المؤسسات، القانون، ورأس المال الخفي الذي يصنع الأمممقالات من بطون كتب ونبض الواقعقد تمتلك دولة موارد هائلة، وتضع خططًا طموحة، وتوفر التمويل، لكنها تفشل في تحقيق التنمية.
وفي المقابل، قد تنطلق دولة بموارد محدودة، لكنها تبني اقتصادًا متماسكًا وقادرًا على النمو.
الفرق، كما تكشفه بطون الكتب والتجاربولا في المعرفة وحدها، بل في شيء غير مرئي لكنه شديد الأثر:الثقة ليست مفهومًا أخلاقيًا مجردًا،هي ما يجعل المستثمر يغامر، والعامل يُبدع، والمجتمع يتعاون، والدولة تُطاع قوانينها دون إكراه دائم.
وكما يذهب Douglass North إلى أن “المؤسسات هي القواعد التي تشكّل التفاعل الإنساني”،فإن الثقة هي الروح التي تجعل هذه القواعد قابلة للحياة.
هذا المقال يستند إلى مجموعة من أعمق الكتب التي تناولت مفهوم الثقة من زوايا اقتصادية واجتماعية وتاريخية، لنفهم كيف تُبنى، ولماذا تنهار، وكيف يمكن استعادتها.
في كتاب “Institutions, Institutional Change and Economic Performance”، يوضح Douglass North أن الأداء الاقتصادي لأي دولة لا يُفهم من خلال السياسات فقط،بل من خلال جودة المؤسسات التي تحكمها.
المؤسسات القوية تقلل عدم اليقين، وتُسهّل التبادل، وتُخفض ما يُعرف بتكلفة المعاملات.
وهذه التكاليف ليست مالية فقط،بل تشمل الوقت، والمخاطر، وانعدام الثقة.
حين يثق التاجر في القضاء،لا يحتاج إلى حماية إضافية.
وحين يثق المستثمر في القوانين، لا يخشى المغامرة.
وهكذا تتحول الثقة إلى وقود غير مرئي للنشاط الاقتصادي.
أما كتاب “Trust: The Social Virtues and the Creation of Prosperity” للمفكر Francis Fukuyama فيذهب إلى أبعد من ذلك، حيث يربط بين الثقافة الاجتماعية ومستوى الثقة في المجتمع.
المجتمعات التي ترتفع فيها الثقةلا تعتمد فقط على العقود الرسمية،مما يُسهّل تكوين الشركات الكبرى، ويُعزز روح التعاون.
في المقابل، المجتمعات منخفضة الثقة تضطر إلى الاعتماد على العلاقات الضيقة،مما يحدّ من التوسع الاقتصادي.
وفي كتاب “Why Nations Fail”، يوضح Daron Acemoglu وJames Robinsonأن المؤسسات إما أن تكون شاملةالمؤسسات الشاملة تبني الثقة لأنها تتيح الفرص للجميع، وتحمي الحقوق، وتكافئ الجهد.
أما المؤسسات الإقصائية فتهدم الثقة لأنها تركز السلطة والثروة في يد قلة،مما يدفع الأفراد إلى الانسحاب أو المقاومة بدل الإنتاج.
من زاوية القانون، يبرز كتاب “The Rule of Law” للمفكر Tom Bingham الذي يؤكد أن سيادة القانون ليست مجرد نصوص،بل ممارسة يومية يشعر بها المواطن والمستثمر.
حين يكون القانون واضحًا، ومستقرًا، وعادلًا في تطبيقه، تنشأ الثقة تلقائيًا.
أما حين يكون القانون متقلبًا أو انتقائيًا، فإن الشك يحل محل الثقة، ويتراجع النشاط الاقتصادي.
ولا يمكن إغفال البعد المالي، حيث يشير Hyman Minsky في كتابه “Stabilizing an Unstable Economy” إلى أن الأنظمة المالية بطبيعتها عرضة للاهتزاز،وأن الثقة فيها هي عنصر استقرارها الأساسي.
فحين يفقد الناس الثقة في البنوكأو السياسات المالية، تتحول الأزمات الصغيرة إلى انهيارات كبرى.
في دول كثيرة، ومنها السودان، تظهر أزمة الثقة بوضوح في التعاملات اليومية:هذا المناخ لا يُبنى فيه اقتصاد قوي،إعادة بناء الثقة لا تتم بقرارات مفاجئةوضوح القوانين، واستقرار السياسات، واستقلال القضاء، ومحاسبة الفساد، وشفافية إدارة المال العام.
الثقة تُبنى بالتراكم، لكنها تُهدم بلحظة.
التجارب الناجحة تُظهر أن الدول التي أعادت بناء ثقتها بدأت بإصلاح مؤسساتها، لا بتغيير شعاراتها.
الثقة الاقتصادية هي رأس المال الذي لا يظهر في الميزانيات، تتحول كل الخطط إلى حبر على ورق،وكل الموارد إلى فرص ضائعة.
إن بناء الثقة ليس خيارًا، بل ضرورة وجودية لأي اقتصاد يسعى إلى الاستقرار والنمو.
وحين تُبنى الثقة، تتدفق الاستثمارات، وتُفتح الفرص، ويصبح المستقبل ممكنًا لا مؤجلًا.
رؤية المقال القادم في السلسلةفي المقال القادم بإذن الله ننتقل إلى سؤال بالغ الحساسية:كيف تُدار الموارد الطبيعية حتى لا تتحول إلى نقمة؟The Bottom Billion لـ Paul CollierThe Resource Curse لـ Richard Autyلنناقش كيف تتحول الثروة إلى تنمية… أو إلىاقتصادي متقاعد من المصرف العربي للتنميه الاقتصاديه في افريقياsanhooryazeem@hotmail.
com.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك