الجزيرة نت - هل يمثل "النمر" النسخة الكولومبية من ترمب وميلي وبوكيلي؟ القدس العربي - هل تؤمن الجزائر ﺒ «سارتر»؟ القدس العربي - الفساد النافع والمرغوب الجزيرة نت - خفايا "أرنك" على الجزيرة.. كيف حولت فرنسا مستودعا إلى سجن سري للمهاجرين الجزائريين؟ وكالة الأناضول - قدم.. النصر السعودي يعين الأسترالي أنجي بوستيكوغلو مدربا جديدا الجزيرة نت - من القطن إلى وادي السيليكون.. 250 عاما من انتقال مركز الثقل الاقتصادي الأمريكي وكالة الأناضول - رئيس وزراء غرينلاند: ترامب تراجع عن فكرة ضم الجزيرة العربي الجديد - هذا ما يحدث مع مسؤولين عراقيين محتجزين على خلفية قضايا فساد قناة القاهرة الإخبارية - المنتدى التونسي الإيطالي يفتح آفاقًا جديدة للشراكة الاقتصادية بين البلدين العربي الجديد - نتنياهو وترامب يتفقان على "لقاء قريب" في الولايات المتحدة
عامة

المهدي بوصفه رمزًا لماذا لا يموت حلم العدالة؟

سودانايل الإلكترونية
1

لماذا لا يموت حلم العدالة؟ليس من قبيل المصادفة أن تعود فكرة المهدي إلى الواجهة كلما اشتدت الأزمات، ولا أن تنتظر اليهودية المشيح، أو تؤمن المسيحية بالمجيء الثاني، أو تحتفظ الزرادشتية بساوشيانت، والهن...

لماذا لا يموت حلم العدالة؟ليس من قبيل المصادفة أن تعود فكرة المهدي إلى الواجهة كلما اشتدت الأزمات، ولا أن تنتظر اليهودية المشيح، أو تؤمن المسيحية بالمجيء الثاني، أو تحتفظ الزرادشتية بساوشيانت، والهندوسية بكالكي، والبوذية بمايتريافكلما شعر الإنسان بأن العالم يفقد بوصلته الأخلاقية، عاد السؤال القديم يتردد من جديد – هل يأتي من يعيد العدالة إلى التاريخ؟قد تختلف الأسماء، وتتباين العقائد، وتتعدد النصوص المؤسسة لهذه التصورات، لكن الحلم يكاد يكون واحدًا: عالم ينتصر فيه الحق على الباطل، والعدل على الظلم، والرجاء على اليأس.

ومن هنا، لا يصبح السؤال الأكثر أهمية: من هو المخلّص؟ فهذا سؤال تنتمي إجابته إلى فضاء الإيمان والعقيدةأما السؤال الذي يفرض نفسه على الفكر الإنساني فهو- لماذا بقي حلم المهدي المنتظر او المخلّص حيًا في وجدان البشرية عبر آلاف السنين؟هذا السؤال لا يخص دينًا بعينه، ولا ثقافة واحدة، بل يفتح بابًا واسعًا للتأمل في طبيعة الإنسان نفسهلماذا تتكرر صورة المنقذ في حضارات لم يجمع بينها تاريخ واحد، ولا لغة واحدة، ولا جغرافيا واحدة؟ ولماذا ظل الإنسان، رغم كل ما حققه من تقدم علمي وتقني، يحمل في داخله توقًا عميقًا إلى مجيء العدل الكامل؟يرى الفيلسوف الألماني إرنست بلوخ، في كتابه الشهير «مبدأ الأمل»، أن الإنسان ليس كائنًا يعيش في الحاضر وحده، بل هو الكائن الوحيد الذي يسكن المستقبلفهو لا يكتفي بما هو قائم، بل يظل يتطلع إلى ما يمكن أن يكون.

ويختصر بلوخ هذه الفكرة في عبارته الشهيرة– «إن أهم ما في الإنسان ليس ما هو عليه، بل ما لم يصبح عليه بعد.

»بهذا المعنى، يصبح انتظار المخلّص تعبيرًا عن رفض الإنسان الاعتراف بأن الظلم هو النهاية، وأن الواقع القائم هو المصير الأخير.

إنه احتجاج أخلاقي ضد اليأس، وإيمان بأن التاريخ ما يزال يحمل إمكانات لم تتحقق بعدومن زاوية أخرى، يفسر عالم النفس السويسري كارل غوستاف يونغ تكرار صورة المنقذ عبر الثقافات المختلفة بوصفها أحد «النماذج الأصلية» الراسخة في اللاوعي الجمعي.

فعندما تتعرض المجتمعات للانهيار، أو يشعر الإنسان بأن العالم فقد نظامه الأخلاقي، تستدعي النفس البشرية صورة البطل، أو الحكيم، أو الملك العادل، بوصفها رمزًا لاستعادة التوازن والمعنىوهنا لا يكون المخلّص مجرد شخصية دينية، بل يصبح رمزًا إنسانيًا يعكس حاجة الإنسان إلى الأمل، وإلى الاعتقاد بأن الفوضى ليست قدرًا أبديًاوعندما نتأمل الأديان الكبرى، نجد أن فكرة الخلاص تتكرر في بنية متقاربة.

يبدأ المشهد بعالم مضطرب، يعمه الظلم والانقسام، ثم يظهر وعد بالخلاص، تعقبه شخصية استثنائية، لينتهي السرد بانتصار الخير وولادة عصر جديدوقد رأى مؤرخ الأديان ميرتشا إلياده أن الإنسان الديني لا يعيش الزمن بوصفه سلسلة عشوائية من الأحداث، بل يراه رحلة تتجه نحو استعادة النظام الأول، حيث يلتقي التاريخ بالمعنى، والوجود بالغايةلكن هذه الأفكار لم تكن يومًا معزولة عن التاريخ.

ففي اليهودية، تطور مفهوم المشيح من ملك ممسوح بالزيت يقود شعبه إلى رمز للخلاص في زمن الشتاتوفي المسيحية، تحول انتظار المسيح من حدث أول إلى انتظار للمجيء الثاني، وهو ما أسهم في بناء تصور للتاريخ بوصفه مسارًا يتجه نحو اكتمال نهائيأما في الإسلام، فقد تشكلت صورة المهدي من خلال تفاعل الروايات الحديثية مع علم الكلام، والتجربة الصوفية، والتحولات السياسية التي عرفها العالم الإسلاميولا يعني هذا أن هذه المعتقدات يمكن اختزالها في ظروفها التاريخية، فالإيمان بالنسبة إلى المؤمنين يقوم على أسس دينية وروحية مستقلةغير أن دراسة تاريخ الأفكار تكشف كيف تتفاعل المعتقدات مع الواقع، وكيف تعيد المجتمعات قراءة نصوصها في ضوء تحديات كل عصر.

ولعل المفارقة الكبرى أن الحداثة، التي بشّرت بانتصار العقل ونهاية الأساطير، لم تُنهِ فكرة المخلّص، بل أعادت إنتاجها في صور جديدة.

فالإنسان المعاصر لم يتوقف عن انتظار الخلاص، لكنه لم يعد يحصره دائمًا في المجال الدينيفأحيانًا يعلقه على زعيم سياسي، وأحيانًا على ثورة اجتماعية، وأحيانًا على التكنولوجيا، أو الذكاء الاصطناعي، أو الاقتصاد، وكأن البشرية لا تزال تبحث، بأشكال مختلفة، عن القوة التي ستنهي معاناتها دفعة واحدةولهذا رأى الفيلسوف الألماني كارل لوفيت أن كثيرًا من النظريات السياسية الحديثة احتفظت بالبنية الأخروية نفسها التي عرفتها الأديان، لكنها استبدلت الوعد الإلهي بمشروع إنساني، واستبدلت الخلاص السماوي بالخلاص الأرضيوهنا يصبح من الضروري التمييز بين مستويين مختلفين لا ينبغي الخلط بينهما.

الأول هو مستوى الإيمان، الذي يرى في المهدي، أو المشيح، أو المجيء الثاني، حقيقة دينية تستند إلى نصوصها ومصادرها الخاصةأما الثاني فهو مستوى البحث العلمي، الذي لا يملك أن يثبت الغيب أو ينفيه، وإنما يدرس كيف تشكلت الأفكار، وكيف أثرت في التاريخ، وما الدور الذي لعبته في تشكيل الوعي الإنسانيإن البحث العلمي لا ينافس الإيمان، كما أن الإيمان لا يُختبر بأدوات المختبر أو بمنهج المؤرخ.

لكل منهما مجاله، ولكل منهما أسئلتهوربما لهذا السبب لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو— هل سيأتي المخلّص؟بل سؤال آخر أكثر التصاقًا بحياتنا اليومية —لماذا يحتاج الإنسان دائمًا إلى فكرة المخلّص؟ربما لأن الإنسان، في أعماقه، يرفض أن يمنح الشر الكلمة الأخيرةوربما لأن العدالة ليست مجرد نظام قانوني، بل حاجة وجودية تسكن الضمير البشريوربما لأن المجتمعات، كلما ازدادت أزماتها، ازدادت حاجتها إلى الأمللكن يبقى السؤال الأخلاقي الذي لا يستطيع أحد أن يجيب عنه نيابة عنا -هل انتظار المخلّص يعفينا من مسؤولية إصلاح العالم، أم يدفعنا إلى أن نكون جزءًا من هذا الإصلاح؟إن القيمة الكبرى لفكرة المهدي، بوصفها إحدى صور المخلّص في التراث الإنساني، قد لا تكمن فقط في الوعد الذي تمنحه للمستقبل، بل في قدرتها على مساءلة الحاضرفهي تذكر الإنسان بأن العدالة ليست حلمًا مستحيلًا، لكنها في الوقت نفسه لا تُبنى بالانتظار وحده، بل بالفعل، وبالمسؤولية، وبالضمير الحيوربما لهذا السبب ظل حلم المخلّص حيًا في ذاكرة الإنسانية؛ لأنه ليس مجرد انتظار لشخص، بل تعبير عن إيمان عميق بأن الخير، مهما طال غيابه، قادر على أن يجد طريقه إلى التاريخوهكذا، يبقى المهدي عند المؤمنين عقيدة دينية لها مكانتها في منظومتهم الإيمانية، ويبقى عند الباحثين ظاهرة فكرية وثقافية تستحق الدراسة.

أما على المستوى الإنساني الأشمل، فإنه يظل رمزًا لسؤال لن يفقد راهنيته ما دام الإنسان يواجه الظلم ويبحث عن العدل – كيف نصنع المستقبل الذي ننتظره، بدل أن نكتفي بانتظاره؟

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك