في بوسطن، لا يبدأ الأثر الاقتصادي لكأس العالم من صافرة البداية، وإنما من لحظة وصول المشجع إلى المطار، ثم انتقاله إلى الفندق، وجلوسه في مطعم، وذهابه إلى الملعب في فوكسبرة.
بهذه السلسلة الصغيرة من الإنفاق، تتحول سبع مباريات في كأس العالم 2026 إلى فرصة اقتصادية واسعة لمدينة تمتلك أصلاً قاعدة قوية في السياحة والخدمات والتعليم والصحة.
ودخلت بوسطن كأس العالم وهي جزء من اقتصاد حضري ضخم.
فبحسب تقرير مؤتمر رؤساء البلديات الأميركيين الصادر في 20 يونيو/حزيران 2025، يُقدّر الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة بوسطن الحضرية بنحو 679.
2 مليار دولار خلال عام 2025، مقابل 648.
2 مليار دولار في 2024، أي بزيادة تقارب 31 مليار دولار خلال عام واحد.
وبهذا الحجم، تحتل بوسطن المرتبة الثامنة بين أكبر الاقتصادات الحضرية الأميركية.
من المطار تبدأ حركة المالتملك بوسطن بوابة جوية أساسية في شمال شرقي الولايات المتحدة.
فبحسب بيانات السياحة الرسمية في بوسطن الخاصة بإحصاءات الطيران لعام 2025، استقبل مطار لوغان الدولي نحو 43.
24 مليون مسافر خلال العام، بينهم أكثر من 10 ملايين مسافر دولي.
ورغم تراجع العدد الإجمالي قليلاً مقارنة بعام 2024، ارتفع عدد المسافرين الدوليين، وهو مؤشر مهم قبل بطولة تقوم أساساً على تدفق جماهير من الخارج.
ولا يقتصر دور المطار على استقبال المشجعين، لأن كل رحلة تعني إنفاقا لاحقا في النقل والفنادق والمطاعم والمتاجر.
ولهذا تبدو بوسطن في وضع جيد خلال المونديال، خصوصاً أنها تملك شبكة طيران دولية، وقطاع خدمات معتاداً على التعامل مع الزوار القادمين من أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية.
مدينة سياحية قبل كأس العالمقبل وصول كأس العالم، كانت بوسطن مدينة زوار بالفعل.
فبحسب تقرير مدينة بوسطن عن السكان والاقتصاد الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تستقبل المدينة نحو 20 مليون زائر سنوياً، بينهم قرابة ثلاثة ملايين زائر دولي.
ويشير التقرير نفسه إلى أن أحداثاً كبرى، مثل كأس العالم 2026 واحتفالات الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، قد تمنح اقتصاد السياحة المحلي دفعة إضافية.
وتملك المدينة قطاعاً فندقياً يعمل أصلاً تحت ضغط طلب مرتفع.
فبحسب التقرير ذاته، كان في بوسطن حتى يناير/كانون الثاني 2024 نحو 94 فندقاً تضم 24 ألفاً و38 غرفة.
كما وفر قطاعا الإقامة والطعام نحو 59 ألف وظيفة في عام 2023، وهو ما يعكس أهمية السياحة والضيافة في سوق العمل المحلي.
وتوضح بيانات السياحة الرسمية في بوسطن الخاصة بإحصاءات الفنادق لعام 2025 أن متوسط إشغال الفنادق بلغ 77.
3%، بينما وصل متوسط سعر الغرفة إلى 301.
97 دولار لليلة الواحدة.
وفي أشهر الذروة، تجاوز الإشغال 85%، ما يعني أن وصول جماهير البطولة قد يرفع الطلب على الغرف، خاصة في أيام المباريات الحاسمة.
اقتصاد المعرفة خلف المدرجاتلا تقوم قوة بوسطن على السياحة وحدها.
فبحسب تقرير السكان والاقتصاد، تمثل وظائف الصحة والتعليم 28.
4% من مجموع الوظائف في المدينة، بينما تستحوذ الخدمات العلمية والمهنية والتقنية على 14.
5%، والتمويل والتأمين على 10.
6%.
بالإضافة إلى تميزها بالجامعات والمستشفيات والبحث العلمي والخدمات المالية، ما يساعد المدينة على جذب المؤتمرات والفعاليات والشركات والزوار.
وبذلك تدخل بوسطن كأس العالم بوصفها مركز خدمات متقدماً قادراً على تحويل الحدث الرياضي إلى نشاط اقتصادي أوسع.
المطاعم جزء من تجربة الزائريذهب جزء مهم من إنفاق المشجع إلى الطعام، وهنا تمتلك بوسطن ورقة جديدة.
ففي 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أعلن دليل المرجع العالمي لتقييم المطاعم ومنح النجوم للمؤسسات المتميزة في عالم الطهي" ميشلان" إدراج بوسطن للمرة الأولى ضمن اختياراته، حيث دخل 26 مطعماً من بوسطن الكبرى إلى الدليل، بينها مطعم واحد بنجمة، وستة مطاعم ضمن فئة الجودة مقابل السعر، إضافة إلى 19 مطعماً موصى بها.
هذا الاعتراف منح قطاع المطاعم فرصة إضافية خلال كأس العالم، فالمشجع دائما ما يبحث عن تجربة كاملة تشمل الطعام، والمشي في المدينة، وزيارة المعالم التاريخية والثقافية، والعودة إلى الفندق بعد يوم طويل من النشاط.
ملعب في فوكسبرة وعائد في بوسطنتستضيف منطقة بوسطن سبع مباريات في كأس العالم 2026، وتشمل المباريات خمس مواجهات في دور المجموعات، ومباراة في دور الـ32، ومباراة في الدور ربع النهائي.
وتقام المباريات في ملعب بوسطن بمدينة فوكسبرة، وليس داخل حدود مدينة بوسطن نفسها.
وهذا التفصيل مهم اقتصادياً، لأن العائد لا يبقى في محيط الملعب فقط.
فالجماهير قد تنام في فنادق بوسطن، وتتناول الطعام في وسطها، وتستخدم مطارها وشبكات النقل فيها، ثم تتوجه إلى فوكسبرة يوم المباراة.
وهكذا يصبح الملعب نقطة النهاية في مسار إنفاق يبدأ غالباً داخل بوسطن.
واستقبلت المدينة مباريات منتخبات قطر وسويسرا وكوريا الجنوبية والتشيك وجنوب أفريقيا والمكسيك وإيران ونيوزيلندا وكرواتيا وغانا، إضافة إلى جماهير المباريات الإقصائية التي ستتحدد أطرافها لاحقاً، وهو ما عزز حركة السفر والإقامة والإنفاق السياحي.
أرقام كبيرة تحتاج قراءة حذرةبحسب تقرير إذاعة" جي بي إتش" المنشور في 11 يونيو/حزيران 2025، قال مسؤولون محليون إن مباريات كأس العالم قد تجذب نحو مليوني زائر إلى المنطقة، وأن الأثر الاقتصادي قد يتجاوز مليار دولار.
وفي تقرير آخر نشرته" إن بي سي بوسطن" في 29 إبريل/نيسان الماضي، وردت تقديرات للجنة المنظمة في بوسطن تتحدث عن أكثر من مليوني زائر، وسبعة آلاف وظيفة، وأكثر من 70 مليون دولار من الإيرادات الضريبية، ومليار دولار من الناتج الاقتصادي.
لكن هذه الأرقام تبقى تقديرية، لأنها لا تعني أن كل الزوار سيدخلون الملعب أو أن كامل الإنفاق سيبقى داخل بوسطن.
كما أن الاستضافة تحمل تكاليف في الأمن والنقل والتنظيم وإدارة الحشود.
لذلك فإن المكسب الحقيقي سيتحدد وفق عدد الزوار القادمين من خارج الولاية، ومدة إقامتهم، وحجم إنفاقهم في الفنادق والمطاعم والمتاجر ووسائل النقل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك