عمان - لا ترتبط قراءة مشهد التطور الأبرز إزاء المخالفات المالية في السنوات الأخيرة فقط بتغير أشكالها، وإنما بانتقالها من مخالفات إجرائية واضحة إلى ممارسات أكثر ارتباطا بالحوكمة وإدارة المخاطر والتحول الرقمي وكفاءة الإنفاق العام.
اضافة اعلانوهو تحول، وفق ما يراه خبراء في القانون الدستوري والإداري في تصريحات لـ" الغد"، يفرض على المؤسسات الحكومية تطوير أنظمة الرقابة الداخلية، ورفع قدرات الكوادر المالية والفنية، وتعزيز ثقافة الامتثال والشفافية، بما يواكب التغيرات المتسارعة في طبيعة الإدارة العامة ويحافظ على المال العام.
ويؤكد الخبراء أن التحولات التي شهدتها الإدارة العامة في السنوات الأخيرة، تعكس تغيرا في طبيعة المخالفات المالية داخل المؤسسات الحكومية، إذ انتقلت من أنماط تقليدية كانت ترتبط غالبا بالأخطاء الإجرائية والمحاسبية إلى ممارسات أكثر تعقيدا تتصل بآليات اتخاذ القرار وإدارة الموارد العامة والحوكمة.
ويشيرون إلى أن المخالفة المالية، لم تعد تقاس فقط بوجود تجاوز للإجراءات أو مخالفة للنصوص، وإنما أصبحت ترتبط أيضا بمدى كفاءة إدارة المال العام، وتحقيق أهداف الإنفاق وضمان النزاهة والشفافية في العمل المؤسسي.
وبحسب مؤشراتهم، فإن التحول لم يقتصر على طبيعة المخالفات، وإنما امتد إلى أساليب اكتشافها، إذ أسهم تطور أدوات التدقيق والرقابة في الكشف عن ممارسات، لم تكن تظهر بوضوح عبر الوسائل التقليدية، لافتين إلى أهمية تعزيز الرقابة البرلمانية والإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في دور المساءلة المجتمعية، لتصبح الرقابة الشعبية عاملا مكملا للرقابة الرسمية في كشف بعض الممارسات التي قد لا تظهر بصورة واضحة في التقارير التقليدية.
وفي هذا السياق، يرى أستاذ القانون الدستوري بالجامعة الأردنية د.
ليث نصراوين، أن طبيعة المخالفات المالية في المؤسسات الحكومية شهدت في السنوات الأخيرة تحولا واضحا، إذ لم تعد تقتصر على المخالفات التقليدية المرتبطة بالصرف دون سند قانوني أو مخالفة الإجراءات المالية، وإنما أصبحت أكثر تعقيدا وارتباطا بآليات صنع القرار الإداري.
ويقول نصراوين، إن هذا التحول تجلى في بروز مخالفات تتعلق بتضارب المصالح واستغلال الوظيفة العامة، والتأثير في العطاءات والمشتريات الحكومية، وسوء إدارة العقود، والتحايل على الإجراءات القانونية، وهي ممارسات يصعب اكتشافها وإثباتها مقارنة بالمخالفات المالية التقليدية.
ويضيف أن هذا التطور، يعكس اتساع دور الإدارة العامة وتشابك العلاقة بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب التوسع في استخدام الوسائل التقنية بإدارة المال العام، وهو ما فرض أنماطا جديدة من المخالفات تتطلب أدوات رقابية وتشريعية أكثر تطورا وقدرة على التعامل معها.
ويشير أستاذ القانون الدستوري إلى أن منظومة الرقابة المالية والتشريعية، واكبت هذا التحول عبر الانتقال من نهج يركز على اكتشاف المخالفات بعد وقوعها إلى نهج وقائي يقوم على تعزيز الحوكمة والشفافية، وإدارة المخاطر والإفصاح عن تضارب المصالح، وتفعيل الرقابة المسبقة على القرارات المالية والإدارية.
ويلفت نصراوين إلى أن قرار مجلس الوزراء في البدء بإعداد مشروع نظام جديد لضبط العمل الوزاري، خطوة تشريعية مهمة تستجيب لهذا التحول في طبيعة المخالفات المالية، لأنه يضع إطارا قانونيا ينظم تضارب المصالح، ويعزز النزاهة والحياد والشفافية في ممارسة العمل الوزاري، بما يسهم في الحد من مسببات الانحراف قبل وقوعها، وترسيخ مساءلة المسؤولين عند ثبوت المخالفة.
تقييم تطور طبيعة المخالفاتمن جانبه، يؤكد وزير تطوير القطاع العام الأسبق ماهر المدادحة، ضرورة أن يستند تقييم تطور طبيعة المخالفات المالية في المؤسسات الحكومية، إلى دراسة تحليلية مبنية على بيانات تمتد لعدة سنوات، لأن الانطباعات العامة وحدها لا تكفي للحكم على وجود تحول جوهري في أنماط المخالفات أو اتجاهاتها.
ويقول المدادحة، إن المخالفات المالية، وفق ما تعكسه التجربة الرقابية، لم تشهد تغيرا كبيرا في طبيعتها، إذ ما تزال تتمحور في معظمها حول تجاوز التشريعات، أو سوء التصرف الإداري للموظف العام، مشيرا إلى أن تعدد مستويات الرقابة، سواء عبر وحدات الرقابة الداخلية في المؤسسات أو وحدات الرقابة بوزارة المالية، إضافة إلى ديوان المحاسبة وهيئة النزاهة ومكافحة الفساد، يسهم في رصد جانب كبير من هذه المخالفات والحد منها.
ويضيف المدادحة، أن فاعلية الرقابة البرلمانية عبر مجلس الأمة بغرفتيه، تسهم كذلك في تقليص حجم المخالفات، لكن أي تراجع في كفاءة الأجهزة الرقابية، قد يفسح المجال لظهور ممارسات أكثر تعقيدا، مثل سوء استغلال السلطة، وهي من المخالفات التي يصعب أحيانا رصدها وإثباتها عبر التقارير الرقابية التقليدية.
ويلفت إلى أن أبرز تطور شهدته السنوات الأخيرة، لا يتمثل بتغير طبيعة المخالفات بقدر ما يتمثل بتغير وسائل اكتشافها، إذ أصبحت وسائل الإعلام ومنصات التواصل، تؤدي دورا رقابيا متزايدا في كشف قضايا فساد مالي وإداري، وإثارتها أمام الرأي العام، في وقت قد لا تنعكس فيه هذه القضايا بالوضوح نفسه في التقارير الرقابية الرسمية.
ويؤكد وزير تطوير القطاع العام الأسبق، أن الرقابة الشعبية باتت تمثل أداة مكملة للرقابة المؤسسية، وأسهمت بتسليط الضوء على ممارسات كان من الصعب رصدها بالوسائل التقليدية، ما عزز من مستوى المساءلة المجتمعية إلى جانب الرقابة الرسمية.
الرقمنة والتعاملات الإلكترونيةوحول السياق ذاته، يؤكد أستاذ القانون الإداري بالجامعة الأردنية د.
محمد المعاقبة، أن طبيعة المخالفات المالية في المؤسسات الحكومية شهدت في السنوات الأخيرة تحولا نوعيا، إذ لم تعد تقتصر على الأخطاء المحاسبية، أو تجاوز بنود الموازنة أو ضعف الالتزام بالإجراءات المالية، وإنما أصبحت أكثر تعقيدا وتشابكا بفعل التحول الرقمي، وتوسع الخدمات الإلكترونية وتطور أساليب الإنفاق العام والتعاقدات الحكومية.
ويرى المعاقبة أن المخالفات التي كانت تتركز سابقا في الجوانب الإجرائية، كالصرف دون مستندات مكتملة أو تجاوز الصلاحيات المالية، أو مخالفة أحكام أنظمة المشتريات والتعليمات المالية، تطورت لتشمل قضايا ترتبط بإدارة الأنظمة الإلكترونية، وحوكمة البيانات، وإدارة العقود والمشاريع الكبرى، إلى جانب المخاطر المرتبطة بالتحول الرقمي والتعاملات الإلكترونية.
ويضيف أن التوسع في الشراكات مع القطاع الخاص، وتنفيذ المشاريع الرأسمالية المعقدة، أفرزا أنماطا جديدة من المخالفات ذات طابع فني وتقني، خصوصا ما يتعلق بإدارة العقود والتأخير بتنفيذ المشاريع وضعف الرقابة على أوامر التغيير والمطالبات المالية المترتبة عليها، وهو ما يفرض أعباء إضافية على الخزينة العامة، ويستدعي تطوير قدرات الجهات الرقابية وتأهيل كوادرها لمواكبة الأساليب الحديثة في الرقابة والتدقيق.
ويشير المعاقبة إلى دور تطور أدوات الرقابة والتدقيق في المساهمة بالكشف عن مخالفات لم تكن تظهر باستخدام الوسائل التقليدية، ما يعني أن ارتفاع بعض أنواع المخالفات لا يعكس بالضرورة زيادة في حجم التجاوزات، بقدر ما يعبر عن تحسن قدرة الأجهزة الرقابية على رصدها وتحليلها.
ويبين أستاذ القانون الإداري أن المرحلة الحالية تتطلب تعزيز منهجيات التدقيق القائمة على إدارة المخاطر والحوكمة والامتثال، بما يرفع من كفاءة الرقابة الوقائية ويحد من فرص وقوع المخالفات.
ويؤكد أن التطورات التي شهدتها منظومة الإدارة المالية والمشتريات الحكومية، إلى جانب تعزيز دور الأجهزة الرقابية ومتطلبات الشفافية والمساءلة، نقلت الرقابة من التركيز على سلامة الإنفاق إلى تقييم كفاءته وفاعليته وأثره.
وباتت المخالفة المالية، تقاس ليس فقط بمدى مخالفتها للنصوص القانونية، وإنما أيضا بمدى تأثيرها على حماية المال العام وتحقيق الأهداف المؤسسية، وهو ما يعكس التحول من مخالفات إجرائية تقليدية إلى مخالفات ترتبط بالحوكمة وإدارة المخاطر وكفاءة الإنفاق العام، وتفرض في المقابل تطوير أدوات الرقابة الداخلية ورفع كفاءة الكوادر المالية وتعزيز ثقافة الامتثال في المؤسسات الحكومية، وفق المعاقبة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك