ما إن نغلق باب المصعد حتى يتغير سلوكنا قليلًا.
تتراجع الأحاديث، تنخفض الأصوات، تتجه العيون نحو أرقام الطوابق، ويصبح الهاتف فجأة أكثر إثارة للاهتمام مما كان عليه قبل ثوانٍ.
وقد يقف داخل المصعد أشخاص يعملون في المبنى نفسه، أو يسكنون في الطبقات المتجاورة، أو يتقابلون كل صباح تقريبًا.
ومع ذلك، يتصرف كثيرون كأن الكلام يحتاج إلى سبب واضح، وكأن الصمت هو الوضع الطبيعي الذي لا يتطلب تفسيرًا.
والمصعد ليس مكانًا صامتًا بطبيعته.
إنه صندوق تتحرك داخله المحركات، وتصدر الأزرار أصواتًا، وتعلن الأجهزة الوصول إلى الطوابق.
الصمت المقصود هنا هو صمت البشر؛ ذلك الاتفاق غير المكتوب الذي يجعل مجموعة من الغرباء تقف متقاربة جدًا، من دون أن تتحول هذه المسافة القصيرة إلى تواصل حقيقي.
فكيف أصبح المصعد واحدًا من أكثر الأماكن اليومية إحراجًا للكلام؟في الشارع أو المقهى، نستطيع عادة اختيار المسافة التي تفصلنا عن الآخرين.
نبتعد قليلًا، نغير المقعد، نسرّع خطواتنا أو نبطئها.
داخل المصعد، تختفي معظم هذه الخيارات.
ويدخل الركاب إلى مساحة محدودة، ثم يعيدون توزيع أنفسهم فيها بسرعة.
يقف الشخص الأول في زاوية، ويتجه التالي غالبًا إلى الزاوية المقابلة، قبل أن يبدأ القادمون في ملء الفراغات المتبقية.
لا يناقش أحد هذه الخطة، ومع ذلك يفهمها الجميع تقريبًا.
وتدرس" المسافات الاجتماعية" الطريقة التي نستخدم بها المكان أثناء التواصل.
وتشير الكتابات في هذا المجال إلى أن المسافة التي نتركها بيننا وبين الآخرين ليست عشوائية، وأن دخول شخص غريب إلى نطاقنا الشخصي قد يولّد انزعاجًا حتى لو كان الاقتراب مؤقتًا وضروريًا، كما يحدث في المصاعد المزدحمة.
لهذا يحمل المصعد مفارقة صغيرة: نحن أقرب جسديًا إلى الغرباء من المعتاد، لكننا نحاول أن نظل أبعد اجتماعيًا.
وحين تعجز الأجساد عن صناعة المسافة، تتولى النظرات والصمت هذه المهمة.
وعند دخول شخص جديد، قد نرفع أعيننا نحوه للحظة، ثم نعيدها إلى الباب أو الشاشة أو الأرض.
هذه الحركة البسيطة ليست مصادفة تمامًا.
إنها تعترف بوجود الآخر من دون أن تفتح بابًا واضحًا للتواصل.
ويسمّي علماء الاجتماع هذا السلوك أحيانًا" التجاهل المهذب": نلاحظ الشخص بما يكفي كي لا يبدو أننا ننكر وجوده، ثم نسحب انتباهنا كي نؤكد أننا لا نتطفل عليه.
وفي دراسة ميدانية أُجريت داخل المصاعد، منح نحو نصف الركاب الشخص الآخر نظرة قصيرة في بداية الرحلة، ثم امتنعوا عن مواصلة التواصل البصري.
كما وجد الباحثون أن النظرة العابرة ثم الانسحاب كانت أكثر قبولًا من التحديق المستمر أو من تجنب الاعتراف بالآخر تمامًا.
والنظرة القصيرة تقول ضمنيًا: " رأيتك".
أما تحويل العين بعدها فيضيف: " لن أتدخل في مساحتك".
هكذا تتحول حركة لا تستغرق أكثر من ثانية إلى تحية صامتة كاملة.
لماذا ننظر إلى أرقام الطوابق؟ولوحة الأرقام في المصعد لا تخبرنا فقط بمكاننا.
إنها تمنح الجميع شيئًا آمنًا ينظرون إليه.
نراقب انتقال الرقم من الرابع إلى الخامس، حتى عندما نعرف أن رحلتنا ستنتهي في الطابق العاشر، وننظر إلى الباب المغلق كأن حدثًا مهمًا سيقع عليه.
وقد نراجع إشعارًا قديمًا في الهاتف، أو نعيد ترتيب حقيبة لا تحتاج إلى ترتيب.
وتوفر هذه الأشياء نقاطًا محايدة للانتباه.
فهي تساعدنا على تجنب نظرات طويلة نحو الوجوه، وتمنح أجسادنا وضعًا مفهومًا: نحن لا نتجاهل الركاب عمدًا، نحن فقط" مشغولون" بمتابعة الرحلة.
ولاحظت دراسات اجتماعية للمصاعد أن شاشة الطوابق تتحول إلى مركز مشترك للنظر، وأن الركاب يبدون اهتمامًا مبالغًا فيه أحيانًا بموقع المصعد وموعد وصوله.
بهذا يصبح التركيز على الرقم طريقة لإظهار أن الخروج في الوقت المناسب هو الأولوية، لا مراقبة الأشخاص الواقفين حولنا.
وأضاف الهاتف ملاذًا أكثر راحة إلى هذا المشهد.
لم نعد مضطرين إلى التحديق في السقف أو قراءة تعليمات السلامة كل مرة.
تكفي شاشة صغيرة كي نصنع حول أنفسنا ستارة مؤقتة.
وفي الأماكن المفتوحة، يمكن أن نتحدث مع شخص بينما تتبدد كلماتنا في الضجيج والمسافة.
داخل المصعد، لا توجد مسافة كافية كي يبقى الحديث خاصًا.
تصل الجملة إلى الجميع، حتى لو لم تكن موجهة إليهم.
يسمع الركاب تفاصيل المكالمة، أو حديث الزميلين عن العمل، أو النقاش العائلي الذي بدأ قبل إغلاق الباب.
ولا يستطيع المستمعون المغادرة أو تغيير أماكنهم بسهولة.
لهذا يبدو الحديث بصوت مرتفع أكثر وضوحًا داخل المصعد، وقد نشعر بأن مكالمة عادية تحولت فجأة إلى إعلان عام.
تشير دراسة اجتماعية إلى أن العين تستطيع الانسحاب من التفاعل بالنظر بعيدًا، بينما لا تملك الأذن خيارًا مماثلًا؛ فاستمرار محادثة داخل المساحة الضيقة يحوّل بقية الركاب إلى مستمعين من دون اختيارهم.
من هنا تنخفض الأصوات، وتصبح الجمل أقصر، ويقول المتحدث عبر الهاتف: " سأتصل بك بعد قليل".
ليست المشكلة دائمًا في سرية الكلام، وإنما في الشعور بأن الحديث استولى على مساحة يشترك فيها الآخرون.
حديث الطقس والأسئلة الصغيرةولا يعني ذلك أن المصاعد خالية تمامًا من الكلام.
في المباني السكنية أو أماكن العمل، قد تكسر التحية الصمت، وقد نسأل شخصًا عن الطابق الذي يريده، أو نعلّق على الحر، أو تأخر المصعد، أو ازدحام الصباح.
وتنجح هذه الأحاديث لأنها قصيرة ولا تطلب التزامًا طويلًا.
يستطيع الطرفان إنهاءها فور فتح الباب من دون أن يبدو الأمر مفاجئًا.
فالمصعد يمنح الحوار مدة محددة سلفًا، ويمنح الجميع مخرجًا طبيعيًا.
لهذا يكثر فيه الحديث عن أشياء محايدة: الطقس، انقطاع الكهرباء، بطء المصعد، أو ازدحام المبنى.
لا نختار هذه الموضوعات لأنها الأهم، وإنما لأنها تناسب مكانًا يجمع الناس لدقائق من دون أن يمنحهم علاقة واضحة.
وقد تصبح الرحلة أكثر راحة حين يوجد شخص اجتماعي يبدأ الحديث، لكنها قد تصبح أكثر إحراجًا أيضًا إذا طرح سؤالًا شخصيًا لا يكفي الوقت للإجابة عنه.
فباب المصعد قد يفتح في منتصف القصة، ويغادر السائل بينما تبقى الإجابة معلقة بين الطوابق.
يمكن أن يبدو صمت المصعد دليلًا على أن الناس أصبحوا أقل اجتماعية، لكن هذا التفسير لا يشرح المشهد كاملًا.
في أحيان كثيرة، يكون الصمت نوعًا من التعاون.
وكل شخص يساعد الآخرين على الاحتفاظ بشيء من الخصوصية داخل مكان لا يسمح بخصوصية جسدية كبيرة.
لا نطيل النظر، ولا نطالب الغرباء بالحديث، ولا نتعامل مع القرب المؤقت كأنه دعوة إلى التعارف.
ويرى باحثون درسوا سلوك ركاب المصاعد أن الشعور بأن" لا شيء يحدث" يحتاج في الواقع إلى عمل جماعي دقيق.
فالركاب يختارون أماكنهم، ويضبطون نظراتهم وأصواتهم، ويتجنبون الإشارات التي قد تجعل الموقف أكثر توترًا.
وعندما يفتح الباب، ينتهي هذا الاتفاق بسرعة.
يعود كل شخص إلى مساره، تُستأنف الأحاديث، ترتفع العيون عن الهواتف، وتتسع المسافات من جديد.
يكشف المصعد بذلك أن الحياة الاجتماعية لا تُبنى بالكلام وحده.
أحيانًا، نحافظ على راحة الآخرين عبر ما نمتنع عن قوله، والطريقة التي ننظر بها بعيدًا، والمسافة الرمزية التي نصنعها حين لا تتوافر أي مسافة حقيقية.
وصمت المصعد ليس فراغًا بين طابقين.
إنه ترتيب اجتماعي صغير يتيح للغرباء أن يكونوا قريبين جدًا، من دون أن يضطروا إلى أن يصبحوا معارف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك