أستاذ فلسفة القيم الإسلامية – جامعة الخرطومتمهيد: يتوقف موقف المذاهب والفلسفات والأديان من مفهومي الحرب والسلام على موقفها من مفهومين آخرين، هما: الصراع والمشاركة.
فمن يرى أن الأصل في العلاقة بين البشر هو الصراع، يعتبر أن الأصل في العلاقة بين المجتمعات هو الحرب، والعكس صحيح.
أولاً: مفهوما الحرب والسلام في الأديان الشرقية القديمة:1- الطاوية: يرى مؤسسها لاوتسي أن الوجود عبارة عن “تاو” (الطريق)، وهو نتاج تحقيق التوازن والانسجام بين النقيضين: الين واليانج” السالب والموجب”.
ويمتد هذا التوازن ليشمل كل الأضداد في الوجود.
فالوجود عنده قائم على التوازن لا الصراع.
لذا شدد على رفض الحروب، وضرورة تجنبها بكل الوسائل.
تقوم على الثنائية: إله للخير (النور)، وإله للشر (الظلام)، وبينهما صراع دائم ينتهي بانتصار الخير.
وبالتالي فهي تجعل الصراع مبدأ وجودياً وميتافيزيقياً كلياً.
3- المزدكية: تشترك مع الزرادشتية في الثنائية، لكن مزدك أضاف بعداً اجتماعياً، حيث أرجع الصراع إلى تفاوت الناس في المال والنساء.
ورأى أن القضاء على الصراع يكون عبر نوع من الشيوعية في المال والنساء.
ثانياً: مفهوما الحرب والسلام في الفلسفة الغربية:1- السوفسطائية: ترى أن القانون الطبيعي هو السعي للذة وتجنب الألم، وأن الأخلاق وضعها الضعفاء.
وبالتالي فالعلاقة بين البشر صراع تحكمه القوة لا الأخلاق.
2- هيرقليطس: اعتبر أن الحرب أصل الأشياء، وأن التغير يتم عبر صراع المتناقضات، فجعل الصراع قانوناً كلياً للوجود.
3- الرواقية: ترى أن البشر يخضعون لقانون عقلي كلي، والجميع متساوون أمامه، وبالتالي الأصل هو السلام لا الحرب.
4- أفلاطون: يرى أن الحرب التي تخوضها المدينة الفاضلة هي حرب عادلة ضد الأمم “غير الفاضلة”، التي لا خيار لها إلا الانضمام إليها.
5- أرسطو: يرى أن الحرب تنشأ من ابتعاد الإنسان عن طبيعته السياسية، ويسعى إليها لإعادة التوازن.
ب/ الفلسفة الأوروبية الوسيطة:أوغسطين: برر الحرب باعتبارها نتيجة لطبيعة الإنسان الفاسدة بعد الخطيئة الأصلية.
ج/ الفلسفة الأوروبية الحديثة:1- هيجل: انطلق من المثالية الجدلية، حيث يتطور الفكر المطلق عبر صراع المتناقضات.
وجعل الدولة أعلى تجسيد للفكر المطلق، وبالتالى العلاقة بين الدول صراع وحرب.
2- هوبز: يرى أن حالة الطبيعة هي حرب الجميع ضد الجميع.
والسلام يتحقق عبر عقد اجتماعي يتنازل فيه الناس عن حقوقهم للحاكم مقابل الأمن.
3- روسو: يرى أن الإنسان خير بطبعه، لكن المجتمع يفسده.
والحروب نتيجة المجتمع، وقد دعا إلى السلام الدائم.
4- كارل ماركس: إعتمد على المادية الجدلية والتاريخية، وجعل الصراع طبقياً لا بين دول.
وهو صراع ناتج عن التناقض في أسلوب الإنتاج.
5- نيتشه: أعاد إحياء فكرة سيادة الأقوى، وجعل العلاقة بين البشر صراعاً قائماً على إرادة القوة.
6- كانط: دعا إلى السلام الدائم، مستنداً إلى العقل المشترك والقيم الأخلاقية.
د/ الفلسفة الغربية المعاصرة:1- هيدجر: ربط الحرب بسيطرة الإنسان التقنية، حيث تتحول التقنية إلى قوة تدمر الإنسان نفسه.
في مرحلته الأولى: رأى أن العلاقة مع الآخر صراع (“الآخرون هم الجحيم”).
وفي مرحلته الثانية: ربط الصراع بـالندرة، حيث يؤدي نقص الموارد إلى النزاع.
واعتبر أن الصراع نتاج التفاعل بين: الوسط “الموضوعي”، والمشروع “الذاتي”د.
مراد وهبه، سارتر مفكراً وإنساناً، القاهرة، 1967م، ص 56–57).
ثالثاً: مفهوما الحرب والسلام في المنظور الإسلامي:عبر القرآن عن المشاركة بمصطلحات إيجابية مثل:التأليف: (آل عمران: 103).
وعبر عن الصراع بمصطلحات سلبية مثل:العداوة والبغضاء (المائدة: 91)الأصل في العلاقة بين المجتمعات هو السلام، والحرب استثناء.
أسباب مشروعية القتال في الإسلام:لا يُشرع القتال إلا في حالتين:(الحج: 39–40) التاسيس العقدى لمفهوم السلام في الإسلام:(البقرة: 208)، (النساء: 90)1- التوحيد: الله هو مصدر القيم المطلقة، ومنها السلام: (الحشر: 23).
2- الاستخلاف: مضمونه إظهار صفات الله في الأرض، ومنها السلام كقيمة عليا يسعى الإنسان لتحقيقها.
يقول ابن تيمية: (الصفدية، ج2، ص338): ”من أسماء الله ما يُحمد الاتصاف به كالعلم والرحمة والحكمة”.
ب/ على المستوى الاجتهادي:تحليل تركيز بعض الفقهاء على الحرب:الأصل في النصوص هو السلام، لكن بعض الفقهاء ركزوا على الحرب بسبب ظروف عصرهم “حروب مستمرة ودول غير مستقرة الحدود”.
يقول أبو زهرة:(العلاقات الدولية في الإسلام، ص78–79)“إن الفقهاء تأثروا بواقع الحروب المستمرة، فاعتبروا الصلح مؤقتاً”.
وقد خالفهم ابن تيمية، فقرر أن القتال يكون فقط ضد من يقاتل: (البقرة: 190).
مذهب الصراع في الفكر الإسلامي المعاصر:مذهب قتال غير المسلمين مطلقا: ظهر اتجاه يرى أن الأصل هو الحرب لا السلام، ومن أبرز ممثليه:سيد قطب (في ظلال القرآن، ج10، ص1564)استند هذا الاتجاه إلى آيات من سورة التوبة، واعتبرها ناسخة لآيات السلم.
لكن العديد من العلماء وضحو أن هذه الآيات: مقيدة بظروف معينة، لا تنسخ آيات السلم.
للمزيد انظر:رشيد رضا/ تفسير المنار/ ج10، ص255.
مفهوما الحرب والسلام في الفلسفة الإسلامية:(حسن مجيد العبيدي، فلسفة الحرب عند ابن خلدون، 2023م).
خاتمة” ملخص”:الفكر الإنساني انقسم إلى اتجاهين:الاول: الصراع أصل العلاقة → الحرب أصل.
ثانى: المشاركة أصل العلاقة → السلام أصل.
المنظور الإسلامي “نصياً” يجعل السلام هو الأصل،والحرب إستثناء مشروط، وخاضع لضوابط قيمية.
أما تركيز الفقهاء على الحرب، فمصدره ليس نصيا، بل إجتهادى، فهو محصلة إجتهادهم فى واقعهم التاريخى، والمرتبط بشكل الدولة والعلاقات الدولية فيه، اى الدوله الامبراطورية غير ثابته الحدود وحق الفتح.
وهو واقع معاير عن واقعنا المعاصر، القائم على شكل الدولة ذات الحدود الثابته، وحق الأمم فى تقرير مصيرها…ناتجة عن اختلاف الواقع التاريخي لا عن النصوص ن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك