علقت الدكتورة فاتن صلاح، عضو هيئة خبراء التراث العربي، على التساؤل المثار حول مدى صحة توجه فيل أبرهة إلى الكعبة كما ورد في الروايات المأثورة، مؤكدة أن هذا الموضوع يتسم بالجدلية، ويثير إشكالية علمية تتعلق بطبيعة العلاقة والربط بين النص الديني والمكتشفات الأثرية.
وأوضحت الدكتورة فاتن صلاح، خلال لقاء لها في برنامج «كلمة أخيرة» المذاع على قناة ON، والذي يقدمه الإعلامي أحمد سالم، أن خطوتنا الأولى تبدأ من سؤال محوري: «هل وجد تاريخيا حاكم باسم أبرهة حكم منطقة اليمن أو جنوب الجزيرة العربية قبل ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم؟ ».
وأجابت بأن علم الآثار يثبت بالفعل وجود حاكم بهذا الاسم حكم المنطقة لمدة تقارب 35 عاما، وتحديدا في الفترة من عام 535 إلى 570 ميلادية، وهي الحقبة التاريخية المرجح قربها من عام ميلاد الرسول الكريم.
نقوش يمنية تؤكد نشاط أبرهة الحبشيوأضافت عضو هيئة خبراء التراث العربي: «لدينا ما يقارب 10 نقوش أثرية تذكر اسم أبرهة مكتوبا بالخط المسند اليمني، وتستعرض أعماله وإنجازاته، ومن بينها نقوش عُثر عليها في بقايا سد مأرب، وأخرى في منطقة نجران جنوب الجزيرة العربية جنوب المملكة العربية السعودية حاليا، وكل هذه النقوش تشير بوضوح إلى أبرهة الحبشي».
وحول سبب وصفه بـ«الحبشي» رغم وجوده وحكمه في اليمن، أشارت إلى ضرورة العودة هنا إلى الرواية التاريخية الإسلامية كما وردت عند الإمام ابن كثير، والتي تمثل ركيزة أساسية في التراث التفسيري الإسلامي لسورة الفيل؛ حيث جاء قوله تعالى: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ» دون الخوض في تفاصيل تفصيلية عن الحدث أو مكانه أو زمنه، ما يشير إلى أن العرب المعاصرين لنزول الوحي كانوا على دراية ومعرفة وثيقة بهذه القصة، ولذلك سمي العام الذي وُلد فيه النبي بـ«عام الفيل».
وتابعت أنه بحسب رواية ابن كثير، كان أبرهة قائداً تابعاً لمملكة الحبشة «مملكة أكسوم»، وأن القصة نبعت من صراعات دينية سابقة في جنوب الجزيرة العربية، بعدما اعتنق ملوك اليمن و«حمير» الديانة اليهودية عقب فترة من الوثنية، ما فجّر صراعات دينية دموية عُرفت تاريخياً بـ«قصة أصحاب الأخدود» والموثقة هي الأخرى في القرآن الكريم.
وأشارت إلى أن أحد الناجين من تلك الأحداث هرب إلى قيصر الروم وطلب الدعم، فقام قيصر الروم بالتواصل مع مملكة أكسوم المسيحية في الحبشة، باعتبارها الأقرب دينيًا له، مملكة أكسوم، الواقعة في منطقة إثيوبيا وإريتريا حاليًا، كانت قوة كبرى مطلة على مضيق باب المندب، أي في مواجهة اليمن مباشرة، ومن هناك أُرسل دعم عسكري بقيادة أبرهة.
ولفتت إلى أنه بحسب الرواية، دخل أبرهة اليمن، وقاتل الملك سميفع أشوع، واستولى على الحكم، ثم استقر له الأمر في المنطقة، لاحقًا واجه مشكلة اقتصادية تتمثل في تحول الحركة التجارية والحج العربي إلى مكة، حيث كانت قريش تتحكم في خدمة الكعبة، التي كانت مركزًا دينيًا وتجاريًا مهمًا، رغم وجود عدة كعبات في الجزيرة العربية، إلا أن الكعبة في مكة كانت الأهم.
واستكملت: «فقرر أبرهة بناء كنيسة كبيرة في اليمن تُعرف بـ القُلّيس وهي تعريب لكلمة إكليسيا اليونانية بمعنى الكنيسة، بهدف جذب العرب إليها بدلًا من مكة، لكن العرب لم يستجيبوا، فقرر أبرهة التحرك بجيش كبير ومعه عدد من الفيلة للتوجه نحو مكة وهدم الكعبة».
وأكدت أنه عند وصوله إلى منطقة قرب مكة تُسمى «المُغَمَّس»، توقف الجيش للاستعداد، وهناك وقعت أحداث معروفة في الرواية، منها حادثة عبد المطلب الذي طالب بإبله، وقوله الشهير: «للبيت رب يحميه»، بينما رد أبرهة بأن الجمال له، أما البيت فسيهدمه.
وتابعت: «ثم تحرك الجيش، لكن الفيل الرئيسي رفض التقدم نحو مكة، وكان كلما وُجه نحوها يبرك، وإذا وُجه إلى اتجاه آخر يتحرك، حتى وقع الحدث المعروف في الدين بنزول طير أبابيل وهلاك جيش أبرهة، هذه هي الرواية الإسلامية كما وردت عند ابن كثير، وهي التي استند إليها التفسير التقليدي لسورة الفيل».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك