يحتل الشاعر والناقد المغربي صلاح بوسريف موقعا خاصا في المشهد الشعري العربي المعاصر، بوصفه أحد الأصوات التي انشغلت بتجديد الكتابة الشعرية وإعادة مساءلة اللغة نفسها، لا باعتبارها أداة للتعبير، بل موضوعا للكتابة وفضاء لإنتاج المعنى.
فمنذ مجموعته الأولى «فاكهة الليل» وصولا إلى «بيت الكينونة»، تتبدى تجربته مشروعا شعريا متصلا، يقوم على تفكيك البنية اللغوية وإعادة تركيبها، في سعي دائم إلى استكشاف ما يتجاوز الدلالة المباشرة والصورة الجاهزة.
لذلك تبدو الكتابة عنده ممارسة معرفية وجمالية في آن واحد، تنفتح على أسئلة الوجود واللغة والقصيدة، أكثر مما تنشغل بصياغة القول الشعري في معناه التقليدي.
وإلى جانب منجزه الإبداعي، أسهم بوسريف في النقد والبحث الأكاديمي، ولا سيما من خلال اشتغاله على قضايا الكتابة في الشعر العربي المعاصر، وهو ما منح مشروعه بعدا نظريا يوازي تجربته الشعرية، ويجعل من السؤال حول ماهية الشعر وحدود اللغة محورا دائما في أعماله.
*كيف تصف علاقتك باللغة داخل النصّ (اللغة الأدبية) واللغة خارجه (اللغة الحياتية) هل هي مادة تشكّلها، أم صوت يأتيك من مكان لا تعرفه، أم أنك تعيش دائما في هذا التوتر بين الاثنين؟ـ نتكلَّم كثيرا عن اللغة، نعتبرها كُلَّ شيء في الكتابةِ والتَّعْبِير، وهذا صحيح من حيث الظَّاهِر، لكن، حينما نتأمَّل الإبْداع، ونتَمَلَّاهُ، نتقَصَّى دَوالَّهُ التي بها يُوجَدُ، سنَجِدُ أنَّ اللُّغَة، هِيَ بين دَوالّ النَّصّ، وليست هِيَ كُلّ النَّصّ أو العمل، فهُناك الدَّوالّ السيميائية، التي لا ننتبه إليها في الصَّفْحَة، أو في الكتاب، مثل البياض أو الصَّمْت، ومثل الرسوم والعلامات المختلفة التي تكون في النَّص أو الكتاب، وهي، في حداثة الكتابة كما أذهبُ إليها، ليست اعتباطية، أو شيئا بلا قيمة، بل إنَّها هي شَرْطُ اللُّغَة، أو ما يُضِيءُ اللُّغَة نفسها، فيما يكون فيها غير كافٍ للتَّعْبِير والتَّصْوِير والقَوْل.
المُوسيقى، مثلا، لا تكون بما نسمعُه من لَحْنٍ، أو من كلام في الغناء، ثمَّة صمت، لا تكون الموسيقى والغناء من دونه، لا ننتبه إليه، ولقيمته في الموسيقى، فالموسيقى من دون صمت، مثل النَّفَس المتواصل من دون انقطاع، وهذا غير ممكن.
وهل عندما نتكلَّم، يبقى الجسم، بِكُلّ أطرافِه جامِدا، فنحن نستعمل ملامح الوجه، وحركات اليد والأصابع، والإشارات المختلفة، لنستطيع بُلُوغ ما نقُولُه.
حينما نُفَكِّر في هذا، ويكون ضمن علاقتنا باللُّغَة، فنَحْنُ نستطيع أن نَكْتُبَ ونقرأ بالدَّوالّ كُلِّها، ويكون النَّصّ أو العمل رَهْنَ أيدينا، وهذا لا يختلف بين لُغَة التَّخاطُب اليوميّ، ولُغَة الكتابة والإبداع، فقط، لغَة الكلام اليومي، هي صوت، ولُغَة الكتابة، هي دَالُّ كِتابِيّ تتدخَّل فيه دوالّ سيميائية أخرى، لا بُدّ من الوعي بها، وإلَّا غلب الصوت الكتابة، وانْتَفَى النَّص، لِيَحُلّ مَحلَّه الخِطاب والكلام، وهذا ما يجعله تدوينا، وليس كتابة.
من هُنا يأتِي ما تُسَمِّيه بالتَّوتُّر، فهو يكون بسبب الحِرْص في الكتابة، على توظيف كُل ما يُضَاعِف توتُّر اللغة نفسها، وتحريرها من الكلام الذي يَسْتَحْوِذُ عليها، لتظهر الإشارة والرمز والرَّسْم والبياض، وهذا ما تصير به الصفحة في حداثة الكتابة دَالّا، وليست مُجَرَّدَ حامِلٍ، أو أداة، أو وسيط.
*ناقدٌ يكتب وكأنه يتنفس بجهتين في آنٍ واحد: الشعر والفكر؛ إذ إن عنوان كتابك «مراقبة الصيرورة» يحمل في داخله توترا: ترى من يُراقِب، ومَن يُراقَب؟ أتعتقد أن الناقد شاهدٌ على الشعر، أم شاهدٌ على نفسه أمام الشعر؟ـ حتَّى ونحن لا نُراقِب الصيرورة، فهي تحشُرُنا في عُبُورِها، في هذا المَشْيِ الدَّائم الذي لا يتوقَّف، كما في فيلم شارلي شابلن «الأزمنة الحديثة»، حيث الآلة لا تنتظر العامِل، إذا لم يكن يَقِظا، مُراقِبا لصيرورة الآلة، ومُرورها، فهي ستسحَقُهُ، سيبقى خارجها.
هذا ما يحدث في علاقتنا بالصيرورة، ما لم نُراقِبْها، في كُلّ شيء، لن نستطيع أن نعرف ما يجري حولنا، ولا كيف يحدُث التَّطوُّر والتقدُّم والاستمرار.
في الشِّعْر، كما في الفِكْر، الأسئلة، والأفكار، واللغة، والبناء، وما نكتُب به من دَوالّ، أو ما نُوسِّع به الشِّعْر من دوالّ، لا تبقى هي نفسُها، فالوقت ما أنت فيه، كما يقول الصُّوفية، لا ما قبلك، البَعْدُ هو ما تأخُذُك إليه الكتابة، أو تأخُذُها أنت إليه، فنحن لا نكتُب بالأمر، بل نكتُبُ بالرُّؤيا، وبما يكون نداء الذَّات الشَّاعِرَة التي هِيَ شرط ما نكتُبُه، ويكون هو نحن، في مشرعاتنا وتجاربنا الفردية.
وأنت تكتب، تُفَكِّر، وتتأمَّل، وتتساءل، وتسعى لابتكار آفاق وذُرى أخرى، أن تكون لك أراضيك التي تعبُرُها، وفيها تترك أثرك، أو تمحو هذا الأثر، ليكون التَّعقُّب ممكنا، لا بالتَّبَعِيَّة، بل بالاختراع، كما يستعمل أرسطو هذه العبارة.
وإذن، فالشِّعْرُ، هو شهادة على أثر ما حدث، وهذه الشهادة هِيَ ما يُدْلِي به الشَّاعِر عن زمانه، لغيره مما هو مقبل من أزمنة أخرى مجهولة نصبو إليها، وهنا يلتقي الشِّعْر والفِكْر، باعتبارهما سؤالا مفتوحا على الممكن والمستحيل معا.
من يكتُب دون شرط الفِكْر، وشرط الخيال، وشرط المجاز، وباللغة وهي تتماهى مع الرسم، والرمز والصمت، يكون غَفَل عن الصيرورة، لا يُراقِبُها، بل هو خَلْفَها، لا أمام له، بل إنَّ الوراء هو ما يَقُودُه، وهذا هو الفرق بين شاعر الحداثة، فعلا، وشاعر التقليد، أو الاحتذاء.
* تُفرّق في الكتاب بين الحداثة والحداثوية، وتقول إن بعض شعرائنا يرون الحداثة من الظاهر، فلا يبلغون عمقها، هل تعتقد أن الشعر العربي يعيش حداثة حقيقية أم أنه يعيش وهم الحداثة، وقد يُغيّر الشكل ويُبقي الروح القديمة؟ـ الحداثة ليست مَظْهرا، وليست ما نراهُ ونعيشُه، اليومَ، من مظاهر، ومن علوم وتقنياتٍ، ومن فِكْر وأفْكارٍ، أو فنون وإبداعات، سواء أكانت لنا، أو جَلَبْناها من غيرنا، بفعل التَّأثُّر، أو بفعل التَّثَاقُف، والتَّحاوُر والتَّجاوُر.
الحداثة، هي أوَّل ما بدأ به الوجود، ووُجُود الإنْسان على الأرض كان إحْداثا، كان خَلْقا، كما هو الخَلْقُ في الأساطير والأعمال المُؤسِّسَة التي نقرؤها اليوم، بِكُل ما فيها من غموض، ومن حيرة وقلق وسؤال، كما أنَّ الحداثة، في جوهرها، هي السُّؤال.
وإذا تأمَّلْتَ بقايا العمران في بلاد ما بين النهرين أو الرَّافدين، وعند الفراعنة في مصر، وعند الإغريق، والرُّومان، وعند الفُرْس، وفي حضارات المايا المختلفة، وفي آسيا، فستجد نفسك أمام حداثة، وأمام إحْداثٍ، أمام ابْتِكارات واختراعات ما زالت إلى اليوم تُثِير دَهْشَتَنا، نَقِفُ أمامها حائرين، مُتسائلِين حول العلوم، والأفكار التي قامت عليها، وما فيها من هندسة، وقياس المساحات والمسافات، والعُقُول والأخْيِلَة التي كانت وراء إنشائها، كما تَجِد في مدينة أوروك، في ملحمة جلجامش، التي هي ما اقْتَنَع جلجامش في نهاية الأمر، بأنها أبده الذي به سيُخَلِّد اسْمَه.
وإذن، ففي الشِّعْر، الحداثة هي هذا الإحْداث والاخْتِراع والابْتِداع، وهو موجودٌ، لكن مشكلة النقد في الثقافة العربية، أنَّه نقدٌ مَبْنِيٌّ على القياس والمُقارنة، أو المُقايسة، لا نقرأ الأمام إلَّا بالوراء، ولا نقرأ اللَّاحِق إلَّا بالسَّابق، وهذا لا علاقة له، لا بالإبداع، ولا بالنقد، ولا بالعلم، ما نقرؤه مما هو أمامنا، علينا معرفتُه في ذاته، ما يكون، ولماذا هو هكذا، بهذه الاختراقات والمُفارقات، وما الذي يُضِيفُه، ويتميَّز به، ليس عن تاريخ الشِّعْر العربيّ، بل الكَوْنِيّ، وأعني بالتَّاريخ هنا، التَّاريخ الفَنِّيّ الفِكْرِيّ والجمالِيّ.
حين نقرأ الشِّعْر بهذا المعنى، وفي هذا الأفق، يمكن أن نكتشف ما عندنا اليوم، هنا والآن، مما لم يكن عندنا في الماضي، أو في ما هو حديث.
فالمُقارنة التي هي معيار غير صحيح، وغير دقيق، تجعلُنا لا نرى ما أمامنا، ونكتفي بالحنين إلى ماضٍ، لا يَدَ لنا فيه، وهذا ما يطرح علينا السُّؤال الوُجودِيّ المرتبط بكينونتنا في سياقها الأنطولوجِيّ، مَنْ نحن، وما نكون، وبأي إنجاز وابتكار.
* تُعطي الإيقاعَ مكانة أعمق مما هو وزنٌ عَروضيّ إذ تقولُ إنَّ الإيقاعَ «بلاغةٌ تستبدُّ باللغة وتُحوِّلُها من مجرد وزنٍ إلى إيقاع»، هل يعني هذا أنَّ القصيدة العربية ظلَّت تحت وصاية التَّفعيلة وقتا أطولَ مما يُعترَف به؟ـ هذه حقيقة، لستُ من هَجَسْتُ بها، بل موجودة في تاريخ الشعرية العربيَّة، وفي أسبقية الوزن في القصيدة، وما تزال سائدة في الشِّعْرِيَّة المُعاصرة، ما سُمِّيَ بـ«الشعر الحُر»، بُنِيَ على التفعيلة، وهي تلميع للوزن الخليلي باختزاله في الشطر الواحد، بدل الشطرين، وثمَّة من هذا الشِّعر، إلى اليوم، ما يمكن أن تَعُود به إلى نظام الشطرين.
يكفي أن يبقى مفهوم القصيدة حاضرا في تسمياتنا، لنكتشف أن الماضي لم يترك الحاضر، فهو موجود فيه، يَسْكُنُه في المفهوم، وفي البناء، رغم كُلّ التنويعات التي تراها عند الشُّعراء.
حين قالت نازك الملائكة إنَّ «الشِّعْر الحُرّ ظاهرة عروضية»، فهي كانت تصف ما كان، وتُؤكِّد على الوزن كـ«دالّ أكبر»، وهو ما سيقُوم به محمد بنيس في أطروحته، التي أشرتُ إليها، سيرا على آثار غيره، حين اعتبر «الإيقاع دالّا أكبر»، وَوَارَى الخيال، بل ألغاهُ، وفي جزء من أطروحته سمَّاهُ بـ «الرومانسية»، والرُّومانسية قائمة على الخيال، لا أعرف كيف كان يُفَكِّر ويقرأ الرومانسية نفسها، رغم أنَّه عاد بها إلى أساسها الثَّوْرِيّ عند الألمان، وهذه مُفارقة عجيبة.
وحين ذهبتُ إلى الإيقاع، لم أتركه دَالاّ يتيما، أو اعتبرته جوهر الشِّعْر، الشِّعْر يقوم على دالَّيْن كبيرين، هما الإيقاع والخيال، لكن، في سياق الكتابة والعمل الشِّعْرِيّ، لا في سياق الشَّفاهة والقصيدة، وهيمنة، أو مركزية الصوت والإنشاد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك