العقبة- تشكل العقبة ركيزة أساسية في بناء السردية الأردنية، فهي المدينة التي تقص حكاية كبرى تبدأ من طرق القوافل القديمة وموانئ" أيلة" العريقة، بنبض حي يربط أمجاد الماضي بتطلعات الحاضر والمستقبل، لا سيما أن توثيق السردية ضرورة وطنية لنقل الإرث الحضاري بين الأجيال.
وفي ندوة عقدت في العقبة يوم أمس تحت عنوان: " الأردن: الأرض والإنسان" التي نظمتها وزارة الثقافة، أجمع المنتدون على أن العقبة تحتل في الوجدان التاريخي والهاشمي، مكانة كبيرة، فهي التي شهدت فصولا حاسمة من فصول الحرية والكرامة العربية، وكانت هذه المدينة نقطة تحول إستراتيجية في مسار الثورة العربية الكبرى، حيث انتقلت فيها الثورة من مرحلة الدفاع إلى الهجوم المظفر.
وما تزال ساحة الثورة العربية الكبرى في قلب المدينة تحتضن راية العز، لتكون شاهدا يوميا على بدايات تشكل الحلم العربي الحديث ومسيرة التحرر.
وأضافوا أن العقبة حظيت برعاية هاشمية موصولة، حيث وجه جلالة الملك عبدالله الثاني لتحويلها إلى منطقة اقتصادية خاصة، لتغدو بوابة الأردن نحو العالم، وفي هذا العهد الميمون، تكرست العقبة كنموذج للتحديث والتطوير، مع الحفاظ التام على هويتها الثقافية والتاريخية، وإن هذا المزيج الساحر بين رؤية القيادة وإرادة الإنسان العقباوي جعل من المدينة أيقونة للنجاح وعنوانا لاستمرارية التناغم بين الأصالة والمعاصرة.
وبحسب وزير الثقافة مصطفى الرواشدة، فإن العقبة تتمتع بسردية تتفرد بها عن غيرها، حيث تتقاطع فيها خطوط التاريخ والجغرافيا بشكل مذهل، مؤكدا أن معالم المدينة، بدءا من قلعتها التاريخية وصولا إلى بيت الشريف الحسين بن علي ومسجده المهيب، هي شواهد حية على لحظات مفصلية في عمر الدولة الأردنية.
وشدد على ضرورة تقديم هذه السردية المميزة للأجيال الشابة، لتكون دافعا لهم نحو مزيد من الانتماء والبناء والعطاء في مسيرة الوطن، مؤكدا أن مشروع" السردية الأردنية" يمثل استجابة حقيقية لرؤية سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، لا سيما أن انطلاقة المشروع من محافظة الطفيلة الهاشمية وصولا إلى العقبة يعكس الحاجة الملحة لتوثيق الإرث الحضاري العريق للأردن.
وأشار الرواشدة إلى أن المشروع يسعى لقراءة التحولات الإنسانية التي جرت على هذه الأرض وأثرها العميق في وجدان أبنائها، مسلطا الضوء على الدور العسكري والسياسي للعقبة إبان الثورة العربية الكبرى، مؤكدا أنها شكلت قاعدة متقدمة لتسهيل الإمدادات وتغيير مجرى التاريخ.
ودعا الوزير المثقفين والفنانين والمبدعين إلى النهوض بمسؤولياتهم في تقديم هذا التراث العظيم بلغة مبتكرة وممتعة، مشددا على أهمية استخدام التقنيات الحديثة والأعمال البصرية والسمعية، كالدراما والسينما، لمخاطبة عقول الشباب وربطهم برواية الأردن التي كتبت بلسان أهله وأبنائه.
وفي المحور السياسي والتنموي، قدم النائب عبد الباسط الكباريتي ورقة نقاشية عميقة استعرض فيها مسيرة الأردن في الألفية الجديدة، مؤكدا أن العقبة تقف اليوم تجسيدا حيا لرؤية جلالة الملك، والمتابعة الحثيثة من سمو ولي العهد، مشددا على كيف تحولت المدينة بروح جديدة إلى ركيزة اقتصادية واستثمارية محورية، وبوابة لوجستية حديثة تربط الأردن بمختلف قارات العالم، محققة قفزات تنموية هائلة.
وأشار الكباريتي إلى أن الأردن، ورغم صغر حجمه وقلة موارده، رسخ مكانته كلاعب محوري ومؤثر على المستويين الإقليمي والدولي، مؤكدا أن هذه المكانة استندت إلى نهج الاعتدال والحكمة، والرؤية القائمة على المعرفة والصلابة التي تتحلى بها القيادة الهاشمية.
ولم يغفل الكباريتي عن الإشارة إلى الدور الإنساني الرائد للأردن، من خلال إغاثة المنكوبين وإرسال المستشفيات الميدانية، مما يؤكد أن رسالة الأردن الأساسية هي خدمة الإنسان وصون كرامته في كل مكان.
من جهته، غاص الباحث الدكتور نايف النجادات في أعماق التاريخ، مقدما ورقة بعنوان: " دور محافظة العقبة في السردية الأردنية عبر العصور"، مؤكدا أن توثيق السردية هو دافع غريزي ووطني للأمم الخالدة للحفاظ على بقائها.
واستعرض الجذور الأولى للمدينة باسمها الكنعاني" أيلة"، مبينا كيف تنافست القوى العالمية القديمة، من أدوميين وأنباط ورومان، للسيطرة عليها نظرا لموقعها الإستراتيجي الفريد المفتوح على القارات.
وتوقف النجادات طويلا عند محطات التسامح والإشعاع الحضاري في العقبة، مشيرا إلى تأسيس أقدم كنيسة في العالم على أرضها.
وتحدث عن العهدة النبوية التي منحها الرسول الكريم لأسقف أيلة" يوحنا بن رؤبة"، والتي كفلت الأمان لأهلها وتجارتهم، كما استعرض بناء" أيلة الإسلامية" في عهد الخليفة عثمان بن عفان، والتي أصبحت مركزا تجاريا وعلميا تخرج منه عشرات العلماء، لتشكل منارة إسلامية متقدمة على شواطئ البحر الأحمر.
واختتم النجادات ورقته بالحديث عن النهضة الاقتصادية الكبرى في العهد الهاشمي الميمون، وأوضح بلغة الأرقام كيف تضاعف عدد سكان العقبة وتوسعت استثماراتها لتشمل موانئ متكاملة، ومدنا صناعية، وجامعات، ومنتجعات سياحية عالمية، مؤكدا أن نجاح العقبة كمنطقة اقتصادية خاصة هو طموح تحقق بفضل الإرادة السياسية، وأن هذا التطور انعكس إيجابا على جميع محافظات المملكة، لتصبح العقبة قصة نجاح أردنية تدرس للأجيال القادمة.
وفي ختام محاور الندوة، أضفى الباحث في التراث العقباوي محمد عبد صالح المغربي لمسة إنسانية دافئة من خلال استعراضه للعادات والتقاليد الشعبية، مستذكرا لحظة وصول الشريف الحسين بن علي إلى العقبة، وكيف استقبله الأهالي بفن" الفريحي" التراثي الأصيل، معتبرا أن هذا الاستقبال مثل تعبيرا صادقا عن الوفاء والولاء المطلق للقيادة الهاشمية، ودرسا بليغا في الانتماء الوطني.
وكشف المغربي في ورقته عن أن السر الحقيقي وراء نجاح العقبة وصمودها عبر التاريخ يكمن في" التنوع البشري" الفريد الذي تحتضنه، موضحا أن المدينة شكلت بوتقة انصهرت فيها مختلف الثقافات والأعراق، مما خلق مجتمعا متسامحا ومنفتحا يتقن فن استقبال الضيوف وإكرامهم، مؤكدا أن هذه القيم المجتمعية النبيلة هي التي منحت العقبة صلابتها وقدرتها على التكيف مع التطورات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة التي شهدتها المنطقة.
كما روى حكايا البحر، مسلطا الضوء على مهنة الصيد التي برزت كعصب اقتصادي للمدينة منذ عام 1936، مشيرا إلى تطور أسطول الصيد من قوارب خشبية بسيطة إلى نمط تجاري متقن، وصولا إلى رحلات الصيد الفردية القاسية، ووصف كيف كان الصياد العقباوي يقضي عشرة أيام في عرض البحر، مبتعدا مئات الكيلومترات، في ملحمة يومية تعكس قوة الإرادة والصبر، وتجسد العلاقة الروحية العميقة بين الإنسان العقباوي وبحره المعطاء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك