فرانس 24 - مجلس النواب الأمريكي يقر مساعدات جديدة لأوكرانيا وعقوبات على روسيا رغم معارضة ترامب روسيا اليوم - هل يشارك لبنان في المفاوضات الأمريكية الإيرانية؟ روسيا اليوم - علماء يطرحون فرضية كوكب عملاق مفقود أعاد تشكيل أقمار أورانوس قبل طرده من النظام الشمسي روسيا اليوم - علامة صامتة في الساقين قد تنذر بارتفاع الكوليسترول قناة الجزيرة مباشر - المجموعة العربية: التوسع الاستيطاني يقوض حل الدولتين ويقسم الضفة الغربية وكالة شينخوا الصينية - تقرير: الصين تحرز تقدما شاملا في مجال حماية حقوق الإنسان روسيا اليوم - Acer تتحدى سامسونغ بحاسب لوحي كبير ومتطور روسيا اليوم - دراسة تربط بين البطاطس المقلية وداء السكري روسيا اليوم - روسيا تختبر مسيرة عسكرية جديدة متعددة الاستخدامات روسيا اليوم - ضربات روسيا الانتقامية تزيد الضغط على كييف
عامة

وزير التعليم العالي… البصيرة أم حمد؟ (2)

سودانايل الإلكترونية
2

ثمة أمر مخيف في أن يتحدث وزير التعليم العالي عن الجامعات وكأنها معسكرات احتياط للحرب. والأشد إثارة للقلق أن يبدو الرجل مطمئناً تماماً إلى لغته، وكأن السودان لم يجرّب هذا الطريق من قبل، وكأن البلاد لم ...

ملخص مرصد
حذر الكاتب من خطورة تصريحات وزير التعليم العالي السوداني حول تحويل الجامعات إلى معسكرات احتياط، محذراً من تكرار سيناريو прошлых лет حين استُخدمت الجامعات لتجنيد الشباب في حروب مدمرة. وأكد أن السودان دفع ثمناً باهظاً من دماء الشباب ومستقبلهم بسبب سياسات التعبئة العقائدية، داعياً إلى إصلاح جذري للقطاع الأكاديمي لحماية الجامعات من التدخلات العسكرية والأيديولوجية.
  • وزير التعليم العالي السوداني يتحدث عن الجامعات كمعسكرات احتياط للحرب
  • السودانيون عانوا سابقاً من تجنيد طلاب جامعاتهم في حروب مدمرة
  • دعوة لإصلاح الجامعات قانونياً وحماية الطلاب من الاستغلال العسكري
من: وزير التعليم العالي السوداني أين: السودان

ثمة أمر مخيف في أن يتحدث وزير التعليم العالي عن الجامعات وكأنها معسكرات احتياط للحرب.

والأشد إثارة للقلق أن يبدو الرجل مطمئناً تماماً إلى لغته، وكأن السودان لم يجرّب هذا الطريق من قبل، وكأن البلاد لم تدفع بالفعل فاتورة باهظة من دماء أبنائها وأعمارهم ومستقبلهم.

السودانيون يعرفون جيدًا إلى أين تقود هذه اللغة.

لقد عاشوا ذلك المناخ الرديء في سنوات الإنقاذ السوداء، حين تُركت مؤسسات التعليم العالي نهبًا لخطاب الأصوليين، وحين فُتحت الجامعات أمام دعاة التعبئة العقائدية لا دعاة المعرفة.

لم تكن الجامعة يومها فضاءاً حراً للنقاش والبحث، بل منصة لإعداد “الكوادر” لمشروع الحركة الإسلامية القائم على تجييش الشباب وتحويلهم إلى وقود دائم للمعارك.

كان الطلاب اليافعون، الخارجون لتوهم من بيوت فقيرة وأحياء متواضعة، يُستقبلون بخطابات الحماسة والهويات المطلقة والشعارات الكبيرة.

لم يكن المطلوب منهم أن يسألوا أو يفكروا، بل أن ينخرطوا.

وهكذا، شيئاً فشيئاً، تحوّل قطاع واسع من الشباب من طلاب علم إلى مشاريع مقاتلين محتملين.

ثم جاءت النتيجة التي يعرفها الجميع.

ذهب كثيرون إلى محارق جنوب السودان أولاً، ثم إلى حماقات العراق وسوريا والصومال لاحقاً.

ضاع من ضاع في الصحارى والجبال والمدن البعيدة، وعاد من عاد بنصف روح ونصف جسد، مثقلاً بالكوابيس والعطب النفسي والأسئلة الثقيلة.

وبعضهم عاد ليكتشف أن الذين دفعوه إلى ذلك كانوا يعيشون في أمان كامل، يرسلون أبناء الناس إلى الموت، بينما يرسلون أبناءهم إلى الجامعات الأجنبية.

وفي تلك السنوات نفسها، عرف السودانيون كيف تُذل الجامعة حين تهيمن عليها عقلية العسكرة.

عرفوا مدير جامعة يأتي إلى مكتبه مرتدياً الزي العسكري وحاملًا لبندقية آلية، كأن المؤسسة الأكاديمية ثكنة لا صرح علم.

وكانت تلك الصورة وحدها كافية لتلخيص الكارثة كلها: اختلاط البندقية بالكتاب، وتحول الحرم الجامعي من مساحة للأسئلة إلى مساحة للأوامر والطاعة.

ولم يكن الخراب معنوياً فقط، بل كان خراباً ملموسًا رآه الناس بأعينهم.

عرفوه في المستوى المتدني للجامعات التي خرجت من التصنيفات العالمية كما يخرج المريض من غرفة الإنعاش إلى المقبرة.

وعرفوه في هجرة الأساتذة والباحثين، وفي أن البلاد، رغم كل الضجيج الأيديولوجي، لم تعرف خلال تلك العقود إسهاماً علمياً حقيقياً ولا باحثاً بارزاً على المستوى العالمي في معظم المجالات.

وعرفوه في المستشفيات المتهالكة، والمدن القبيحة المكدسة بالنفايات، والأوبئة التي كانت تزور البلاد كل موسم تقريباً، بينما كانت السلطة مشغولة بإدارة المعارك السياسية والأمنية.

فالبلاد التي تربي أبناءها على ثقافة التعبئة أكثر مما تربيهم على ثقافة العلم، تصل في النهاية إلى هذا المصير الطبيعي: جامعات ضعيفة، واقتصاد هش، ومجتمع مأزوم، وشباب موزعون بين المنافي والمقابر.

ولهذا يبدو تصريح الوزير عن “ثلاثة آلاف مقاتل” مخيفاً أكثر من كونه مستفزاً، لأنه يكشف أن الذهنية القديمة ما تزال حاضرة، وأن بعض أهل السلطة لم يتعلموا شيئاً من كل هذا الخراب.

فالجامعة، في تصورهم، ما تزال مستودعاً بشرياً يمكن السحب منه وقت الحاجة السياسية أو العسكرية.

لكن السودان تغيّر، ولو جزئياً.

والناس أيضًا تغيّروا.

هذا الجيل رأى بأم عينيه حصاد تلك السياسات.

رأى المدن المحطمة، والجامعات المغلقة، والطوابير الطويلة، والانهيار الصحي، والشتات الجماعي للكفاءات.

ولذلك لم يعد من السهل خداعه بالشعارات القديمة نفسها، مهما جرى تلميعها بلغة جديدة.

وزير التعليم العالى، بصفته طبيبًا أولًا، ورجلًا قيل إنه عمل في المملكة المتحدة وشاهد عن قرب كيف تؤدي الجامعات دورها الحقيقي في نهضة المجتمعات، يفترض أنه يعرف أن الجامعة الحديثة ليست مصنعًا للمقاتلين، بل مصنع للأفكار والابتكار والبحث العلمي.

ويعرف، أو يفترض أن يعرف، أن الدول المتقدمة لا تقيس نجاح جامعاتها بعدد من حملوا السلاح، بل بعدد براءات الاختراع، والأبحاث المحكمة، والمستشفيات التعليمية، والشركات الناشئة، والعقول التي تغيّر حياة البشر.

ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس مجرد نقد هذه التصريحات، بل طرح مشروع مختلف جذرياً لإنقاذ التعليم العالي من هذا الإرث الثقيل.

أول الطريق يبدأ بتحصين الجامعات قانونيًا من أي نشاط عسكري أو تعبوي.

يجب أن تصبح الجامعات مناطق محمية بالقانون، يُجرَّم فيها استغلال الطلاب عسكريًا.

فالطالب يدخل الجامعة ليتعلم، لا ليُستقطب إلى معركة.

ويأتي بعد ذلك إصلاح البيئة الأكاديمية نفسها: إعادة الأساتذة المفصولين والمهاجرين، ورفع الإنفاق على البحث العلمي، واستقلال الجامعات إدارياً ومالياً عن الأجهزة السياسية والأمنية.

فلا علم ينمو في مناخ الخوف والتبعية.

كما ينبغي إعادة بناء المناهج الجامعية على قيم التفكير النقدي، لا على التلقين العقائدي.

فالجامعة الحقيقية لا تنتج تابعين، بل مواطنين قادرين على السؤال والمراجعة والنقد.

وهذا بالضبط ما كانت تخشاه الأنظمة الشمولية دائمًا.

ومن الضروري أيضًا إنشاء برامج دعم نفسي واجتماعي للطلاب الذين عاشوا الحرب، أو جرى تجنيدهم، أو فقدوا أسرهم، لأن جيلاً كاملاً خرج من هذه السنوات مثقلاً بالصدمات والخسارات.

ولا يمكن بناء تعليم محترم فوق أرواح منهكة ومكسورة.

أما القضية الأعمق، فهي إعادة تعريف الوطنية نفسها في الوعي العام.

فالوطنية ليست أن يموت الشاب في حرب عبثية، بل أن يجد فرصة ليصبح طبيباً جيداً، أو مهندساً، أو باحثًاً، أو معلمًا، ثم يسهم في تحسين حياة الناس.

فالدفاع الحقيقي عن الوطن يبدأ من المعمل، ومن المكتبة، ومن المستشفى، ومن قاعة الدرس، لا من تحويل الجامعات إلى ممرات نحو الجبهات.

لقد جرّب السودانيون طويلاً وصفة العسكرة والتعبئة، وكانت النتيجة هذا الخراب الهائل الذي يحيط بالبلاد من كل جانب.

ولذلك فإن أكثر ما يحتاجه السودان اليوم ليس مزيداً من المقاتلين، بل مزيداً من العقول الحرة، والجامعات الحقيقية، والطلاب الذين يحلمون بالحياة لا بالموت.

فالبلاد التي يتحول فيها الكتاب إلى ظل للبندقية، تخسر الاثنين معًا.

muhammedbabiker@aol.

co.

uk.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك