Independent عربية - محترف عارف الريس في معرض "أحب الزهور كما النجوم" Independent عربية - رواية "الأرض الصلبة" عن مراهق يعاني فقدان الأم قناة الجزيرة مباشر - المستودع.. ذاكرة الاحتجاز السري | السجن الفرنسي الذي ابتلع 30 ألف جزائري ومغاربي في مرسيليا روسيا اليوم - لبنان وإسرائيل.. اتفاق يتحداه حزب الله قناة الجزيرة مباشر - نافذة من أمريكا | ترمب يعلن استجابة طهران لمطالب واشنطن ومندوب مجلس الأمن يتهمها بتهديد هرمز Euronews عــربي - قبل تشييع خامنئي.. إليكم أبرز الجنازات المليونية التي شهدها الشرق الأوسط Independent عربية - رشيد بوجدرة وشكري المبخوت يتبادلان كرة القدم روائيا العربي الجديد - إضراب شامل للنقل غير المنتظم في تونس الاثنين المقبل وكالة الأناضول - ليبيا وتركيا تبحثان تعزيز التعاون في قطاعي النفط والغاز Euronews عــربي - فضيحة فساد تهز معبد رام ماندير في الهند.. هل تهدد إرث مودي السياسي؟
عامة

حين تعاقب تونس عدالتها الانتقالية

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 18 ساعة
1

تحمل الأحكام ضد رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة سابقاً، سهام بن سدرين، معنى يتجاوز بكثير شخصها ومسارها الحقوقي. فالحكم بـ25 سنة سجناً في ملفات تتعلق بأعمال الهيئة، وببعض اتفاقيات الصلح التحكيمي، لا يمكن ع...

تحمل الأحكام ضد رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة سابقاً، سهام بن سدرين، معنى يتجاوز بكثير شخصها ومسارها الحقوقي.

فالحكم بـ25 سنة سجناً في ملفات تتعلق بأعمال الهيئة، وببعض اتفاقيات الصلح التحكيمي، لا يمكن عزله عن معركة أعمق تخوضها تونس مع ذاكرتها ومع معنى العدالة الانتقالية نفسها.

منذ نشأتها بعد الثورة، لم تكن هيئة الحقيقة والكرامة مجرّد مؤسسة إدارية مكلفة بجمع الملفات والاستماع إلى الضحايا.

كانت محاولة سياسية وأخلاقية لطرح سؤال كبير على الدولة التونسية: ماذا فعلت بمواطنيها حين كانت بلا رقابة؟ من عذّب؟ من نهب؟ من زوّر؟ من استعمل القضاء والإدارة والأمن لحماية السلطة لا لحماية الناس؟لهذا ظلت الهيئة منذ البداية محل صراع.

لم يكن الخلاف بشأن إجراءاتها فقط، بل حوّل وجودها نفسه، فهناك من رأى فيها فرصة لإنصاف الضحايا وكشف منظومات الاستبداد والفساد، وهناك من رآها تهديداً للدولة العميقة، ولشبكات النفوذ التي عاشت طويلاً داخل الإدارة والأمن والمال والسياسة.

لم تكن العدالة الانتقالية في تونس مجرّد ملف حقوقي، بل كانت معركة على من يملك حق رواية تاريخ الدولة.

يأتي الحكم على بن سدرين في هذا السياق.

ظاهرياً، نحن أمام قضايا تتعلق بتصرفات وقرارات داخل هيئة الحقيقة والكرامة.

لكن جوهر المسألة أوسع، فالسلطة لا تحاكم هنا موظفة سابقة فقط، بل تحاكم المسار الذي حاول أن يجعل الدولة موضوعاً للمساءلة.

تحاكم الفكرة التي تقول إن الانتهاكات لا تسقط بالتقادم، وإن الضحايا ليسوا تفصيلاً، وإن الدولة حين تظلم يجب أن تواجه ذاكرتها لا أن تدفنها.

التحول الأخطر أن تونس انتقلت من سؤال محاسبة الانتهاكات إلى محاكمة من وثقها.

بدل أن تناقش الدولة كيف تنفذ توصيات العدالة الانتقالية، وكيف تُصلح مؤسّساتها، وكيف تضمن عدم تكرار القمع والفساد، أصبح النقاش يدور حول تجريم الهيئة نفسها، وتشويه تقريرها، وملاحقة من قادتها.

لا يعني هذا أن أي مؤسّسة فوق النقد أو المساءلة.

كل هيئة عامة يمكن أن تخضع للمحاسبة، وكل مسؤول يمكن أن يسأل عن قراراته.

لكن الفرق كبير بين مساءلة إدارية أو قانونية عادلة وتحويل العدالة الانتقالية إلى ملف انتقامي.

وحين تصف منظّمات حقوقية دولية الحكم بأنه سياسي وانتقامي واعتداء على مسار المحاسبة، يعكس ذلك إدراكاً واسعاً بأن القضية تتجاوز تفاصيلها الإجرائية.

التحوّل الأخطر أن تونس انتقلت من سؤال محاسبة الانتهاكات إلى محاكمة من وثّقهاتعيش تونس اليوم لحظة تريد فيها السلطة إعادة تعريف معنى الدولة.

والدولة، في الخطاب الرسمي، يجب أن تكون قوية ومهابة ومركزية.

في مقابل التصوّر الذي تقدمه العدالة الانتقالية بأن الدولة القوية ليست التي تخفي جرائمها، بل التي تملك الشجاعة للاعتراف بها.

ليست التي تسجن من فتح الأرشيف، بل التي تصلح ما كشفه الأرشيف.

ليست التي تبني هيبتها على الصمت، بل على الحقيقة.

وهنا يتصادم منطقان.

منطق العدالة الانتقالية يقول إن الدولة يمكن أن تخطئ، وإن المؤسّسات يمكن أن تنحرف، وإن الضحايا يملكون حقاً في الحقيقة وجبر الضرر والاعتراف.

أما المنطق الذي يحكم تونس اليوم فيميل إلى إعادة بناء الدولة على قاعدة الطاعة لا المساءلة، وعلى مركزية السلطة لا تعدّد الذاكرة، وعلى إغلاق الملفات لا فتحها.

لهذا تبدو محاكمة بن سدرين جزءاً من مسار أوسع يطاول المجتمع المدني والصحافيين والمحامين والمعارضين والحقوقيين.

فالسلطة التي تضيق بالنقاش السياسي تضيق أيضاً بالذاكرة.

لأن الذاكرة الحرّة خطيرة على كل سلطةٍ تريد أن تبدأ التاريخ من لحظة وصولها، وأن تمحو ما قبلها أو تعيد ترتيبه بما يخدم روايتها.

لم تكن العدالة الانتقالية مساراً مثاليّاً في تونس.

شابتها صراعات وأخطاء وخصومات، كما يحدُث في كل تجارب الانتقال المعقدة.

لكنها بقيت واحدةً من أهم محاولات ما بعد الثورة لوضع الدولة أمام ماضيها.

ولذلك ليس ضربها اليوم مجرّد تصفية حساب مع سهام بن سدرين، بل محاولة لإعادة كتابة معنى تلك المرحلة كلها، وتحويلها من مسار إنصاف إلى ملف اتهام.

لم تنشأ العدالة الانتقالية للانتقام من دولة أو من نظام سابق، بل لحماية الدولة من تكرار أخطائهاالأخطر أن هذا يحدث في بلد قامت ثورته أصلاً على الكرامة.

والكرامة لا تعني فقط حرية الكلام أو حق الانتخاب، بل تعني أيضاً أن يعرف الضحايا لماذا عذبوا، ولماذا سجنوا، ولماذا سرقت أموالهم، ولماذا استعملت الدولة ضدهم.

من دون هذه الحقيقة، تصبح المصالحة كذبة، وتصبح الدولة مجرد جهاز يطالب الناس بالنسيان.

لكن محاكمة الذاكرة لا تلغي الذاكرة.

قد تسجن السلطة شخصاً، وقد تشوّه مؤسّسة، وقد تعطّل تقريراً، لكنها لا تستطيع أن تمحو ما قيل في جلسات الاستماع، ولا أن تلغي دموع الضحايا، ولا أن تعيد الاستبداد السابق إلى موقع البراءة، فالحقيقة حين تخرج إلى العلن لا تعود بالكامل إلى الأدراج.

لم تنشأ العدالة الانتقالية للانتقام من دولة أو من نظام سابق، بل لحماية الدولة من تكرار أخطائها.

فهي تقوم على الاعتراف بأن المؤسّسات، مهما بلغت قوتها، يمكن أن تنحرف، وأن إصلاحها يبدأ بكشف الحقيقة قبل طي الصفحة.

لذلك لا يغير استهداف هذا المسار فقط طريقة قراءة الماضي، بل يغير أيضاً الطريقة التي تنظر بها الدولة إلى نفسها.

فالدولة التي تتخلى عن مبدأ المساءلة لا تطوي صفحة الانتهاكات، بل تعيد بناء الحصانة التي سمحت بوقوعها.

ومن هنا تكتسب قضية سهام بن سدرين معناها السياسي الحقيقي، لأنها تعكس انتقاماً من فكرة أرادت إخضاع السلطة للمحاسبة، أكثر مما تعكس محاسبة لمسؤولة سابقة في هيئة عمومية.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك