شيخي رجل طاعن في السن، لكنه خبرَ الناس، وعَلِمَ تقلبات الزمان، وله في الحكمةِ باع طويل، وأنا أزوره بين الفينة والأخرى لأتزوّدَ من حكمته.
هو اليوم معتكف في خلوته يتعبد بالتفكر، ويرى أن تلك العبادة أهملها كثيرٌ من الخلق.
وهنا أوردُ بعضاً مما دار في مجالسه.
سألتُ شيخي: بِمَ تُقاس المسافات بين الناس؟ضحك وقال: لا أظنك تقصد المسافات الحقيقية التي تُقاس بالأمتار.
ثم كسا وجهه الوقار وقال: إنَّ القُرب والبُعد لا يُقاس بالأمتار، بل بمدى الاهتمام.
قال: مدى اهتمام الآخر بك؛ فرب صديق يبعد عنك مئات الكيلومترات يهتم بأمرك ويسأل عنك أكثر من أخيك من أبيك وأمك.
فأيهما سيكون أقرب إلى قلبك؟قلتُ: صديقي الذي يسأل عني طبعاً.
قال: وهذا ما يجري في زماننا المعاصر للأسف.
يا بُني، نحن في زمنٍ تمزّقت الصِلات بين الأقارب، فصاروا أباعدَ ولو تلاصقت جدران بيوتهم.
نحن في زمنٍ تمزّقت الصِلات بين الأقارب، فصاروا أباعدَ ولو تلاصقت جدران بيوتهمقلتُ لشيخي: ما تقول في حظر الأفكار؟قال: ما أعتقده أنّ من الخطأ حظر أي فكر، حتى ولو كان متطرفاً.
قال: لأنّ الحظر سيخلق نوعاً من التعاطف مع هذا الفكر، مما قد يجلب له معتنقين.
وكذلك سيكون هذا الحظرُ أحسنَ دعاية نقدّمها لهذا الفكر.
ورب فكر لا قيمة له، جعل منه الحظر فكراً رائجاً ذا سوق.
قلتُ: إذن، كيف نتعامل مع هذا الفكر؟قال: الفكر لا يُجابه بغير الفكر؛ لذا فمناقشة هذا الفكر هي السبيل الأفضل لتمحيصه وبيان ما له وما عليه.
ولنتذكّر شيئاً مهماً؛ إنَّ الفكر لا يموت، ربما قد يبلى زمناً، لكنه لا يتلاشى من الأذهان، بل يبدّلُ صورَه عبر العصور، ولو بمسميات أخرى.
الفكر لا يُجابه بغير الفكر؛ لذا فمناقشة هذا الفكر هي السبيل الأفضل لتمحيصه وبيان ما له وما عليهاِعلم أنَّك ستموت ذات يوم، لذا يجب عليك أن تعيش كالأحياء، حتى إذا ما جاء الموت يكون له طعم مميز، لأنَّ الذين لا يعيشون في حياتهم بالمعنى الحقيقي للحياة لا يكون لمماتهم أي طعم، لأنَّهم ميتون أصلاً، فهل يموت الميتون؟ !ممّا أدركتُ من أقوال شيخي الحكيم:" الأمة بحسها الحقيقي قادرة على أن تفرّق بين المثقف الحقيقي والمثقف المزيف، ببساطة، المثقف الحقيقي مَنْ يقف مع هوية الأمة وقضاياها المصيرية من دون أي متاجرة بتلك القضايا، والمثقف المزيف ينكشف عند أول غارة على هذه الأمة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك