وكالة الأناضول - دمشق.. سوريا وفرنسا توقعان 16 اتفاقية ومذكرة تفاهم بعدة مجالات وكالة الأناضول - الشرع وماكرون يتفقان على تبادل السفراء ويدينان انتهاكات إسرائيل وكالة الأناضول - صحيفة إسرائيلية: نتنياهو قد يجدد الحرب على غزة لكسب الانتخابات العربي الجديد - إدانات دولية لحكم السجن بحق رئيس جمعية القضاة التونسيين العربي الجديد - الدوحة: استهداف ناقلة النفط القطرية بالقرب من هرمز عدوانٌ مرفوض الجزيرة نت - الهجوم على سفينتين قرب هرمز يرفع أسعار النفط قناة التليفزيون العربي - رسائل ماكرون في زيارة سوريا وتفاصيل انفجاري دمشق قناة القاهرة الإخبارية - نشرة أخبار الثالثة عصرًا من القاهرة الإخبارية العربي الجديد - 3 شهداء في قصف إسرائيلي على مدينتي غزة وخانيونس وكالة سبوتنيك - أردوغان: سنناقش الصراع الأوكراني مع ترامب
عامة

في نقد “العلّامة”: عبدالله الطيب بين قداسة المعرفة ووظيفة الهيمنة

سودانايل الإلكترونية

هناك سؤال لا يكف عن مطاردة الثقافات الحية: متى يتحول العالِم إلى وثن؟ليس السؤال جديداً. فالثقافات التي تبقى يقظة هي تلك التي لا تتردد في مساءلة كبارها. ولهذا لم تتردد الثقافة الفرنسية في إعادة قراءة...

ملخص مرصد
يناقش المقال دور المعرفة في تشكيل الهيمنة الثقافية، متناولاً مشروع الدكتور عبدالله الطيب اللغوي والتاريخي الذي يرى أنه لم يكن أكاديمياً فحسب، بل أدى وظيفة ثقافية عززت المركزية العربية الإسلامية للسودان. ويشير إلى أن لغة الطيب، رغم إتقانها الفني، ظلت حبيسة التراث دون تجديد، مما جعلها أداة هيمنة بدلاً من تحرير، بحسب التحليل النقدي.
  • المشروع اللغوي للطيب عزز مركزية عربية إسلامية للسودان وفق التحليل النقدي
  • لغة الطيب ظلت حبيسة التراث دون تجديد، بحسب المقال
  • المعرفة قد تتحول إلى جهاز لإنتاج الشرعية، بحسب المقال
من: الدكتور عبدالله الطيب أين: السودان

هناك سؤال لا يكف عن مطاردة الثقافات الحية: متى يتحول العالِم إلى وثن؟ليس السؤال جديداً.

فالثقافات التي تبقى يقظة هي تلك التي لا تتردد في مساءلة كبارها.

ولهذا لم تتردد الثقافة الفرنسية في إعادة قراءة فولتير، ولا الثقافة الإنجليزية في مساءلة كبلنغ، ولا المصرية في مراجعة طه حسين والعقاد، ولم تنقص هذه المراجعات من مكانتهم، بل زادتهم رسوخاً؛ لأن القيمة الحقيقية للعالِم لا تقوم على حصانته من النقد، وإنما على قدرته على البقاء بعده.

من هنا لا ينطلق هذا المقال من رغبة في الانتقاص من علم الدكتور عبدالله الطيب، ولا من إنكار سعة اطلاعه أو تمكنه الاستثنائي من العربية الكلاسيكية، فذلك مما لا يحتاج إلى برهان.

إنما ينطلق من سؤال مختلف تماماً، وربما أكثر أهمية: ماذا فعلت هذه المعرفة في لحظة تاريخية كان السودان يبحث فيها عن تعريف نفسه؟ذلك أن المعرفة ليست بريئة دائماً، بل قد تتحول إلى جهاز لإنتاج الشرعية.

واللغة، مهما بلغت من الجمال، تستطيع أن تكون أداة هيمنة بقدر ما تستطيع أن تكون أداة تحرير.

ومن هذه الفكرة تحديداً تنبع الأطروحة التي يقوم عليها هذا المقال: أن مشروع عبدالله الطيب اللغوي والتاريخي لم يكن مجرد مشروع أكاديمي، وإنما أدى وظيفة ثقافية داخل بنية أيديولوجية أوسع كرست مركزية عربية إسلامية للسودان، ومنحتها غطاءً معرفياً بالغ النفوذ.

ولعل قصيدته «الطريق إلى سمرقند» تقدم نموذجاً دالاً على ذلك.

فمطلعها:حبذا أنت والجبين الأغر والوريد الذى عليه يدرقد ذكرناك يا هناة على البعد الذى دونه الزعازع قرووجدنا العطر الذى عند كفيك وكنا لك الغرام نُسرُّلا يثير الملاحظة لأنه يستخدم ألفاظاً قديمة، فالتراث ليس تهمة، وإنما لأن القصيدة تستدعي حقلاً رمزياً كاملاً كما استقر في الشعر الجاهلي والإسلامي المبكر.

فـ«حبذا» صيغة مديح تراثية مكتملة، و«الجبين الأغر» يستدعي رمز الغرة المرتبط بالشرف والنسب، أما «الوريد» فيحمل في الذاكرة العربية حمولة قرآنية ورثائية قديمة.

ليست المشكلة في حضور هذه الصور، وإنما في بقائها تؤدي الوظيفة الرمزية نفسها التي أدتها قبل أكثر من ألف عام، من غير أن يعاد تفكيكها أو شحنها بمعنى جديد يناسب القرن العشرين.

وهنا يصبح التمييز الذي أقامه أدونيس في «الثابت والمتحول» بين الاتباع والإبداع بالغ الدلالة.

فالاتباع هو إعادة إنتاج النموذج القديم بإتقان، بينما الإبداع هو إعادة خلقه بعد تفكيكه.

وفي هذا المعنى تبدو لغة عبدالله الطيب شديدة الإحكام، لكنها نادراً ما تغامر بالخروج من المدار الذي رسمته البلاغة الكلاسيكية.

ولعل المدهش أن هذا النقد يجد ما يعززه حتى خارج النظرية الأدبية.

فقد جعل نعوم تشومسكي، في حديثه عن «الجانب الإبداعي لاستخدام اللغة»، معيار الملاءمة للسياق ركناً من أركان الإبداع اللغوي.

ليست اللغة الحية مجرد لغة سليمة، وإنما لغة تخاطب عصرها أيضاً.

ومن ثم فإن استدعاء منظومة رمزية بكاملها من مجتمع قبلي قديم إلى مجتمع سوداني حديث، متعدد الهويات والتجارب، يجعل اللغة متقنة من الناحية التقنية، لكنها أقل قدرة على إنتاج معنى جديد يخص زمانها.

وليس من قبيل المفارقة أن يكون عبدالله الطيب من أكثر المحتفين بالعامية السودانية، فقد رأى فيها كنزاً لغوياً جديراً بالدرس، واستخرج من مفرداتها وشواهدها ما يدل على عمقها وثرائها.

غير أن هذا الاحتفاء نفسه ظل يتحرك داخل الأفق ذاته؛ إذ غلب عليه البحث عن الأصول العربية للألفاظ والتراكيب، حتى بدت العامية، في كثير من قراءاته، شاهداً على فصاحة الميراث العربي أكثر من كونها ثمرة تاريخ سوداني طويل تشكل من تفاعل العربية مع النوبية والبجاوية والفوراوية وغيرها من لغات البلاد.

وهكذا ظلت العامية تُستدعى لتؤكد السردية المركزية، لا لتفتح باباً نحو سردية أوسع وأكثر تركيباً.

فاللغة هنا ليست سوى المدخل إلى الفذلكة التاريخية.

حين يربط عبدالله الطيب السودان بروايات من قبيل وجود النجاشي فيه، أو لقاء موسى بالخضر عند مقرن النيلين، أو زعمه أن القبائل العربية قد هاجرت من إفريقيا إلى الجزيرة العربية، فإنه لا يقدم مجرد فرضيات تاريخية، بل يشارك، بقصد أو بغير قصد، في بناء سردية تجعل العروبة والإسلام قدراً تاريخياً لا مساراً سياسياً معقداً.

وهنا يلتقي مشروعه مع التحليل الذي قدمه عبدالله علي إبراهيم حول عنف التعريب والأسلمة، لا بوصفهما وقائع منفصلة، وإنما باعتبارهما عملية تاريخية جرى لاحقاً إضفاء الشرعية الثقافية عليها.

ولم يكن هذا هو الطريق الوحيد المتاح أمام المثقف السوداني في ذلك الزمن.

فقد حاول شعراء الغابة والصحراء أن يفتحوا نافذة أخرى، تجعل السودان ثمرة لقاء بين الصحراء والغابة، بين العروبة والأفريقانية، وأن يعيدوا الاعتبار للموروث النوبي والكوشي.

غير أن هذا المشروع نفسه لم يسلم من النقد، إذ رأى عبدالله علي إبراهيم أنه وقع في رومانسية ثقافية تبسط سؤال الهوية أكثر مما ينبغي، بينما ذهب حسن موسى إلى أن مثل هذه الصيغ التوفيقية ظلت إنتاجاً نخبوياً لا يمس البنية الحقيقية للسلطة ولا علاقة المركز بالهامش.

والمفارقة أن عبدالله علي إبراهيم نفسه، في موقفه من الحرب الراهنة، انحاز إلى المؤسسة العسكرية في مواجهة الدعم السريع، رغم أن تحليله لعنف الأسلمة والتعريب يقود منطقياً إلى مساءلة البنية التي أنجبت الطرفين معاً.

فحين ينتهي نقد المركز إلى الاصطفاف مع أحد أذرعه بدل نقدها جميعاً، يغدو الواقع شاهداً على قوة النظرية وحدود تطبيقها في آنٍ واحد.

وهنا تحديداً يتبدى السؤال الحقيقي.

فالقضية ليست أي سردية نختار، عربية أم أفريقية، بل من يملك سلطة تعريف الهوية، ولأي غرض تمارس هذه السلطة؟ومن هذا المنظور تبدو الحاجة إلى نسب عربي متخيل، أو إلى مركز مشرقي يمنح السودان شرعية وجوده، شكلاً من أشكال ما سماه مالك بن نبي «القابلية للاستعمار».

فالاستلاب لا يبدأ دائماً بالغزو، بل يبدأ حين تصبح شرعية الذات مستعارة من الآخر.

ولهذا يبدو نموذج شيخ أنتا ديوب مختلفاً جذرياً.

لم يسع ديوب إلى اختراع ماضٍ لأفريقيا، وإنما حاول استرداد ماضٍ صادرته السرديات الاستعمارية الأوروبية.

الفارق بين المشروعين بالغ الدلالة؛ فديوب يعيد إلى أفريقيا تاريخاً سُرق منها، بينما تقوم مشاريع أخرى على استعارة تاريخ لم يكن في الأصل تاريخها.

وإذا كان السودان يبحث عن أساس يستند إليه في بناء ثقته الحضارية، فإن حضارات كوش ونبتة ومروي تبدو أقرب إلى هذا المعنى من البحث الدائم عن أنساب عربية متخيلة.

غير أن السؤال الأهم يبقى سؤالاً أخلاقياً لا معرفياً.

فليس ما يعنينا مقدار ما يعرفه عبدالله الطيب، وإنما الموقع الذي شغلته معرفته داخل المجتمع السوداني.

هل استثمر هذا الرصيد الفكري لتوسيع فكرة السودان أم لتضييقها؟ وهل أسهم في بناء فضاء وطني يتسع لتعدده، أم في تعزيز سردية مركزية منحت الأفضلية لهوية بعينها؟ أما ما يروى عن عدم اكتراثه بانفصال الجنوب أو دارفور أو غيرها من الأقاليم، فإن صح وثبت تاريخياً، فإنه يصبح جزءاً من هذا السؤال الأخلاقي، لا تفصيلاً معزولاً عنه.

ولعل رسائل عبدالله الطيب إلى طه حسين، المنشورة في مجلة القاهرة، تكشف جانباً من هذه البنية الثقافية التي ظلت تتجه شمالاً عوض عن النظر إلى الداخل السوداني.

فما يلفت فيها ليس تزلفه وإلحاحه وملاحقاته العديدة والمتكررة كي يكتب له طه حسين مقدمة لكتابه «المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها»، بقدر ما يلفت استمرار تصورٍ كانت فيه شرعية المنجز السوداني لا تكتمل إلا باعتراف يصدر من القاهرة.

وهي ظاهرة لم تكن خاصة بعبدالله الطيب، بل عبّرت، إلى حد بعيد، عن وعي قطاع من النخبة السودانية بمصادر التكريس الثقافي في ذلك الزمن.

وإذا كانت القاهرة قد مثلت، في زمن عبدالله الطيب، مركز الاعتراف الثقافي، فإن هذا الدور انتقل في العقود الأخيرة، بدرجات متفاوتة، إلى المؤسسات الثقافية الخليجية.

وليس من قبيل المصادفة أن يحتج بعض المتحمسين المدافعين عن عبدالله الطيب بعدد الجوائز الخليجية التي نالها، وكأن الاعتراف الخارجي يُغني عن مساءلة الأثر التاريخي للفكر.

فالإشكالية ليست في الجوائز، وإنما في أنها تعيد إنتاج المركزية نفسها، حين يصبح الخارج هو الجهة التي تمنح المثقف السوداني شرعيته الرمزية، بينما تظل أسئلة الهوية والتهميش خارج نطاق هذا التكريم.

وعند هذه النقطة يمكن الانتقال من الحديث عن التشابه بين المشاريع إلى الحديث عن تكامل وظائفها.

ولذلك يبدو الفرق بين عبدالله الطيب وحسن الترابي وجعفر نميري، في هذا المستوى من التحليل، فرقاً في الوسيلة أكثر منه في البنية.

أحدهما كتب باللغة، والآخر كتب بالقانون، وثالثهما كتب بالبندقية.

أما النص الذي كانت هذه الأدوات تكتبه معاً، فقد كان نص المركز نفسه.

ولا يعني ذلك إعفاء الاستعمار أو النخب الأخرى من مسؤولياتها، ولا تجاهل الرأي الذي يرى أن الدولة السودانية الحديثة كانت، في جانب كبير منها، دولة أفندية أكثر منها “دولة جلابة” خالصة.

فهذا تعقيد ينبغي الاعتراف به حتى لا يتحول النقد نفسه إلى اختزال جديد.

ختاماً، لم يكن المقصود من هذا المقال الانتقاص من علم عبدالله الطيب، بل مساءلة الوظيفة التاريخية للمعرفة حين تغادر قاعة الدرس إلى المجال العام.

فالعلم، مهما اتسع، لا يُقاس بما يحفظه صاحبه من تراث، وإنما بالعالم الذي يسهم في بنائه.

ولهذا فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح على أي عملاق ثقافي ليس: كم يعرف؟ بل: أي موقع شغلت معرفته داخل بنية الهيمنة؟ ومن الذي أفاد منها، ومن الذي دفع ثمنها؟ فهناك يبدأ النقد الحقيقي، وهناك وحده تتحرر الثقافة من صناعة الأصنام.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك