القدس العربي - لماذا عادت واشنطن وطهران إلى منطق القوة؟ القدس العربي - قائد عربي وصديق لفلسطين: رحيل مؤسس قطر الحديثة قناة التليفزيون العربي - هرمز على صفيح ساخن.. هل دخلت واشنطن وطهران مرحلة مواجهة جديدة؟ القدس العربي - الـ AI عاشقا! القدس العربي - سعيد وسويفت القدس العربي - زلزال سياسي يضرب الحزبين الأمريكيين ويهز نفوذ «أيباك» قناة التليفزيون العربي - الأمير الوالد.. مسيرة دولة وإرث قيادة العربية نت - الجيش الأميركي يعلن بدء ضربات جديدة ضد إيران القدس العربي - لهذه الأسباب ترفض «سوريا الجديدة» التدخل في لبنان القدس العربي - مفاوضات أمريكية إيرانية تحت النار… هل يصمد هذا النموذج؟
عامة

من غارزوني إلى نيجيرفان بارزاني.. محطات من العلاقات الكوردية

رووداو عربية
رووداو عربية منذ 1 ساعة
1

عندما قلّد الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا، رئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، أحد أرفع الأوسمة الرفيعة للجمهورية الإيطالية، وجرت المراسم في أربيل، مساء الأربعاء، (8 تموز 2026)، وقلّد فيها السفير ...

عندما قلّد الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا، رئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، أحد أرفع الأوسمة الرفيعة للجمهورية الإيطالية، وجرت المراسم في أربيل، مساء الأربعاء، (8 تموز 2026)، وقلّد فيها السفير الإيطالي لدى العراق، نيكولو فونتانا، نيابةً عن الرئيس الإيطالي، رئيسَ إقليم كوردستان (وسام" نجمة إيطاليا" من درجة" فارس الصليب الأكبر" )؛ بدا الحدث في ظاهره تكريماً سياسياً لشخصية أدت دوراً في توثيق العلاقات بين إيطاليا وإقليم كوردستان والعراق؛ غير أن هذا التكريم يحمل في مضمونه دلالات أعمق تتجاوز اللحظة الراهنة، إذ يعيد إلى الأذهان تاريخاً طويلاً من التواصل بين الشعبين الكوردي والإيطالي، بدأ قبل أكثر من قرنين ونصف، حينما اختار راهب إيطالي أن يجعل من اللغة الكوردية موضوعاً لأول دراسة علمية متكاملة في أوروبا، وانتهى اليوم بشراكة سياسية وثقافية متنامية جعلت إيطاليا من أقرب الدول الأوروبية إلى إقليم كوردستان.

ولعل أجمل ما يميز العلاقات الكوردية - الإيطالية أنها لم تقم في بدايتها على المصالح الاقتصادية أو الحسابات الجيوسياسية، وإنما تأسست على المعرفة والاحترام المتبادل.

ففي القرن الثامن عشر وصل الراهب الدومينيكي الإيطالي" موريتسيو غارزوني" (Maurizio Garzoni)، الذي عُرف في بعض المصادر العربية باسم" كورزينو"، إلى الموصل ثم استقر سنوات طويلة بين الكورد في العمادية عاصمة إمارة بهدينان، حيث أتاحت له إقامته الطويلة الاحتكاك المباشر بالمجتمع الكوردي، وتعلم لغته وعاداته وتقاليده.

وقد أدرك غارزوني مبكراً أن اللغة الكوردية ليست مجرد لهجة محلية كما كان يُعتقد في أوروبا آنذاك، بل لغة مستقلة تمتلك قواعدها وبنيتها الخاصة، فكرّس سنوات من حياته لجمع مفرداتها وتدوين قواعدها، وأصدر الأب الدومينيكي الإيطالي موريتسيو غارزوني سنة 1787م كتابه الشهير" قواعد اللغة الكوردية ومعجمها" (Grammatica e Vocabolario della Lingua Kurda)، الذي يُعد أول مؤلَّف علمي أوروبي خصص لدراسة اللغة الكوردية ووصف قواعدها وجمع مفرداتها، ولذلك يُلقَّب غارزوني في الدراسات الحديثة بـ" أبي علم الكورديات" (Father of Kurdish Studies) في أوروبا.

أسهم غارزوني في نقل صورة مختلفة عن المجتمع الكوردي إلى الأوساط العلمية الإيطالية والأوروبية، فبعد أن كان الكورد يُذكرون في كتب الرحالة بوصفهم قبائل جبلية متفرقة، أصبحوا بفضل دراساته شعباً يمتلك لغة وأدباً وتراثاً يستحق الدراسة.

ومن هنا يمكن القول إن أول جسر حقيقي بين كوردستان وإيطاليا لم يكن جسراً سياسياً، وإنما كان جسراً ثقافياً وعلمياً، عبر اللغة والمعرفة.

واستمرت هذه الصلات خلال القرن التاسع عشر مع تزايد نشاط الإرساليات الكاثوليكية الإيطالية في الموصل - العمادية - دهوك - قشفر - ديرمار ياقو شرق سميل - زاخو، حيث أقامت المدارس والمطابع وأسهمت في نشر التعليم، كما تعززت الصلات مع الكنائس الشرقية، ولا سيما الكنيسة الكلدانية، التي أدَّت دوراً مهماً في تقريب المجتمعات المحلية من المؤسسات الدينية والثقافية الإيطالية.

في المقابل، وجد الإيطاليون لدى المجتمع الكوردي بيئة تتسم بالتسامح الديني والتعايش بين المسلمين والمسيحيين واليهود والإيزديين، وهي صورة كررها عدد من الرحالة والمبشرين الإيطاليين في تقاريرهم، مؤكدين أن العلاقات الاجتماعية في كثير من مناطق كوردستان قامت على الاحترام المتبادل بين مكوناتها المختلفة، رغم ما كانت تشهده المنطقة من اضطرابات سياسية.

ومع قيام الجمهورية الإيطالية بعد الحرب العالمية الثانية، دخلت العلاقات الكوردية - الإيطالية مرحلة جديدة اتسمت بالتعاون السياسي والثقافي، لكنها أخذت بعداً أكثر وضوحاً بعد عام 2003م، ثم تعززت بصورة كبيرة عقب ظهور تنظيم داعش عام 2014م.

فقد كانت إيطاليا من أوائل الدول الأوروبية التي استجابت لنداءات حكومة إقليم كوردستان، فشاركت في تدريب قوات البيشمركة ضمن قوات التحالف الدولي، وقدمت مساعدات إنسانية واسعة للنازحين، وأسهمت شركاتها في مشاريع إعادة الإعمار وحماية التراث الثقافي، ولا سيما في الموصل وسهل نينوى.

وفي هذا السياق، برزت شخصية" الرئيس نيجيرفان بارزاني" بوصفه أحد أبرز مهندسي السياسة الخارجية لإقليم كوردستان خلال العقدين الأخيرين، إذ اتسمت رؤيته الدبلوماسية بالواقعية السياسية والانفتاح على مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، مع الحرص على ترسيخ علاقات متوازنة تقوم على الحوار والتعاون واحترام المصالح المشتركة.

وخلال سنوات توليه رئاسة حكومة الإقليم، ثم رئاسته لإقليم كوردستان، عمل على توسيع شبكة الشراكات مع الدول الأوروبية، وكانت إيطاليا في مقدمة الدول التي حظيت باهتمام خاص في أجندته الدبلوماسية، انطلاقاً من إدراكه لأهمية الدور الإيطالي في دعم الأمن والاستقرار والتنمية في العراق وإقليم كوردستان.

وقد أسهمت هذه السياسة المتوازنة في إرساء علاقات متينة بين أربيل وروما، انعكست في تنامي التعاون في مجالات الاستثمار والطاقة والتعليم والثقافة، فضلاً عن الشراكة الأمنية والعسكرية التي برزت بصورة واضحة في إطار دعم قوات البيشمركة في مواجهة تنظيم داعش.

كما اتسمت تحركات الرئيس نيجيرفان بارزاني الإقليمية والدولية بالسعي إلى بناء جسور الثقة بين مختلف الأطراف، واعتماد الحوار وسيلةً لمعالجة الأزمات، الأمر الذي أسهم في تعزيز مكانة إقليم كوردستان بوصفه شريكاً موثوقاً يتمتع بعلاقات متوازنة مع القوى الإقليمية والدولية.

وقد أظهرت العديد من المحطات السياسية أن نهج الرئيس نيجيرفان بارزاني القائم على الاعتدال والمرونة الدبلوماسية، وتغليب لغة التفاهم على التصعيد، كان له دور مهم في الحفاظ على استقرار إقليم كوردستان، وتخفيف حدة الأزمات التي أحاطت به في مراحل مختلفة، سواء على مستوى علاقاته مع الحكومة الاتحادية في بغداد، أم مع دول الجوار، أم مع المجتمع الدولي.

ومن ثم، لم يكن تكريمه من قبل رئيس الجمهورية الإيطالية مجرد تقدير لشخصه، بل جاء اعترافاً بالدور الذي اضطلع به في ترسيخ سياسة خارجية متوازنة، وتعزيز قيم الحوار والتعاون، وتطوير العلاقات الكوردية - الإيطالية بما يخدم المصالح المشتركة للطرفين.

ومن هنا جاء قرار الرئيس الإيطالي بمنحه أحد أعلى الأوسمة الرسمية للجمهورية الإيطالية، وهو تكريم لا يقتصر على شخص" نيجيرفان بارزاني"، وإنما يعكس تقدير الدولة الإيطالية للدور الذي اضطلع به إقليم كوردستان في ترسيخ الاستقرار الإقليمي، وحماية التعددية الدينية، وتعزيز الشراكة مع أوروبا.

كما يحمل هذا الوسام رسالة رمزية تؤكد أن العلاقات التي بدأت قبل أكثر من قرنين على يد عالم لغوي إيطالي أصبحت اليوم علاقات مؤسسات ودول وشراكات استراتيجية.

غير أن ذاكرة العلاقات الكوردية - الإيطالية لا تقتصر على محطات التعاون الثقافي والسياسي، بل تحتفظ أيضاً بصفحة إنسانية مشرقة تعود إلى النصف الأول من القرن العشرين، وتمثل إحدى أبرز صور التقدير المتبادل بين كوردستان والعالم الكاثوليكي.

فقد ارتبط اسم الشخصية الكوردية" محمد شمدين آغا السليفاني" بمواقفه الإنسانية النبيلة في حماية المسيحيين والأرمن في منطقة زاخو وما جاورها خلال سنوات الحرب العالمية الأولى وما رافقها من اضطرابات وأعمال عنف، حيث وفر لهم الملاذ الآمن وسعى إلى صون أرواحهم وممتلكاتهم، في موقف تجاوز الاعتبارات الدينية والقومية، وجسد قيم التعايش والتسامح التي عُرفت بها المنطقة.

تجسدت هذه الروح الإنسانية في واحدة من أبرز المحطات المضيئة في تاريخ العلاقات الكوردية - الإيطالية، حين أصدر البابا بيوس الحادي عشر (6 شباط/فبراير 1922 – 10 شباط/فبراير 1939م) مرسوماً بابوياً بمنح الشخصية الكوردية" محمد شمدين آغا السليفاني" أحد الأوسمة البابوية الرفيعة، وهو وسام بيوس (Order of Pius)، تقديراً لمواقفه الإنسانية النبيلة في حماية المسيحيين والأرمن في منطقة زاخو خلال سنوات الحرب العالمية الأولى.

ولم يكن هذا التكريم مجرد وسام شرفي، بل حمل دلالات إنسانية وسياسية عميقة، إذ مثّل اعترافاً رسمياً من الكرسي الرسولي بالدور الذي اضطلع به محمد شمدين آغا في صون أرواح المدنيين وحماية التعايش بين مكونات المنطقة في مرحلة اتسمت بالعنف والاضطراب.

وبذلك غدا هذا الوسام شاهداً مبكراً على عمق الاحترام المتبادل بين كوردستان والعالم الكاثوليكي، ودليلاً على أن القيم الإنسانية المشتركة كانت، منذ وقت مبكر، إحدى الركائز التي أسهمت في بناء جسور التواصل بين الشعب الكوردي وإيطاليا.

صدر المرسوم البابوي في (24 تشرين الأول/أكتوبر 1925م) من قبل بيوس الحادي عشر Pope Pius XI بمنح محمد شمدين آغا السليفاني وساماً بابوياً بدرجة فارس (Knight) تقديراً لمواقفه الإنسانية في حماية الأرمن والمسيحيين في زاخو خلال أحداث (1915–1918م).

إلا أن محمد شمدين آغا كان قد توفي في حادث سقوط الطائرة في (22/7 /1924م)، على إثر احتراق الطائرة التي كان تقله من مطار الموصل الى بغداد لحضور اجتماع المجلس التأسيسي العراقي حيث كان جنابه مع" الحاج رشيد بك البرواري" ممثلين عن الكورد في منطقة بهدينان في المجلس التأسيسي العراقي الانف الذكر؛ لذلك لم يتمكن المرحوم الفقيد من تسلم الوسام بنفسه.

ونظراً لوفاة محمد شمدين آغا السليفاني قبل صدور المرسوم البابوي، لم يتسنَّ له تسلُّم الوسام بنفسه.

لذلك قرر البابا بيوس الحادي عشر منح نجله حاجي شمدين آغا السليفاني وساماً بابوياً مستقلاً من درجة" فارس" نفسها، تكريماً لذكرى والده وتقديراً لمواقفه الإنسانية، وقد جرت مراسم التقليد في احتفال رسمي بمدينة زاخو، حضره القاصد الرسولي دومنيك بيريه (Dominique Perrier) ممثلاً للكرسي الرسولي، حيث قام بتقليد حاجي شمدين آغا الوسام البابوي؛ وبذلك غدا هذا التكريم أحد أقدم مظاهر التقدير الأوروبي لشخصية كوردية عُرفت بمواقفها الإنسانية النبيلة، كما شكّل شاهداً تاريخياً على عمق الاحترام المتبادل بين كوردستان والكرسي الرسولي.

ويُعد هذا الوسام من أقدم مظاهر التقدير الأوروبي الرسمي لشخصية كوردية، إذ لم يكن مجرد تكريم فردي، بل حمل دلالات إنسانية وحضارية عميقة، عكست تقدير الكنيسة الكاثوليكية للمواقف النبيلة التي جسدها محمد شمدين آغا السليفاني، وأسهمت في ترسيخ قيم التعايش وحماية الإنسان، كما شكّل محطة بارزة في تاريخ العلاقات بين كوردستان والكرسي الرسولي، وواحداً من الشواهد المبكرة على عمق الاحترام المتبادل بين الشعب الكوردي وإيطاليا.

وإذا كان وسام الرئيس الإيطالي للرئيس" نيجيرفان بارزاني" يعبر اليوم عن شراكة سياسية ودبلوماسية معاصرة، فإن الوسام البابوي الذي ناله" محمد شمدين آغا السليفاني ونجله حاجي شمدين آغا" يمثل صفحة مضيئة في تاريخ العلاقات الإنسانية بين كوردستان وإيطاليا، حين كان التكريم تعبيراً عن الامتنان لمن جعل حماية الإنسان فوق كل اعتبار.

وهكذا، تمتد العلاقات الكوردية - الإيطالية عبر أكثر من قرنين في مسار متصل يجمع بين العلم والثقافة والإنسانية والسياسة؛ فقد بدأ هذا المسار مع العالم واللغوي الإيطالي" غارزوني" الذي حفظ اللغة الكوردية في كتاب، واستمر مع شخصيات كوردية جسدت قيم التسامح وحماية الآخر، وصولاً إلى مرحلة الشراكة الحديثة التي توجها تكريم الرئيس" نيجيرفان بارزاني" من قبل الجمهورية الإيطالية بأرفع وسام ايطالي، بحضور كبار المسؤولين في الإقليم ومن بينهم بطريرك الكنيسة وكبار الاساقفة من مختلف الطوائف المسحية في كوردستان والعراق، وبين أول كتاب إيطالي عن اللغة الكوردية، وأحدث وسام إيطالي لرئيس كوردي، تتشكل قصة طويلة من الاحترام المتبادل، تؤكد أن العلاقات بين الشعوب لا تصنعها المصالح وحدها، بل تصنعها أيضاً المعرفة، والوفاء، والاعتراف بالقيم الإنسانية المشتركة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك