امتد مسار الممثلة الإسبانية كارمن ماورا (80 عاماً) في السينما أكثر من خمسة عقود.
عُرفت، قبل كل شيء، بصفتها إحدى أبرز ملهمات بيدرو ألمودوفار، منذ خطواته الأولى (أدوار نساء على حافة الانهيار، لكنهن يصارعن بشجاعة).
تعاونت مع مخرجين آخرين، إسبان ومن جنسيات أخرى.
رغم جسدها غير المثالي (تسمّيه" جسد فقير" ).
استطاعت أن تخلق، بسحرها الخاص وروحها الجميلة وحضورها المشع، حالات تجسيد لا تخطئ طريقها إلى قلوب المشاهدين.
أفادت كثيراً من خلفية ممارسة الغناء بالمسارح ـ المقاهي في شبابها، وجعلت من علاقة الاحترام الخاصة بالكاميرا سرّاً مهماً يفسر تألقاً، تترجمه جوائز مهمة نالتها (3 غويا، وهذا رقم قياسي، كان، سيزار، إلخ).
في" زنقة مالقة" للمغربية مريم التوزاني، تؤدي دور ماريا أنخيليس الثمانينية، الساعية إلى الحفاظ على المنزل، الذي عاشت فيه منذ طفولتها، بعد عزم ابنتها، القاطنة بمدريد، على بيعه، لحلّ أزمة مالية.
تتمسك ماريا برابطها الروحي بالزقاق، الذي تبدو أجواؤه وناسه الأمر الوحيد القادر على إنقاذها من عزلتها.
فيلم يطرح تساؤلات عميقة عما يصنع كنه الإنسان، وكيف تسهم الأماكن والأغراض والمناخات بعمق في تكوينه، فيغدو ابتعاده عنها بمثابة اقتلاع نبتة من جذورها.
تفلح ماورا في ترجمة لحظات إنسانية صادقة، خاصة تلك التي تقتفي نشوء علاقة حميمة تجمع ماريا بعبد السلام (أحمد بولان)، بائع الأثاث العتيق، وتقاربهما الجسدي غير المكترث بوقع السنين على الأجساد العارية.
الجانب الكوميدي بالفيلم يدين بالكثير لبراعتها وأداء نظراتها، خاصة في مشاهد تردّد ماريا على صديقة طفولتها الراهبة خوزيفا (ماريا ألفونسو روسو)، لتفرغ عليها ما في قلبها، فيثير التباين بين المرجعية القدسية للكنيسة والطابع الجنسي لاعترافات ماريا ضحك الجمهور.
(*) اشتغلتِ مع مخرجين كبار، أمثال بيدرو ألمودوفار وكارلوس ساورا وفرناندو ترويبا وفرانسيس فورد كوبولا وأندريه تيشيني.
ماذا يمثل لك دورك في" زنقة مالقة"، نظراً إلى رصيدك الغني من الأفلام والتجارب؟أؤدي كل دور يُطلب مني بكل الحب الممكن، لأن الكاميرا ستغضب مني إذا لم أفعل ذلك.
عليّ تأدية الدور دائماً كأن الأمر يتعلق بفيلم تتوقّف عليه حياتي.
سيظل" زنقة مالقة" مميزاً دائماً، لأنه لم يكن سهلاً، ولأن لدى مريم رؤية واضحة وكاملة للشخصية الرئيسية في ذهنها، وهي حاسمة للغاية.
لم تترك لي أي حرية تُذكر.
هذه المرة، كنت أقل حرية في مساري، لأن مريم واضحة جداً في كل شيء تطلبه مني.
قلت لها: " إذا حصلتُ على جائزة أفضل ممثلة، فستأخذين نصفها"، لأنها بشكل ما وجّهتني بكل شيء: طريقة الكلام، الإيماءات.
سيظل هذا الدور مميزاً أيضاً، لأننا بالفيلم حققنا نجاحاً كبيراً، ولأني عندما أشاهده بصالة سينما، أستشعر سعادة الناس الغامرة وتأثرهم.
ما أنتظره من الأفلام أن يحبها الناس، وأن تحقق أرباحاً جيدة.
لو لم أكن ممثلة، ربما كنت سيدة أعمال ناجحة.
أحب كثيراً عندما تحقق الأفلام أرباحاً.
هكذا يكون الجميع سعداء، بمن فيهم المنتجون.
نبذل جميعنا جهداً هائلاً في صناعة الأفلام، وهذا مكلف مادياً.
عندما لا يشاهدها الناس، يعاني كثيرون جراء ذلك.
كما أن إنتاج أفلام ناجحة يُمكِّننا من تحقيق أفلام جديدة.
لذا، أصرّ كثيراً على ذهاب الناس إلى السينما.
أقول في المقابلات: " اذهبوا إلى السينما ولو مرة واحدة في الأسبوع على الأقل، من فضلكم".
حتى لو كانت شاشة التلفاز لديكم كبيرة جداً، هذا لا يقارن بالسينما.
شخصياً، أحرص على الذهاب إلى السينما مرة واحدة في الأسبوع.
صغيرةً، تعين عليّ الاعتراف بالخطايا كل يوم خميس للراهب.
حتى لو لم تكن لديك خطايا، عليك ابتداعها.
(*) هذا يُذكّر بمشاهد اعتراف ماريا لصديقتها الراهبة خوزيفا، ما يقود إلى الكوميديا الحاضرة بالفيلم.
في لقائي مريم، أخبرتها أنه يمثل تجربة جديدة في مسيرتها السينمائية، إذ يمكن اعتباره دراما كوميدية صريحة.
يرجع الفضل في ذلك إلى أدائك، لكون الكوميديا مسألة إيقاع أولاً.
كيف ناقشت معها الجانب الكوميدي، وكيف اشتغلت عليه؟الجميع مندهشون جداً بمشاهد الاعتراف.
أتذكر أن السكريبت كانت تقول لي: " أنت وحدك من يمكنها قول هذه الأشياء".
جمل الحوار قوية جداً.
قلت أشياء جريئة كثيرة في الأفلام، لكنها المرة الأولى التي أتحدث عن أمور الجنس بهذه الطريقة.
استمتعت بذلك كثيراً.
لا أفكر في إضحاك الناس أبداً.
في موقع تصوير، إذا ضحك الفريق لقيامي بأمر ما، أبقى جادة تماماً.
لا أضحك أبداً في مواقع التصوير، لأني لا أنوي إضحاك الناس.
إذا كان النص طريفاً، وأديته بطريقة طبيعية، يضحك له الناس.
في أول فيلم لي مع ألمودوفار، كان يطلب مني: " قولي هذا، افعلي ذلك".
الوحيدان اللذان يضحكان على البلاتوه هما ألمودوفار وأنا.
لكن، في عروض الفيلم، ضحك الجمهور أيضاً.
تساءل أفراد الفريق: لكن، لماذا يضحكان هكذا؟جوهر الفكاهة موجود بالداخل.
أراه كل الوقت.
ما أفعله دائماً، عندما تكون هناك أشياء طريفة في السيناريو، أن أضحك كالمجنونة عند قراءتها في المنزل.
لكن، في التصوير، لا أضحك.
أفضل طريقة لتمثيل الكوميديا ألا تكون واعياً بأنك تمثلها.
الحياة برمتها مفعمة بها، وإذا نظرت قليلاً حولك، تجدها في كل مكان.
(*) كيف وجدت طنجة؟ أكان إحساسك بها قريباً من إحساس الشخصية، أم مختلفاً عنها؟أعجبتني كثيراً.
أوصي بها جميع الإسبان.
في كل مقابلة، أقول: " ينبغي أن تذهبوا إلى طنجة، وتتعرفوا عليها، لأنها قريبة منا".
صورت فيلماً فرنسياً بعنوان" حريم السيدة أوسمان" لنذير مقناش بالرباط والدار البيضاء.
لكني لم أعش التجربة كما عشتها أثناء تصوير هذا الفيلم.
في طنجة، أقمت في منزل جميل جداً، على الطراز القديم، وقريب جداً من منزل الشخصية.
عشت تجربة الشارع حقاً.
كنت أتسوق وأتجول في محيط المنزل.
في المرة الأولى التي وصلت فيها، تُهتُ، فساعدني جميع من التقيتهم.
لم أخف، ولم أشعر بالخطر.
طنجة مكان سهل للعيش.
إلى ذلك، يمكن اقتناء أشياء مختلفة من المحلات المنتشرة على الطريق.
في المغرب، هناك نور خاص في كل مكان، والناس رائعون.
صحيح أني كنت أشعر بإحباط لعدم إتقاني العربية.
لكن، كنا نفهم بعضنا البعض.
(*) ما ردة فعلك عندما قرأت سيناريو التوزاني أول مرة؟وجدته رائعاً.
أردت مكالمتها.
قيل لي إن اجتماعاً سيُعقد مع المساعدين والوكلاء أولاً.
رفضت.
أردت التحدث معها مباشرة.
انتظرت طويلاً، ثم انتفضت: " إذا لم تعطوني رقم هاتفها، سأتصل بالسفارة للحصول عليه".
عندها، أعطوني إياه.
اتصلت بها: " أحببت السيناريو الذي كتبتِه.
إذا شئتِ، سأعمل معك عليه".
حدّدنا موعداً في مدريد.
قالت لي: " أول شرط: ستعملين يومياً تقريباً، لأنك ستظهرين في كل المشاهد.
سيكون الأمر صعباً قليلاً.
ثاني شرط: ستتعرّين في مشهد".
أجبت: " موافقة".
كرّر نبيل (نبيل عيوش، منتج الفيلم ـ المحرّر) سؤاله: " حقاً؟ ستظهرين عارية؟ ".
كنت أجيب بنعم.
هناك ممثلون مغاربة عديدون رفضوا تأدية دور الرجل، قبل موافقة أحمد بولان.
بالنسبة إلى المغاربة، الأمر أصعب.
حتى في مشاهد العري، الممثل أكثر تحفظاً مني، وأكثر توتراً وقلقاً.
لكن الأمر سار على ما يرام.
(*) تقول مريم إن الفيلم عن الحِداد.
قلتُ لها إنه يتناول الوحدة أيضاً، ووافقتني.
ماذا يتناول برأيك؟الوحدة أمر مقدس.
أحب أن أكون وحيدة.
إنها هدية من السماء.
عندما تكون صغيراً، لا تعرف ماهية المال مثلاً.
الأمر سيان مع الوحدة.
يجب أن تتعلّم أن تكون وحيداً.
هذا مهم جداً.
هناك أناس لا يتحملون.
لديّ ولدان وحفيدة صغيرة، وأمضي نحو ثلاثة أيام في الأسبوع بمنزلي، أحتاج فيها إلى أن أكون وحيدة.
أعتقد أن هذا يجب تعلّمه منذ الصغر.
لا تكون حرّاً فعلاً إذا كنت تخشى الوحدة.
الآن، أسافر دائماً رفقة شخص ما.
لكن، في رحلاتي السابقة إلى كولومبيا وفنزويلا والمكسيك، سافرت بمفردي.
يجب أن تكون قوياً، وإلا ستصاب بالاكتئاب.
لا أتصور أن أكون مكتئبة، وأجد ذلك مضيعة للوقت.
مؤخّراً، زرت الأرجنتين.
اكتشفت أن لكل شخص تقريباً طبيباً نفسياً.
لم أحتج إلى طبيب نفسي أبداً.
أعتقد أني أحلّل غالباً مشاعري بنفسي.
في السينما، الممثل يفعل كل شيء: يقتل، يضحك، يبكي.
عندما يتزامن ذلك مع مشاعره الخاصة، يكون الأمر رائعاً.
تخيل أن يتعين عليك تصوير مشهد مُبك، تزامناً مع رغبتك في البكاء.
هذا رائع.
وإلا، بوسعهم أن يضعوا قطرات من محلول في عينيك لمساعدتك.
اشتغلت في فيلم رعب بعنوان" المسنّة المجنونة" لمارتن ماوريغي.
هناك دم في كل مكان.
ارتكبتُ فيه أفعالاً فظيعة.
قتلت وعذّبت.
في لحظة، قطعت إصبع أحدهم، ولم أتصور أني سأستطيع فعل ذلك.
شاهدته مرة واحدة ولا أستطيع مشاهدته مرة أخرى.
لا أفهم كيف استمتعت به.
في الفيلم الذي تلاه، أديت دور امرأة مختلفة تماماً.
أحياناً، يسألني الناس عن مهنتي، لأنهم لا يتعرفون عليّ.
رائع أني لا أبدو ممثلة بنظرهم.
هذا يسمونه في إسبانيا" جسدٌ فقير".
جسد يمكن أن يتنكر بأي شيء.
مثّلت في" قانون الرغبة" لألمودوفار بهذا الجسد.
أتتخيل ذلك؟ عندما شاهدت مشهد خرطوم المياه، خجلت كثيراً في القاعة.
إنه سحر الكاميرا.
الأمر يعتمد على المكان الذي تضع فيه الكاميرا.
لم أحضّر لتأدية علاقتي بعبد السلام.
كل منا اشتغل على دوره بمفرده.
الأمر أصعب له، لأنه يتحدث الإيطالية لا الإسبانية.
لذا، بذل جهداً كبيراً.
لم أحضر أبداً دروساً في التمثيل.
كنت أجيد منذ صغري اللعب بأي شيء.
ما أفعله بجدية شديدة، ويستغرق مني ساعات طويلة، التحضير الجيد للنص الذي سأقوله، لوضعه في جسدي، بحيث تخرج الكلمات مني بشكل طبيعي.
هناك ممثلون يعتمدون على طرق أخرى، لا ترتكز بالضرورة على حفظ النص.
بعد ذلك، عندما أتعلم نصي بشكل مثالي، إذا أراد مني المخرج ارتجال شيء، يمكنني ذلك.
مع بيدرو وأليكس دي لا إغليسيا، أرتجل أحياناً.
لكن، قبل ذلك، يجب دمج النص بالجسد كلمة بكلمة.
كل الجمل مهمة جداً.
لا يمكن تخيل كم أنه ممل هذا العمل.
أقوم به بمفردي.
في البلاتوه، أغدو أنا والشخصية واحدة.
لذا، لا أحب مشاهدة اللقطات الأولية، ولا أنظر أبداً في شاشة" الكومبو"، ولا إلى صور البلاتوه.
أحاول أن أكون متغلغلة في الشخصية.
لا أحب أن يقول لي المخرجون: " آه، كم كنت رائعة في هذه المشهد".
أنا الشخصية.
أنا لا أمثل.
آتي من المنزل والشخصية متغلغلة فيّ.
أحرص كثيراً على النوم ساعات كافية.
لا أفعل شيئاً آخر.
أحتاج إلى راحة تامة للاستعداد ليوم جديد.
لكن السرّ بنظري يكمن في حفظ النصوص.
يجب أن أعرف النص كلمة بكلمة، كما لو أنه مقدس.
(*) هل تستعينين أحياناً بتجاربك الشخصية لإبداع أشياء معينة؟ مثلاً: العلاقة بابنتك، التي كانت محورية في" زنقة مالقة".
لا.
فقط أطيع مريم.
هي تبتكر الأشياء.
لديها رؤية واضحة جداً.
لا يمكن اختراع شيء بداخلها.
بعد هذا الفيلم، ابتكرت الكثير في الأفلام الأخيرة التي صوّرتُها.
دي لا إغليسيا يترك الكاميرا تدور، ولا يستمع إلى ما أقول أحياناً.
إذا أردتُ الاستمرار في الحديث، يمكنني ذلك، لأنه يعشق شخصيتي، وبالتالي يمكننا اختراع الأشياء قليلاً معاً، حين يرغب في ذلك.
(*) كيف كان يعمل ألمودوفار معك؟ هل يترك لك مجالًا للارتجال؟ كيف يوجّهك؟كنا نتفاهم جيداً.
تصوير" بيبي، لوسي، بوم وبنات الحي الأخريات" عام 1980، كان جنونياً.
كنا نصور في عطلات نهاية الأسبوع فقط.
لا أعرف إذا أمكن تصنيف ما جرى حينها ارتجالاً.
هناك خليط من كل شيء.
بيدرو يقول أشياء غريبة، فنرد عليه بأغرب منها.
ثم يهتف: " هيا، سنبدأ التصوير".
كنا نستطيع الارتجال، لأن كل شيء غير متوقع.
تلك المرة الوحيدة التي عملت فيها بنوع من الارتجال أمام رجال شرطة، يخبروننا بعدم إمكانية التصوير.
كنا نتظاهر بقول: " حسناً، سنرحل".
فجأة، يهتف بيدرو: " كاميرا.
تصوير".
واصلنا التصوير حتى من دون ترخيص.
لم نكن نمتلك أي شيء حينها، فواصلنا التصوير في عطلات نهاية الأسبوع، عاماً كاملاً، بينما كنا نشتغل أشياء أخرى بقية الأيام.
كنت الوحيدة التي لديها مال قليل، لأني كنت أعمل في مقهى مسرحي.
(*) معروف أن الممثلات حين يتقدمن في السن، يغدو صعباً عليهن تأدية أدوار رئيسية.
لم أواجه أبداً مشكلة في هذا الشأن.
ظللت أعمل الوقت كله.
في البداية، كنت بحاجة إلى العمل.
وما إن انطلقت، حتى مُنِحت أدواراً رئيسية باستمرار.
في أفلامي الثلاثة الأخيرة، أديت ثلاثة أدوار رئيسية.
هذا جيد، فبهذه الطريقة، نرى أن كبار السن يمكنهم أن يكونوا أبطال القصة أيضاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك