في تطور لافت يعكس تحولات عميقة في طبيعة الحروب الحديثة، أعادت واقعة إسقاط مروحية هجومية روسية بواسطة طائرة مسيّرة أوكرانية طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل المروحيات الهجومية.
ففي 20 مارس/ آذار 2026، نجحت وحدة أوكرانية متخصصة بالطائرات المسيّرة في استهداف مروحية من طراز" كاموف كا-52" باستخدام طائرة صغيرة من نوع" الرؤية من منظور الشخص الأول" (FPV)، وذلك في أجواء مقاطعة دونيتسك، ما أجبر المروحية على الهبوط اضطراريًا بعد تعرضها لأضرار بالغة.
هذا الحادث، الذي احتفت به القوات الأوكرانية، لا يُعد مجرد نجاح تكتيكي، بل يمثل جرس إنذار حقيقيًا لأطقم المروحيات والقوات المسلحة حول العالم.
فالمروحيات، التي لطالما واجهت تهديدات من الأسلحة الخفيفة والصواريخ المحمولة، باتت اليوم أمام خطر جديد يتمثل في الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة وعالية المرونة.
سقوط أسطورة أم تحول مرحلي؟تشير التقارير إلى أن العملية نُفذت من قبل كتيبة" مفترسون المرتفعات" التابعة للواء الهجومي الأوكراني 59، حيث أظهرت لقطات مصورة لحظة اقتراب الطائرة المسيّرة من المروحية أثناء تحليقها على ارتفاع منخفض، قبل أن ينقطع البث، وفقًا لموقع" interestingengineering".
وفي مشاهد لاحقة، بدت المروحية وهي تكافح للبقاء في الجو قبل أن تهبط اضطراريًا، ليُستهدف طاقمها لاحقًا وفق ما أفادت به مصادر إعلامية.
وليست هذه الحادثة الأولى من نوعها، إذ ذكرت تقارير إعلامية أن هذه هي المرة الثانية التي تنجح فيها الوحدة ذاتها في إسقاط مروحية، ما يرفع إجمالي الخسائر الروسية من المروحيات إلى نحو 350 منذ بداية الحرب، وفقًا لصحيفة" kyivindependent".
ما الذي يجعل المروحيات الهجومية مهمة؟رغم هذه التهديدات المتزايدة، لا تزال المروحيات الهجومية تمثل عنصرًا محوريًا في العمليات العسكرية.
فهذه المنصات توفر مزيجًا فريدًا من القدرة على المناورة، والدقة في الاستهداف، والدعم الجوي القريب.
على سبيل المثال، تُعد مروحية بوينغ AH-64 أباتشي واحدة من أبرز هذه المنصات، حيث تتميز بقدرتها على التحليق المنخفض، واستخدام التضاريس للتخفي، وتوجيه ضربات دقيقة باستخدام الصواريخ والمدافع.
كما أنها قادرة على البقاء في الجو لفترات طويلة، وتنفيذ مهام متعددة تشمل مكافحة الدروع والمرافقة والإخلاء الطبي.
التهديد ليس جديدًا، لكن المعادلة تغيرت.
تاريخيًا، لم تكن المروحيات بمنأى عن المخاطر.
فقد أثبتت هشاشتها أمام نيران الأسلحة الخفيفة في البيئات الحضرية، كما لعبت أنظمة الدفاع الجوي المحمولة دورًا حاسمًا في إسقاطها خلال حروب مثل أفغانستان والعراق.
حتى قذائف “آر بي جي” شكلت تهديدًا حقيقيًا للمروحيات التي تحلق على ارتفاعات منخفضة.
لكن ما يميز الطائرات المسيّرة اليوم هو بساطتها وتكلفتها المنخفضة، مقارنة بالأنظمة التقليدية.
فهي لا تحتاج إلى طواقم مدربة بشكل معقد، ويمكن نشرها بأعداد كبيرة، ما يجعلها تهديدًا يصعب التنبؤ به أو احتواؤه بسهولة.
من الضحية إلى الصياد: هل تتكيف المروحيات؟رغم التحديات، لا يبدو أن المروحيات الهجومية في طريقها إلى الزوال، بل إلى التحول.
إذ يُتوقع أن تتكيف هذه المنصات مع الواقع الجديد عبر تغيير أدوارها وتكتيكاتها.
في بعض السيناريوهات الحديثة، بدأت المروحيات تلعب دور" الصياد" للطائرات المسيّرة.
فقد أظهرت تجارب ميدانية، منها ما جرى في مضيق هرمز، أن مروحيات مثل الأباتشي قادرة على تعقب وإسقاط أسراب الدرون بكفاءة، مستفيدة من سرعتها وقدرتها على المناورة.
وأحد أكثر التحولات إثارة للاهتمام هو إمكانية تحويل المروحيات إلى منصات إطلاق وتحكم للطائرات المسيّرة.
ففي هذا الدور، يمكن للمروحية أن تعمل كـ" سفينة أم"، تُطلق منها الذخائر المتسكعة، أو تُدار منها أسراب الدرون في الوقت الحقيقي.
كما يمكن أن تتحول إلى مركز قيادة جوي منخفض الارتفاع، ينسق العمليات ويوفر بيانات الاستهداف، بدلًا من أن تكون هي المنفذ المباشر للهجوم.
هذا التحول يعكس انتقالًا من" منصة نيران" إلى" منصة إدارة معركة".
في ضوء هذه التطورات، لا يمكن القول إن عصر المروحيات الهجومية قد انتهى، لكنه بلا شك يدخل مرحلة جديدة.
فالحوادث الأخيرة، بما فيها استهداف مروحيات كاموف كا-52، تشير إلى نهاية زمن كانت فيه هذه الطائرات تعمل بحرية نسبية في الأجواء المتنازع عليها.
المستقبل المرجح هو تقليص دورها في الهجمات المباشرة القريبة، والاعتماد بشكل أكبر على الطائرات المسيّرة لتقليل المخاطر.
كما سيتعين على أطقمها التكيف مع بيئة قتالية مشبعة بالتهديدات من كل اتجاه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك