منذ عقد من السنين، وفي احتفالية إيلاف بمرور خمسة عشر عامًا على انطلاقها، قرأت مقالًا لعبد القادر الجنابي، وكان مسؤول التحرير حينها وتحية له أينما كان.
في حينه، الرجل قال كلامًا ظاهره موجع بل ربما مؤلم، وصف الرجل كتاب الرأي في إيلاف بأنهم مشردون ولاجئون وتعبيرات أخرى.
بعد لحظة انفعال قصيرة، أعدت قراءة الطرح بهدوء، فاكتشفت أن الرجل لمس حقيقة، على الأقل بالنسبة إلي، إذ إنني كنت لتوي قد أقصيت من جريدة كبرى واسعة الانتشار بسبب صدام فكري ليس هذا وقت شرحه، ولكنني أتذكر أنني شعرت وقتها بالضياع، فما أكتبه سيظل شهقة مكتومة إلى أن أجد متنفسًا أطلق منه الشهقة المختزنة في صدري، وكان نجم إيلاف وقتها يبدو ساطعًا وكنا في نهاية العقد الأول من القرن الجديد، إلا أنني كنت أعتقد أن مثل هذه البدع الرقمية هي ومضات ستنطفئ عاجلًا أو آجلًا، لكن كان لي تجربة سابقة مع أحد المواقع فقد أرسلت مقالًا وذهلت عندما وجدته منشورًا بعد ساعة، أما في الصحيفة الورقية فلا نشر قبل أسبوع أو لا ينشر لأسباب فنية وأخرى غير فنية.
ودون سابق معرفة راسلت عثمان العمير وكنت، ولا زلت ولا أعرف لماذا، أظنه مغاربيًا لأنني لو كنت أعلم ساعتها موطنه الحقيقي لترددت كثيرًا نتيجة تراكمات فكرية ثبت أنني مخطئ بشأن كثير منها، وأذكر أنني قلت له إنني أحتاج متنفسًا، فقد كان الوضع في مصر على وشك الانفجار ولا تقبل الصحف المصرية طروحاتي لحدتها في مواجهة نظام كنت أراه فاسدًا ومترهلًا وعلى وشك الانهيار، بالإضافة بالطبع لكوني وقتها شبه مجهول في أوساط الصحافة المصرية.
نعود إلى إيلاف، فقد فوجئت بفريق التحرير يراسلني مرحبًا وبدأنا التحليق في فضاء إيلاف رويدًا رويدًا، وفوجئت بعدم وجود سقف للحرية وتوغلت في عرض طروحات أقل ما توصف به أنها خطرة، ولا شك جلبت مشاكل لإيلاف وناشر إيلاف، لكنني كنت دائمًا أسير في الخط الذي ارتضيته لنفسي وهو لا إهانة أو تحقير لشخص أو عقيدة أو عرق، ومع الوقت ومع ظهور شبه منتظم أحسست أنني جزء من إيلاف، دعم هذا الشعور بقوة التعامل الراقي والاحترافية الشديدة من فريق تحرير مميز، ومع موات حركة النقد في مصر بدأت في إرسال طروحات نثرية من تلك التي كان الجنابي يطلق عليها وقتها الإيقاعات الخاصة مستغلًا مرورها عليه كناقد، وكلما نشر طرح نحيته جانبًا وكونت من تلك الطروحات ديوانًا كاملًا تم نشره ولاقى نجاحًا غير قليل.
واليوم ونحن نحتفل بربع قرن من عمر إيلاف، أحتفل أنا أيضًا بمرور عقد ونصف من الانتماء إليها وشرف الانضمام لقائمة كتابها المحترمين، ولم تعد إيلاف مجرد موقع إلكتروني، فقد صارت منصة فكرية وسياسية وثقافية واجتماعية تواكب كل جديد، رافعة سقوف الحرية إلى حدودها القصوى.
تحية لإيلاف ولناشرها ولقرائها وإدارتها ومحرريها وكل منتسبيها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك