أظهرت دراسة أميركية حديثة أن التكرار المستمر لمهمة معينة يدفع العقل البشري لإعادة برمجة شبكاته العصبية لتأديتها تلقائيًا، وهو ما يفسر قيادة السائق المتمرس لسيارته بسهولة ويسر، في حين يحتاج المبتدئ لتركيز كامل، موضحة أن هذه الآلية تساهم في تحرير الطاقة الذهنية للاضطلاع بمهام أخرى.
ويرى فريق بحثي من جامعة جورج تاون الأميركية أن هذه النتائج تثبت أن الإنسان في حقيقة الأمر يمكنه بالفعل أداء أكثر من مهمة في وقت واحد، بدلاً من مجرد تحويل انتباهه ببساطة من مهمة لأخرى، إذا ما اسندت إليه مجموعة من المهام المتزامنة، وهو الاعتقاد الذي ساد أوساط علم النفس لفترة طويلة.
ويعتقد العلماء أن هذه النظرية الجديدة ستكون لها تداعيات تتجاوز مجرد سلوكيات الحياة اليومية للبشر، حيث أن فهم الطريقة التي يعتمد عليها العقل البشري في التعامل مع المهارات القديمة التي اكتسبها بالفعل، والمهارات التي يسعى لتعلمها ربما يساهم في تطوير آليات تعليم أنظمة الذكاء الاصطناعي بحيث يمكنها التأقلم والتعامل مع المهارات الجديدة مثل البشر.
ويقول رئيس فريق الدراسة ماكسميلان رايزنهوبر، أستاذ علم الأعصاب في كلية الطب بجامعة جورج تاون الأميركية: «لقد توصلنا إلى نقطة انطلاق جديدة في تفسير طريقة عمل العقل البشري».
وأضاف في تصريحات لموقع «سايتيك ديلي» المتخصص في الأبحاث العلمية: «الأمر المشجع هو أن الإنسان يمكنه بالفعل تعلم أداء أكثر من مهمة في وقت واحد، وأن هذه المسألة تتوقف على إعادة برمجة الوصلات العصبية في العقل واستخدام أجزاء مختلفة من المخ في نفس التوقيت».
واستندت هذه الدراسة إلى سنوات طويلة من البحث العلمي بشان التغيرات الفسيولوجية التي تطرأ على المخ خلال عملية التعلم.
وكان الفريق البحثي بجامعة جورج تاون يسعى لمعرفة كيف تتحول مهارة معينة إلى عملية لية بحيث يقوم بها المخ دون وعي أو تركيز كبير، بعد أن يستمر في القيام بها لفترة طويلة وبشكل متكرر.
وأوضح الباحث رايزنهوبر أن سائق السيارة المتمرس يستطيع خوض مناقشة والاستماع إلى الموسيقى والتفكير في مسألة ما دون أن يؤثر ذلك على كفاءة القيادة على الطريق، ثم يطرح السؤال: «كيف يستطيع العقل البشري أن يفعل ذلك؟ ».
وخلال الدراسة، كان الباحثون يعرضون على المتطوعين في التجربة صورًا معدلة لسيارات بينها فروق طفيفة في الشكل عبر تطبيق إلكتروني على الهاتف، ويطلبون منهم التعرف على هذه الفروق.
وبعد تكرار التجربة أكثر من 30 ألف مرة على مدار فترة تتراوح ما بين خمسة وعشرة أسابيع، تبين عبر التصوير بالرنين المغناطيسي للمخ أن هذه المهارة الجديدة، التي تتعلق بالفرز والتصنيف ورصد الفروق، كانت تتم في البداية بواسطة قشرة الفص الجبهي للمخ، وهو الجزء المسؤول عن الوظائف التنفيذية والتفكير المتأني، علمًا بأن هذا الجزء من المخ لا يستطيع الاضطلاع بمهام كثيرة في نفس الوقت.
ولكن بعد تكرار التجربة مئات المرات، أصبحت هذه العملية تتم بواسطة جزء آخر من المخ، وهو القشرة الصدغية، علمًا بأن هذا الجزء هو المسؤول عن فك شفرات الذاكرة والتعرف على العناصر المركبة.
وقال الباحث باتكريك كوكس، أستاذ علم النفس بجامعة ليهاي وأحد المشاركين في التجربة: «الدراسات السابقة أثبتت بالفعل أن القشرة الصدغية هي المسؤولة عن رصد وتصنيف الأشياء لدى الأشخاص المتمرسين في أعمال المراقبة والمتابعة، ولكن نقطة القصور في التجارب السابقة أنها لم تكن تلتفت إلى الفترة التي يستغرقها كل شخص حتى يصبح خبيرًا في مهمة المراقبة وبالتالي يستطيع أداء هذه المهمة بدون تركيز أو وعي كبير».
وأضاف أن هذه الفترة الطويلة من التدريب المتكرر هي التي تجعل خبير الأشعة يستطيع التعرف على الورم الخبيث بمجرد النظر إلى صورة الأشعة دون الحاجة إلى التفكير بتروي أو خوض مشاورات علمية مطولة مع أقرانه.
ومن خلال هذه التجربة، توصل الباحث رايزنهوبر إلى أن تكرار ممارسة مهارة ما، مثل اكتشاف الفروق بين السيارات في التجربة على سبيل المثال، يحيل هذه المهمة إلى القشرة الصدغية في المخ مباشرة دون الحاجة للمرور على قشرة الفص الجبهي التي تكاد تشبه عنق الزجاجة بسبب قدرتها المحدودة على تنفيذ أكثر من مهمة في وقت واحد، وفي الوقت ذاته، فإن إحالة المهمة إلى القشرة الصدغية، يحرر قشرة الفص الجبهي من اجل تولي مهام أخرى تتطلب قدرًا أعلى من التركيز والوعي.
وقال إن التغير الذي يتم في شبكة الوصلات العصبية للمخ بحيث يتم تحويل المهام من جزء لآخر داخل العقل البشري يعكس بالفعل القدرة على أداء مهام متعددة في نفس الوقت وليس مجرد تحويل التركيز من مهمة لأخرى بشكل تراتبي.
ويرى أن هذه النتائج قد تساعد في فهم السلوكيات القهرية بشكل افضل وتفسير لماذا يعتبر التعلم عملية مستمرة، وكيف يستطيع الإنسان اكتساب مهارات جديدة اعتمادًا على الخبرات التي سبق له تعلمها.
ويعتقد الباحثون أن الخطوة التالية في هذا المبحث العلمي هي معرفة ليات انتقال عملية التعلم من جزء لآخر داخل المخ البشري، وفهم حدود القدرة على أداء المهام المتعددة، وتحديد نوعية المهام التي يمكن القيام بها بشكل متواز دون الإخلال بدرجة الإجادة أو الاتقان في تنفيذها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك