حين هزّ ليونيل ميسي شباك النمسا، لم يكن ذلك الهدف مجرد رقم إضافي يُسجل في سجله الطويل؛ بل كان تجسيدًا للحظة استثنائية تعيد فيها بطولة كأس العالم صياغة علاقتها الأزلية بالرجل نفسه.
هي علاقة متقلبة وفريدة؛ تارة تختبر إصراره، وتارة تنقذه من فجوة درامية في روايته، وتارة أخرى تمنحه مجدًا لتؤكد للعالم أجمع أن فصول النهاية لم تُكتب بعد.
تجاوز ميسي رقم المهاجم الألماني ميروسلاف كلوزه وصار الهداف التاريخي لكأس العالم.
رقم كان يبدو محروسًا بذاكرة ألمانية باردة وبسنوات من الثبات، قبل أن يأتي الأرجنتيني في سن التاسعة والثلاثين تقريبًا ليكسره على طريقته بخبرة لاعب يعرف أين يقف، متى يتحرك، وكيف يحوّل اللحظة الصغيرة إلى حدث كبير.
لكن كأس العالم لا يقدم الأرقام لميسي، فقد امتلك الأرقام قبل وقت طويل، وامتلك الكرة الذهبية، والألقاب مع الأندية، والمهارة التي جعلته خارج المقارنات اليومية.
ومع ذلك، ظلّت بطولة كأس العالم مساحة مختلفة في قصته.
كانت البطولة التي تمنحه المجد حينًا، وتسحب منه الطمأنينة حينًا آخر، وتتركه دائمًا أمام سؤال لا يطرحه أي لقب آخر: هل اكتملت الحكاية فعلًا؟ميسي.
من طفل 2006 إلى صاحب الذاكرة الأطولظهر ميسي في كأس العالم لأول مرة عام 2006 بوصفه موهبة واعدة في ظل أسماء كبرى داخل المنتخب الأرجنتيني.
كان حضوره يومها أقرب إلى إشارة للمستقبل منه إلى قيادة للحاضر.
حينها كان العالم يعرف أن لاعبًا استثنائيًا وُلد في برشلونة، لكن بطولة كأس العالم لا تمنح الاعتراف النهائي بسهولة.
وفي 2010، ذهب إلى جنوب إفريقيا وهو نجم عالمي بالفعل.
غير أن البطولة خرجت من بين يديه ومن بين يدي دييغو مارادونا المدرب، وبقيت صورة الأرجنتين مرتبكة أمام ألمانيا، كما لو أن الموهبة وحدها لا تكفي حين يضيق المسرح وتتراكم التفاصيل.
وفي عام 2014، اقترب ميسي من الكأس أكثر من أي وقت مضى.
قاد الأرجنتين إلى النهائي، فاز بجائزة أفضل لاعب في البطولة، لكنه غادر ملعب ماراكانا ووجهه عالق بين التعب والحسرة.
وصنعت تلك النسخة واحدة من أهم صور مسيرته: لاعب يلمس المجد بعينيه ولا يأخذه بيديه.
بعدها جاءت بطولة عام 2018 كمرحلة قاسية.
منتخب مرتبك، خروج مبكر أمام فرنسا، وشعور بأن الزمن يضغط على أسطورته من كل جهة.
بدا كأن بطولة كأس العالم تمنح ميسي امتحانًا جديدًا كل أربع سنوات، لا كي تقيس موهبته، فقد كانت محسومة، إنما كي تختبر قدرته على حمل بلد كامل فوق كتفيه.
لكن كل شيء تغيّر في مونديال قطر 2022.
لم يعد ميسي يطارد كأس العالم من موقع النقص، بل من موقع اللاعب الذي يعرف أن هذه قد تكون فرصته الأخيرة لإراحة الذاكرة.
كانت البطولة هناك أقرب إلى رحلة تصالح طويلة.
بدأتها الأرجنتين بخسارة صادمة أمام السعودية، ثم تحولت تدريجيًا إلى فريق يعرف كيف ينهض من الخوف.
كان ميسي هدافًا وقائدًا ووجهًا ونبرة وذاكرة تمشي على العشب.
حين رفع الكأس في لوسيل، بدا أن السيرة أُغلقت أخيرًا.
تلك كانت النهاية التي انتظرها كثيرون: ميسي بطلًا للعالم، الأرجنتين عائدة إلى القمة، وجدل الإرث وقد وجد خاتمته الأكثر شاعرية.
غير أن كرة القدم لا تحب النهايات المرتبة كثيرًا.
لذلك عاد ميسي إلى كأس العالم 2026 جديد بطلًا يعرف أن كل دقيقة إضافية ستُقرأ كجزء من الوداع.
كسر رقم كلوزه يمنح ميسي مكانًا جديدًا في سجل البطولة.
الهداف التاريخي لكأس العالم ليس لقبًا صغيرًا، خصوصًا أن هذا الرقم كان طويلًا مرتبطًا بمهاجم متخصص، لعب داخل ماكينة ألمانية تعرف كيف تذهب بعيدًا وتمنح مهاجميها الفرص.
ميسي جاء إلى الرقم من طريق مختلف.
ليس رأس حربة تقليديًا، ولا لاعب منطقة جزاء فقط.
أهدافه في كأس العالم جاءت من ركلات جزاء، وتسديدات، ولمسات حاسمة، ومباريات كان فيها صانع اللعب والهداف والقائد في وقت واحد.
لذلك يبدو الرقم في حالته أكثر من حصيلة تهديفية.
إنه شهادة على طول البقاء داخل أعلى مستوى من الضغط.
فبعد ثلاثية الجزائر وثنائية النمسا، بدا كأن ميسي يختصر سنواته كلها في أسبوع واحد.
لم يكن يتحرك كمن يريد سرقة الضوء من جيل جديد، بل كمن يعرف أن الضوء يتبعه حتى حين يحاول المشي بهدوء.
في كل لمسة، هناك ذاكرة 2006.
في كل احتفال، هناك ظل 2014.
في كل هدف، هناك صدى 2022.
على الرغم من الأمجاد التي طوّق بها ميسي مسيرته، فإنه لا يزال يظهر في الميدان كمن يقتفي أثر شيء ما؛ شيء ليس بالضرورة لقبًا غائبًا، أو رقمًا قياسيًا مفقودًا، أو اعترافًا مؤجلًا بعبقريته، بل لعله يطارد الفهم الحقيقي لمعنى الختام ذاته.
كيف لأسطورة بحجم ميسي أن يخط مشهده الأخير في رواية المونديال؟ هل تكفيه الكأس التي عانقها؟ أم يغريه لقب الهداف التاريخي؟ وهل يكفي أن يعود بطلاً يذود عن عرشه؟ أم أن كتابة النهاية في قاموسه المستعصي لا تختزلها لقطة منفردة، بعدما تحولت مسيرته إلى سلسلة ممتدة من الوداعات المؤجلة؟وفي غمار منافسات مونديال 2026، ترتسم ملامح العمر وتجاعيد الزمن على وجه ميسي بوضوح، غير أن بريق السحر لم يبرح قدميه قط؛ إذ لم يعد بحاجة إلى الجهد البدني، بل غدا مهندسًا يختار المساحة بذكاء عوضًا عن مطاردتها، يهدئ الإيقاع تارة ويفجره تارة أخرى، يتلاشى عن الأعين ثوانٍ معدودات ثم يتجلى بغتة في اللحظة التي تحسم مصير المباراة.
يتقن الرجل ترويض الزمن داخل المستطيل الأخضر.
ومع كل هدف جديد يهز به الشباك، يزداد رصيده الرقمي وتزداد معضلة السؤال ثقلاً؛ فالجماهير التي ذرفت دموعها في مونديال 2022 لم تكن تترقب رحيله الفوري عقب بلوغه ذروة الكمال الكروي، بل تمنت لو يبقى قليلاً، ليمنح البطولة فصلاً ممتدًا أخيرًا، ويلعب بشغف من يودع الملاعب دون أن ينطق بكلمة الوداع.
لا ينفصل حضور ميسي في مونديال 2026 عن صعود جيل شاب يركض بجموح لوراثة المسرح كليًا؛ فها هو كيليان مبابي يزحف بخطى حثيثة نحو الأرقام الكبرى، بينما يتحرك نجوم آخرون في بطولة موسعة باتت تمنح هوامش أكبر للتهديف وإعادة ترتيب العروش.
ومع ذلك، لا يخوض ميسي سباق المقارعة مع هؤلاء بالأدوات نفسها؛ إذ يقف وحيدًا في منطقة مغايرة تمامًا، منطقة النجم الذي تحول إلى مرجع أصيل للمقارنة التاريخية قبل أن يُسدل الستار على مسيرته.
وربما يأتي يوم قريب ينجح فيه مبابي، أو نجم صاعد لم يبلغ ذروته بعد، في تحطيم أرقامه؛ فسجلات كأس العالم لم تُكتب لتبقى مغلقةً إلى الأبد.
يدرك ميسي أن الأرقام وُجدت لتُكسر، في حين تظل الصياغة الفريدة التي عاش بها تفاصيل البطولة عصيةً على التكرار.
فلم تكن حكايته مع المونديال خطًا مستقيمًا ممهدًا نحو المجد، بل كانت مزيجًا من عثرات متتالية، وانتظار مرير، وحسرات انجلت أخيرًا عن تاج مرصع، تلتها عودة استثنائية بعد التتويج؛ ولهذا يغدو أي رقم جديد يحرزه اليوم فصلاً حيويًا في الرواية لا خاتمة مطلقة لها.
إن كسر رقم الهداف التاريخي يتجاوز لغة الأرقام الجافة، فهو لا يلغي ارتباطه الأزلي ببطولة لا يزال يبحث في كل مواجهة من مواجهاتها عن لحظة صدق تخبره بأن النهاية، حين تحل، ستكون جديرة بكل هذا العناء والشغف.
قد يلوح للبعض أن كأس العالم قد جادت على ميسي بكل ما يشتهيه، لكنه في كل مرة يطأ فيها العشب الأخضر، يذكرنا بأن روعة بعض الأساطير لا تُختزل بلقب، ولا برقم، ولا حتى بلقطة الختام المثالية؛ إنما تنتهي فقط حين يفقد اللاعب قدرته الخارقة على جعل العالم يحبس أنفاسه انتظارًا للمساته، كما لو كانت اللمسة الأولى في مسيرته.
وحتى هذه اللحظة، لم يحدث ذلك بعد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك