنيين والخبراء، وأن تعمل بصورة دائمة وليس بشكل موسمي، حتى تضمن استمرارية العمل الفني، وتقديم التوصيات التي تخدم مستقبل الكرة الأردنية.
ومن أهم المكاسب التي ينبغي المحافظة عليها الاستقرار الفني، بعدما أثبت المنتخب قدرته على المنافسة أمام منتخبات كبيرة، وهو ما يستوجب تجنب القرارات المتسرعة، والإبقاء على النهج الفني الذي أوصل النشامى إلى كأس العالم، مع تطويره بما يتناسب مع متطلبات المرحلة المقبلة.
كما تفرض المرحلة المقبلة توسيع قاعدة اختيار اللاعبين، ومتابعة المواهب الشابة في مختلف الفئات العمرية، ومنحها الفرصة للانضمام تدريجياً إلى المنتخب الأول، لضمان وجود إحلال وتجديد يحافظ على قوة الفريق في السنوات المقبلة.
وفي الجانب الاحترافي، ينتظر أن تفتح المشاركة التاريخية أبواباً جديدة أمام عدد من لاعبي المنتخب للاحتراف في دوريات أكثر قوة، بعد المستويات التي قدموها والاهتمام الإعلامي والفني الذي نالوه، وهو ما يتطلب إدارة هذا الملف بعناية، واختيار العروض التي تحقق التطور الفني للاعبين، بما ينعكس إيجاباً على المنتخب الوطني.
ولا بد من منح منتخبات" الأولمبي"، و" الشباب"، و" الناشئين" أولوية قصوى، باعتبارها الرافد الحقيقي للمنتخب الأول.
فالنجاحات لا تتحقق بالاعتماد على جيل واحد، وإنما بصناعة أجيال متعاقبة تسير وفق فلسفة فنية واحدة، وتكون جاهزة لتعويض أي غياب والمحافظة على استمرارية الإنجازات.
تعزيز الاستثمار في كرة القدم الأردنيةكما أن المشاركة التاريخية تمثل فرصة كبيرة لاستقطاب المزيد من الرعاة والشركاء، وتعزيز الاستثمار في كرة القدم الأردنية، وهو ما يستوجب إعداد خطة تسويقية تستثمر الشعبية الكبيرة التي اكتسبها المنتخب، وتوفر موارد إضافية تسهم في دعم برامج التطوير.
وأثبت الالتفاف الجماهيري غير المسبوق حول المنتخب الوطني أن الكرة الأردنية أصبحت مشروعاً وطنياً يجمع الأردنيين، وهو ما يستدعي المحافظة على هذا الزخم، وتعزيز التواصل مع الجماهير، وإطلاق مبادرات تسهم في ترسيخ ثقافة دعم المنتخبات الوطنية.
وأكد رئيس نادي الصريح عمر العجلوني، أن المنتخب الوطني أثبت أنه قادر على مقارعة مدارس كروية كبيرة، لكن الحفاظ على هذا المستوى يتطلب استقراراً فنياً حقيقياً، وبناء منظومة تعتمد على تطوير اللاعب الأردني من القاعدة حتى المنتخب الأول، وبناء علاقة قوية تقام على الشراكة بين الأندية واتحاد الكرة، حيث إن التوقف عند حدود الاحتفاء خطر على أي إنجاز.
وأضاف في حديثه لـ" الغد": " المرحلة المقبلة تتطلب عملا جادا من أجل الاستمرار في تحقيق الإنجازات واستثمار الحضور الأردني بالمونديال، والصورة الإيجابية التي تركها النشامى في المشاركة التاريخية".
ويرى المدرب الوطني عامر عقل أن ما حققه المنتخب في المونديال يجب ألا يعامل كإنجاز عابر، بل كبداية لتأسيس مدرسة كروية أردنية حديثة تقوم على الاستمرارية لا الموسمية، والبناء على الإنجاز التاريخي.
وأضاف في حديث لـ" الغد": " القيمة الحقيقية للإنجاز تكمن في الإدارة بعد الحدث، عبر استثمار الزخم الجماهيري والتسويقي، وتحويله إلى موارد مستدامة تدعم كرة القدم الأردنية لسنوات طويلة".
واعتبر الأكاديمي في جامعة البلقاء خليل السرور، أن ما بعد المونديال أهم من المونديال نفسه، وأن الاستثمار في الإنجاز يجب أن يكون علمياً ومؤسسياً، عبر خطط تمتد لسنوات، تشمل تطوير البنية التحتية، وإعادة هيكلة المسابقات، وربط التعليم الرياضي بالمدارس والجامعات لصناعة جيل احترافي مستدام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك