قبل عام واحد فقط من الجلسة البرلمانية التي عقدت أمس الأربعاء في مجلس النواب الإسباني، كانت حكومة بيدرو سانشيز تتمتع بكل المؤهلات للتغلب على واحدة من أصعب الأزمات السياسية الداخلية التي واجهتها آنذاك، وهي قضية الفساد المعروفة باسم" سيردان"، والتي طاولت الرجل الثاني في الحزب.
يومها خرج سانشيز أمام البرلمان في خطاب حاسم، قدّم فيه نفسه بصورة الزعيم القادر على تنظيف مؤسسته من الفساد، ومواصلة مشروع الحكومة التقدمي عبر تقديم حزمة من الإجراءات والمبادرات الحكومية الخاصة بمكافحة الفساد.
أتاحت هذه الخطوة لسانشيز استعادة زمام المبادرة أمام المعارضة، واستعادة التوازن الداخلي، وإقناع حلفائه الهشين في البرلمان الإسباني أن الحكومة لا تزال ماضية في خطتها حتى نهاية الولاية التشريعية، غير أن الجلسة البرلمانية الأخيرة التي عقدت، أظهرت بشكل واضح أن رئيس الوزراء الإسباني لم يعد يمتلك تلك الأدوات والإجراءات نفسها لمواجهة التحديات المتزايدة التي تهدد استقرار حكومته اليوم: قضايا الفساد المفتوحة ضد حزبه؛ قضية الفساد واستغلال النفوذ المرتبطة بداعمه الأول خوسيه لويس ثاباتيرو، رئيس الوزراء الاشتراكي الأسبق، وقضية زوجته التي تعيّن عليها أمس أن تسلم جواز سفرها أمام القاضي، وقضية أخيه وما عليه من اتهامات من استغلال نفوذ واختلاس أموال.
ورغم أن سانشيز حاول أمام البرلمان الإسباني توضيح هذه النقاط كلها، تاركاً للعدالة أن تأخذ مجراها، بدا رصيده السياسي متآكلاً، خصوصاً أمام ضغط الحلفاء الذين بدؤوا يتململون من كثرة القضايا.
وإذا كانت مشكلة سانشيز في السابق مع حزبي المعارضة اليمينية المحافظة والمتطرفة، فإن مشكلته اليوم تطورت لتشمل كل الأحزاب التي تشكل البرلمان الإسباني، بما في ذلك الحلفاء.
وبات حزب جونتس" معاً لأجل كتالونيا"، والذي يعد أحد مفاتيح بقاء الحكومة، يستخدم القضايا المفتوحة ضد الحكومة، للضغط عليها من أجل تطبيق الاتفاقات الخاصة بكتالونيا، منتقلاً بذلك من موقع الحليف البرغماتي إلى موقع أكثر تشدداً وهجوماً.
وبات ينتقد سانشيز علناً ويتهمه بالكذب وبإطالة تطبيق الاتفاقيات الخاصة بالإقليم، ولا سيما تلك المتعلقة بقانون العفو المرتبط بالمسؤولين والناشطين الذي شاركوا في مسار استقلال كاتالونيا، إلى جانب عدم توزيع الموارد بموجب الالتزامات التي تعهد بها قبل منحه الثقة.
كما أن حليفه اليساري" بوديموس" يردد في كل مؤتمر صحافي أن الحكومة اليوم لم يعد لها أي جدوى، وأنها لم تقدم ما يكفي من السياسيات الاجتماعية والاقتصادية التي وعدت بها.
كذلك لا تتوقف التوترات عن الظهور مع الحزب القومي الباسي حول مسائل مرتبطة بإقليم الباسك.
قد يكون أبرز ما يهدد الحكومة الحالية هو غياب المبادرات السياسية.
فسانشيز يظهر اليوم في موقع مختلف عن ذلك الذي ظهر فيه في عام 2025: رئيس حكومة يحاول الدفاع عن استمرار حكومته بدلاً من تقديم مشروع سياسي أو مبادرات حقيقية.
ضمن هذا السياق، يبدو أن حكومته لم تعد تتحرك بمنطق بناء مرحلة جديدة وتقديم مشاريع سياسية، إنما بمنطق الحفاظ على ما تبقى من وقت من أجل موعد الانتخابات.
إضافة إلى ذلك، يدرك سانشيز صعوبة تمرير أي قانون في البرلمان الإسباني، ولا سيما في ظل مرحلة التآكل وعدم الثقة من قبل الحلفاء.
ولا تزال قوانين مثل برامج دعم الشباب، وحقوق الأقليات الجنسية، وملفات الإدارة التنموية، والتشريعات المتعلقة بالإسكان، والحماية من الإخلاء القسري، عالقة، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى رفض بعض الحلفاء تمرير هذه القوانين قبل الحصول على مكاسب خاصة بكل منهم.
غير أن الورقة السياسية الأخيرة والكبرى التي يمكن لسانشيز أن يعول عليها هي موازنة عام 2027، إذ إن الحكومة ترى في مشروع الموازنة فرصة لإبراز رؤيتها الاقتصادية والاجتماعية، علاوة على تقديم برنامج متكامل يمكن أن يشكل قاعدة لحملة انتخابية مقبلة.
مع ذلك لا تبدو الأمور واضحة، ذلك أن إمكانية الوصول إلى توافقية برلمانية حولها تبدو صعبة جداً، خصوصاً في ظل تواصل الدعوات لإجراء انتخابات مكبرة أو استبدال سانشيز بشخصية قادرة على تغيير المعادلات السياسية وبناء تحالفات جديدة غير هشة.
ضمن هذا السياق، تبدو حكومة سانشيز أنها دخلت فعلاً في مرحلة ما قبل الانتخابات، مع أنها ترفض الاعتراف بذلك.
لكن واقع الحال يقول إنها حكومة تتآكل تدريجياً ولا تحسن إلا إدارة الوقت من أجل انتظار انتهاء ولايتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك