في قلب بحيرة المنزلة، حيث تمتزج زرقة المياه بصمت التاريخ، ترقد واحدة من أعظم المدن الإسلامية التي عرفتها مصر، مدينة لم يبق منها سوى تلال أثرية وبقايا طوب وفخار تخفي تحتها حضارة امتدت لقرون طويلة.
إنها تنيس… المدينة التي كانت يومًا مركزًا للصناعة والتجارة والعلم والقوة العسكرية، قبل أن يطويها الزمن وتختفي من فوق الخريطة، لتظل حتى اليوم واحدة من أكثر المدن الأثرية غموضًا وإثارة في دلتا مصر.
ورغم اندثار عمرانها، فإن صفحات التاريخ ما زالت تحفظ لتنيس مكانتها كواحدة من أهم الثغور الإسلامية، ومدينة نافست كبريات الحواضر في الثراء والإبداع، حتى ارتبط اسمها بصناعة أفخم المنسوجات وكسوة الكعبة المشرفة، بينما لا تزال حفائرها الأثرية تكشف عامًا بعد آخر عن أسرار مدينة كانت يومًا منارات الحضارة الإسلامية.
يقول الباحث الأثري شعبان إبراهيم إن اسم تنيس يرجع إلى أصل يوناني مشتق من كلمة “نيسوس” التي تعني الجزيرة، وهو اسم يعكس طبيعة المدينة التي نشأت فوق جزيرة وسط بحيرة المنزلة، وأحاطتها المياه من جميع الجهات، الأمر الذي منحها حماية طبيعية وموقعًا استراتيجيًا جعلها إحدى أهم المدن الدفاعية على الساحل الشمالي لمصر.
وأضاف أن موقعها المتميز جعلها خط الدفاع الأول عن الدلتا، خاصة مع وجود حصن الأشتوم الذي كان يؤمن مدخلها البحري، لتتحول إلى واحدة من أبرز الثغور الإسلامية المطلة على البحر المتوسط.
ويشير إلى أن تنيس عند دخول العرب إليها لم تكن سوى تجمعات بسيطة من أكواخ القصب، حتى عُرفت باسم “ذات الأخصاص”، لكنها شهدت نهضة كبيرة خلال العصر الأموي، قبل أن تبلغ أوج ازدهارها في العصر العباسي، عندما أمر الخليفة المتوكل على الله عام 230 هجرية بإقامة سور ضخم يحيط بالمدينة، في مشروع استمر عدة سنوات وعزز مكانتها العسكرية والسياسية.
ولم يقتصر دور تنيس على الجانب الدفاعي، بل أصبحت لاعبًا مؤثرًا في الأحداث السياسية خلال العصر العباسي، خاصة أثناء الصراع بين الأمين والمأمون، حيث تمكن عبدالعزيز الجروي ونجله من إقامة إمارة قوية اتخذت من تنيس عاصمة لها، وامتد نفوذها من الإسكندرية غربًا إلى بلبيس شرقًا، ووصل إلى أجزاء واسعة من صعيد مصر، حتى لُقب حاكمها بـ”ملك الساحل”.
غير أن المجد الحقيقي للمدينة ارتبط بصناعة النسيج، فقد تحولت إلى أشهر مراكز صناعة المنسوجات الفاخرة في العالم الإسلامي، وذاعت شهرة دور الطراز التي أنتجت القباطي والأقمشة الحريرية المزخرفة بخيوط الذهب والفضة، وحملت أسماء الخلفاء والوزراء، قبل أن تُصدر إلى مختلف أقاليم الدولة الإسلامية.
ووصلت مكانة تنيس إلى ذروتها عندما أصبحت من المدن التي تشرفت بصناعة كسوة الكعبة المشرفة، وهو امتياز لم يكن يُمنح إلا لأمهر مراكز النسيج، في شهادة تاريخية على براعة صناعها وجودة منتجاتها.
ويقول الأثري طارق إبراهيم إن الموقع الأثري لا يزال يحتفظ بقدر كبير من أسراره، إذ تغطيه تلال حمراء تشكلت بفعل تحلل مباني المدينة المشيدة بالطوب الأحمر عبر مئات السنين، بينما تنتشر بقايا الفخار والزجاج والخزف التي تعكس ثراء الحياة اليومية لسكانها.
وأضاف أن الدراسات العلمية للموقع بدأت عام 1910 عندما أوفدت لجنة حفظ الآثار العربية المفتش الإيطالي باتريكو باتريكولو لدراسة المدينة، ثم انطلقت أعمال الحفائر الحديثة عام 1979 واستمرت حتى عام 2010، وأسفرت عن اكتشاف صهاريج مياه ومنشآت معمارية وورش صناعية وقطع أثرية أعادت رسم ملامح مدينة ظلت مفقودة لقرون.
وعلى مدار نحو ستة قرون، احتلت تنيس مكانة استثنائية بين مدن دلتا مصر، فكانت قاعدة بحرية، ومركزًا لصناعة السفن، وعاصمة للإقليم الرابع، وموطنًا للعلماء والفقهاء والحرفيين الذين أسهموا في ازدهار الحركة الاقتصادية والثقافية في مصر الإسلامية.
ورغم أن المدينة اختفت تدريجيًا بفعل تغيرات الطبيعة وتقلبات الزمن، فإنها ما زالت تمثل كنزًا أثريًا فريدًا ينتظر المزيد من الاكتشافات، ويستحق أن يتحول إلى مقصد سياحي وثقافي عالمي يعيد إحياء واحدة من أعظم صفحات الحضارة المصرية والإسلامية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك