قناة التليفزيون العربي - هل من خطة متاحة لإخراج غزة من واقع مرير بين حرب الإبادة ووقف إطلاق نار لا يحصل؟| حوارات العربي روسيا اليوم - ترامب يؤكد.. إيران وافقت على مطالبنا العربي الجديد - ماكرون يعلن عودة حاملة الطائرات "شارل ديغول" من المنطقة إلى فرنسا الجزيرة نت - ستوكهولم.. ناشطون يؤازرون الطبيب حسام أبو صفية قناة الجزيرة مباشر - Could ASEAN Become Russia’s New Economic Gateway? الجزيرة نت - هل الشر قابل للقياس؟.. 7 أسباب وراء صناعة "المجرمين" العربي الجديد - المركزي الروسي يقلل من بيانات التضخم الأسبوعية رغم ارتفاع الوقود التلفزيون العربي - ندوب الحرب في لبنان.. ارتفاع مبيعات مضادات الاكتئاب بنسبة 300% قناة التليفزيون العربي - تحذيرات أممية من تعرض المدنيين بالأبيض لظروف قاسية وسط ارتفاع وتيرة اعتداءات وهجمات الدعم السريع وكالة الأناضول - الأناضول تختتم مشروع "العدسة الخضراء" لتأهيل إعلاميين في صحافة المناخ
عامة

من هو العدو؟ كيف نمنع إعادة إنتاج الاستبداد؟

سودانايل الإلكترونية

هذا المقال استكمال للمقال السابق الموسوم “من هو العدو؟ الإخوان المسلمون والمشروع الاستبدادي… كيف يُهزم وكيف يُبنى السودان”، والذي سعيت فيه إلى الإجابة عن سؤالين جوهريين: من هو الخصم الحقيقي الذي يهدد ...

هذا المقال استكمال للمقال السابق الموسوم “من هو العدو؟ الإخوان المسلمون والمشروع الاستبدادي… كيف يُهزم وكيف يُبنى السودان”، والذي سعيت فيه إلى الإجابة عن سؤالين جوهريين: من هو الخصم الحقيقي الذي يهدد مستقبل السودان؟ وكيف يمكن هزيمة مشروعه السياسي؟ وانتهيت إلى أن مواجهة المشروع الاستبدادي تبدأ بتحديد العدو الحقيقي، ثم بتجريده من أدوات العنف وكسر بندقيته، وتفكيك شبكات التمكين السياسي والاقتصادي التي مكّنته من السيطرة على الدولة لعقود.

غير أن هذه المعالجة، على أهميتها، تظل ناقصة إذا اقتصرت على الجانب المادي وحده.

فالتنظيمات العقائدية لا تستمد قوتها من السلاح والمال والتنظيم فحسب، وإنما من منظومة فكرية قادرة على إعادة إنتاج نفسها كلما تهيأت لها الظروف.

ومن هنا يطرح هذا المقال سؤالاً جديداً: هل يكفي كسر البندقية وتجفيف منابع التمويل حتى نطمئن إلى أن المشروع قد انتهى؟ أم أن هناك معركة أخرى، أكثر عمقاً وأطول نفساً، تدور في ميدان الوعي والثقافة والتعليم والتنوير، وهي المعركة التي ستحدد ما إذا كان السودان سيمنع إعادة إنتاج الاستبداد، أم سيظل يدور في الحلقة نفسها جيلاً بعد جيل؟إذا كان المقال السابق قد انشغل بتشخيص العدو ورسم الاستراتيجية المناسبة لهزيمته، فإن هذا الجزء ينشغل بالسؤال الأهم: كيف نمنع إعادة إنتاجه؟ وهي قضية لا تحتمل الشعارات بقدر ما تحتاج إلى رؤية فكرية هادئة، تنطلق من أن بناء الوعي والتنوير هو الضمان الحقيقي لعدم عودة الاستبداد، مهما تغيرت أسماؤه أو وجوهه.

إن خصوصية تجربة حكم الإخوان المسلمين في السودان تستدعي قراءتها في سياقها السوداني الخاص، لا الاكتفاء بإسقاط نماذج تاريخية أجنبية عليها.

فقد جمعت هذه التجربة بين الاستبداد السياسي، والتمكين الاقتصادي، والتعبئة الأيديولوجية، وتوظيف الخطاب الديني لإضفاء المشروعية على السلطة، وهو ما منحها قدرة على الاستمرار والتأثير تختلف عن كثير من التجارب الاستبدادية الأخرى.

فمشكلتنا ليست مجرد مواجهة تنظيم سياسي يمتلك السلاح، وإنما مواجهة منظومة فكرية ترى مشروعها جزءًا من تكليف ديني، وتجعل التراجع عنه، في نظر أتباعها، تخلياً عن واجب شرعي قبل أن يكون هزيمة سياسية.

ومن هنا يمكن فهم شراسة المواجهة، والاستعداد لتحمل كلفة بشرية ووطنية باهظة في سبيل استعادة السلطة.

إن أخطر ما في المشروع الإسلاموي ليس امتلاكه للسلاح أو المال أو التنظيم، وإنما امتلاكه خطابًا يخلط بين السياسة والعقيدة، فيحوّل الصراع السياسي إلى معركة مقدسة، ويمنح أتباعه شعورًا بأنهم يدافعون عن الدين لا عن سلطة دنيوية.

ولذلك تصبح المواجهة الفكرية ضرورة لا تقل أهمية عن المواجهة الأمنية والقانونية.

لقد أثبتت التجارب أن التنظيمات العقائدية لا تُهزم نهائياً بمجرد خسارتها للسلطة أو للسلاح.

فقد تخسر الدولة وتحتفظ بالفكرة، وتُهزم في الميدان لكنها تعود عبر المدرسة، أو المسجد، أو المنبر، أو وسائل الإعلام، أو الفضاء الإلكتروني.

وما دام الفكر الذي أنتج الأزمة قائماً، فإن احتمال إعادة إنتاجها سيظل قائماً أيضاً.

لقد راهنت الحركة الإسلامية في السودان، خلال السنوات الأخيرة، بكل ما تملك لاستعادة السلطة، ولم يكن ثمن ذلك، في نظرها، باهظاً مهما بلغت كلفته.

ملايين النازحين، ومئات الآلاف من الضحايا، وانهيار مؤسسات الدولة، وتمزيق النسيج الاجتماعي، وحتى احتمال تقسيم السودان، كلها أثمان بدت مقبولة في سبيل استعادة المشروع الذي فقدته.

والاعتقاد بأن إصرار الحركة الإسلامية على استعادة السلطة سببه فقط فقدان النفوذ أو المال أو شبكات المصالح، هو تبسيط مخلّ بالواقع.

فالكثير من أتباعها لا ينظرون إلى الأمر باعتباره صراعاً سياسياً على الحكم، بل يرونه قضية عقائدية ورسالة دينية.

صراع بين الخير المطلق (الإسلام والمقدس) والشر المطلق (العلمانية والصهيونية والصليبية)، ولذلك فهم مستعدون لتحمل التضحيات، بل وحتى الموت، لأنهم يؤمنون بأنهم يدافعون عن الدين، وأن ما يقدمونه من تضحيات سيقابل بالثواب في الآخرة.

وهذا ما يفسر جانباً من صلابة هذا المشروع واستعداده لخوض معارك طويلة مهما بلغت كلفتها على الوطن وأبنائه.

ولهذا لم تعد القضية مجرد صراع على السلطة، بل أصبحت صراعاً حول مستقبل الدولة السودانية نفسها: هل تقوم على المواطنة وسيادة القانون والتداول السلمي للسلطة، أم تعود إلى دولة الاحتكار والإقصاء، وتوظيف الدين في السياسة؟ومع ذلك، ينبغي ألا تتحول هذه المواجهة إلى خصومة وإقصاء لكل من انتمى يوماً إلى هذا التيار أو تعاطف معه.

فالمعركة ليست مع الأفراد بسبب هوياتهم، وإنما مع المشروع الذي يبرر الاستبداد والعنف والفساد، ومع كل ممارسة تهدد الدولة المدنية وحقوق المواطنين.

أما من يراجع أفكاره، ويلتزم بالدستور والقانون، ويقبل بالتنافس السلمي، فمكانه الطبيعي هو ساحة العمل السياسي، لا دائرة الإقصاء الدائم.

ولا شك أن الإجراءات الأمنية والقانونية تظل ضرورية لمحاسبة كل من تورط في الجرائم والانتهاكات، وتجفيف مصادر التمويل غير المشروع، ومنع عودة أدوات الدولة الموازية.

غير أن ذلك كله، على ضرورته، لا يكفي وحده.

فالمعركة الفكرية لا تقل أهمية عن المعركة الأمنية، بل ربما كانت أكثر حسماً على المدى البعيد.

إن السودان بحاجة إلى مشروع وطني شامل للتنوير، يعيد الاعتبار للعقل النقدي، ويغرس قيم المواطنة، ويصحح المفاهيم التي استُخدمت لتبرير الاستبداد والعنف، ويؤكد أن الدين قيمة روحية وأخلاقية سامية، لا وسيلة لاحتكار السلطة، أو تكفير الخصوم، أو مصادرة حق المجتمع في الاختلاف.

فالمدرسة، والجامعة، ووسائل الإعلام، والمراكز البحثية، والكتاب، والمثقفون، والفنانون، جميعهم يقفون في الصف الأول من هذه المعركة.

فالأفكار لا تُهزم إلا بأفكار أكثر قوة وإقناعاً، ولا ينتصر على خطاب الكراهية إلا خطاب المعرفة، والحرية، والعدالة.

إن السرطان لا يُعالج بمسكنات الألم، ولا يكفي استئصال الورم الظاهر إذا بقيت الخلايا المسببة للمرض كامنة في الجسد.

وكذلك الفكر المتطرف؛ فإذا لم تُقتلع جذوره الثقافية والفكرية، فإنه سيجد دائماً فرصة جديدة للعودة، وإن حمل أسماءً وشعارات مختلفة.

ولهذا فإن بناء السودان الجديد لا يبدأ فقط بإسكات صوت البنادق، وإنما يبدأ أيضاً بتحرير العقول من ثقافة الاستبداد، وترسيخ دولة القانون، وإطلاق مشروع تنويري يعيد للإنسان السوداني ثقته في قيم الحرية والعقل والتعددية.

إن النصر الحقيقي لا يتحقق عندما يسقط خصم في ساحة المعركة، وإنما عندما تصبح البيئة التي أنتجته عاجزة عن إنتاج نسخة جديدة منه.

فهزيمة التنظيم قد تتحقق بالقوة والقانون، أما هزيمة الفكرة فلا تتحقق إلا بالمعرفة، وبالوعي، وببناء دولة عادلة تجعل الاستبداد خياراً مستحيلاً، لا مجرد تجربة عابرة انتهت لتبدأ من جديد.

إذا كانت المواجهة الأمنية تحمي الدولة من العنف، فإن المواجهة الفكرية تحمي المجتمع من إعادة إنتاجه.

ولهذا فإن معركة التنوير لا يجوز أن تُترك لاجتهادات فردية متفرقة، مهما بلغ إخلاص أصحابها أو شجاعتهم، بل يجب أن تتحول إلى مشروع وطني ومؤسسي تتبناه الدولة الديمقراطية والقوى المدنية ومؤسسات المجتمع.

لقد أثبت التاريخ أن الأفكار لا تموت بموت أصحابها، كما أن أصحاب الأفكار كثيراً ما يدفعون أثماناً باهظة دفاعاً عنها.

فقد اغتيل المفكر المصري فرج فودة لأنه واجه خطاب التطرف بالفكر والحجة، واغتيل المفكر اللبناني مهدي عامل لأنه دافع عن مشروع التنوير والعقلانية، وأعدم الأستاذ محمود محمد طه بسبب أفكاره التنويرية، وتضم ذاكرة العالم العربي أسماءً كثيرة دفعت حياتها أو حريتها ثمناً للكلمة الحرة.

ولهذا فإن الاعتماد على المبادرات الفردية وحدها لا يكفي، بل قد يكون ظلماً لأصحابها.

فالمفكر أو الباحث أو الكاتب المستقل، مهما امتلك من شجاعة وإخلاص، يظل أعزل في مواجهة تنظيمات تمتلك المال والإعلام والتنظيم، وقد يكون عرضة للاغتيال، أو التهديد، أو إسكات صوته، أو عزله اجتماعياً ومهنياً.

وحتى إذا نجا من ذلك، فإن كثيراً من أصحاب الفكر لا يجدون من يدعمهم في طباعة كتبهم، أو نشر أبحاثهم، أو إيصال أفكارهم إلى المجتمع، فتظل جهودهم محدودة الأثر، وتنطفئ في كثير من الأحيان برحيل أصحابها.

أما العمل المؤسسي فيصنع الفارق؛ فهو يوفر الحماية السياسية والقانونية لحملة التنوير، ويؤمن لهم منصات للنشر والإنتاج، ويحول الأفكار من اجتهادات فردية معزولة إلى مشروع مجتمعي متراكم.

فالأفراد يرحلون، أما المؤسسات فتبقى، وتحفظ المعرفة، وتطورها، وتنقلها من جيل إلى جيل، وتُخرّج أجيالًا جديدة تحمل مشعل التنوير وتواصل المسيرة.

إن معركة التنوير تحتاج إلى بنية مؤسسية متكاملة، تبدأ بإصلاح المناهج التعليمية لترسيخ التفكير النقدي وقيم المواطنة، وتمر بتجديد الخطاب الديني على أساس احترام العقل وحقوق الإنسان، وتصل إلى إعلام مهني يواجه التضليل وخطاب الكراهية، ومراكز بحث ودراسات ترصد خطاب التطرف وتفككه علمياً، ومنابر ثقافية وفنية تعيد الاعتبار لقيم الجمال والتسامح والتعددية.

كما تحتاج إلى غطاء سياسي وقانوني ومادي يحمي الباحثين والكتاب والصحفيين والمثقفين من التهديدات والعنف، ويضمن لهم حرية التفكير والتعبير، لأن التنوير لا يزدهر في مناخ الخوف، بل في ظل دولة تحمي حرية الكلمة وسيادة القانون.

إن معركتنا مع الاستبداد ليست معركة بندقية فحسب، بل معركة كتاب، ومدرسة، وجامعة، ومسرح، وصحيفة، ومركز أبحاث، ومنصة إعلامية.

إنها معركة طويلة، وقد تكون نتائجها أبطأ من نتائج المواجهة العسكرية، لكنها أكثر رسوخاً وأبعد أثراً.

فالبندقية قد تهزم جيشاً، لكنها لا تهزم فكرة، أما المعرفة فهي وحدها القادرة على أن تجعل المجتمع نفسه يرفض الاستبداد، فلا يجد من جديد أرضاً ينبت فيها أو عقولاً يستوطنها.

لقد خسر السودان في هذه الحرب آلاف الأرواح ومليارات الدولارات، لكن الخسارة الأكبر ستكون إذا انتهت الحرب دون أن نتعلم أسبابها العميقة.

فإعادة إعمار المدن ممكنة، أما إعادة إعمار العقول فلا تتحقق إلا بمشروع تنويري طويل النفس.

وإذا أردنا أن تكون هذه الحرب آخر حروب السودان، فعلينا ألا نكتفي بإعادة بناء الجسور والطرق والمباني، بل أن نعيد بناء الإنسان السوداني نفسه، لأن الأوطان لا يحميها السلاح وحده، وإنما يحميها وعي مواطنيها.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك