بين تفاصيل صاخبة، ثمة امتداد غير مرئي يجذب الروح نحو سكينة غامضة، مكان لا تقاس المسافة إليه بخطوات، بل بمدى ما يتركه في النفس من أصداء.
لم أعتقد يوماً أن تعقدني أربطة حريرية بتلك السيرة، وحتى هذا النفس الذي يدخل ويخرج من صدري، لا زال يقيني معه راسخاً في أعماقي، يدرك تماماً أن النجاة والطلب واللجوء مسارات حصرية متجهة إلى" الواحد الأحد" دون شريك أو وسيط.
لكنه إحساس يشبه الانجذاب الخفي نحو فكرة لا أملك لها تفسيراً، مجردة من المادة، تحلق بالوجدان في فضاء من الصفاء الخالص.
تأتي سيرة زاهدة اختارت المنبع الطاهر بيتاً، وجعلت من الفهم والمعرفة غاية.
وتغدو همساتها لم تقف عند حدود العبادة الصامتة، بل جعلت من ناصية العقل ملتقى يهزني ويتجاوز حدود التفسير التقليدي: فقيه الأمة العظيم، صاحب المذهب الراسخ، يجلس مستمعاً ومسترشداً برأيها، حريصاً على أن ترافقه دعواتها حتى في رحيله الأخير.
هذا الإجلال الفكري هو ما حرك ساكني؛ أن أرى في عمق التاريخ نموذجاً حياً لسيادة الوعي وبناء العقول، مما يمنح النفس دافعاً للسمو.
عندما تتأمل المشهد من بعيد، بعين طائر يرصد حركة القلوب دون أن يندمج في الزحام، تدرك أن السر لا يكمن في البناء أو الحجر، بل في" المعنى" الذي يرفرف فوق المكان.
الشرَك غبار تنأى عنه الفطرة الناصعة، والتوحيد هو الأفق الذي نتنفس فيه.
لذا، يصبح التأمل هنا فصلاً من فصول القراءة في كتاب القبول الإلهي؛ كيف يزرع الله محبة عبدٍ في قلوب الخلائق بعد رحيله بقرون؟لقد كانت رغبتها في العزلة والرحيل تقابلها رغبة شعبية عارمة في البقاء والاستزادة من علمها، حتى أصبحت أيامها مقسمة بين العطاء والنصيحة.
هذا التلاحم الروحي يعكس قيمة النقاء في أبهى صوره.
هذا تعلق بالنموذج الإنساني الأعلى.
عندما ترقب الأعداد الغفيرة التي تبحث عن الطمأنينة في تلك الأنحاء، لا ترى مجرد تجمع، بل توقاً بشرياً جماعياً للسلام الداخلي.
أتأمل من فضائي، أتابع بالقلب، وتتوحد المناجاة لخالق الكون وحده: «اللهم ارزقنا نصيباً من صدقها، وألهمنا إبحارا في درب المعرفة والنقاء».
هنا تتبدد كل الشبهات؛ فالمسألة ليست مساساً بجلال الألوهية، بل هي امتثال فكري لوِدّ طاهر، ومحاولة لشحذ الهمة الإنسانية بالاقتداء بمن قادوا سفن العلم والزهد.
في هذا الفضاء، تتراجع الماديات وتصغر الأهداف الدنيوية، تتأمل سيرة إنسانة حفرت مستقرها الأخير بيديها، وقرأت فيه آيات الذكر الحكيم آلاف المرات قبل الانتقال، فيتحول المشهد كله في ذهنك إلى لوحة من التجرد الكامل.
هذا هو الرابط الذي أقصد؛ أن تشعر بقرابة روحية مع فكرة تشع بالخير، تلهمك لتكون شخصاً أفضل، أكثر إنتاجاً، وأعمق اتصالاً بالخالق.
أغادر دون أن أصل هذا الفضاء الهادئ، وفي أعماقي يقين متجدد بأن الأثر الصادق لا يموت، لم ولن أطلب شيئاً، ولم ولن أترك حاجة خلفي، بل تعلمت درساً حياً في كيف أحوّل عظمة الوصل إلى أسلوب حياة، والصمت إلى مصدر قوة وثبات.
إنها حالة أعود إليها بالخيال لتنير عهدي مع التوحيد الخالص، مستنداً إلى إرث جليلة علمت كل من حولها أن التقرب إلى الله يتطلب قلباً سليماً وعقلاً نيراً، ويبقى هذا التواصل الصامت عن بعد، يغذي الروح ويحفظ العقيدة نقية كما كانت دائماً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك