قد تكون نتيجة مباراة ثمن نهائي كأس العالم، بين التانغو والفراعنة، قد منحت بطاقة التأهل للأرجنتين بعد فوزها بثلاثة أهداف مقابل هدفين في الدقائق العشر الأخيرة من المباراة، لكنها لم تستطع أن تنتزع من المنتخب المصري احترام العالم، بعدما قدم الفراعنة واحدة من أجمل مبارياتهم في تاريخ مشاركاتهم في كأس العالم، وخرجوا من مونديال 2026 مرفوعي الرأس، بعد أداء أكد أن الكرة المصرية استعادت مكانتها بين كبار المنتخبات، اثر مشوار استثنائي، توقف أمام بطل العالم بقيادة ميسي بسبع أرواح اثر مباراة لم يكن بالامكان الفوز بها حتى ولو دامت يومين كاملين، ورغم خروجه، فقد دخل المنتخب المصري التاريخ من بابه الواسع بشهادة العالم بأسره.
لم يكن الإقصاء هو العنوان الأبرز لهذه المباراة، بل الطريقة التي لعب بها المنتخب المصري أمام حامل اللقب وأحد أبرز المرشحين للتتويج مجددا.
فالفراعنة لم يكتفوا بالدفاع أو انتظار صافرة النهاية، بل لعبوا بشجاعة، وبادلوا الأرجنتين الهجمات، ونجحوا في تسجيل هدفين، وكادوا يفرضون وقتا إضافيا لولا بعض التفاصيل الصغيرة التي غالبا ما تحسم مباريات الأدوار الإقصائية.
لقد أثبت هذا المنتخب أن ما حققه في الدور الأول لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة عمل فني وذهني كبير أعاد الشخصية إلى الكرة المصرية، وجعل المنتخب يدخل كل مباراة بعقلية المنافس، لا بعقلية الباحث عن فوز أول في النهائيات، أو مجرد مشاركة مشرفة.
ويحسب للمدرب حسام حسن أنه نجح في بناء منتخب يجمع بين الانضباط التكتيكي والروح القتالية، واستطاع أن يزرع في لاعبيه الإيمان بقدرتهم على مقارعة أقوى منتخبات العالم.
فظهر المنتخب متماسكا، منظما، وقادرا على العودة في النتيجة كلما تلقى ضربة، وهي صفات لا تملكها إلا المنتخبات التي نضجت كرويا ونفسيا.
كما أكد نجوم المنتخب المصري، ومواهبه الصاعدة، أن الخبرة والتجربة عندما تمتزج بحماس وطموح المواهب الصاعدة، يمكن أن تصنع فريقا يحظى باحترام الجميع، حتى وهو يغادر البطولة، فلم يعد المنتخب المصري يعتمد على المهارات الفردية فقط، بل أصبح يقدم كرة جماعية متوازنة، تقوم على الانضباط والسرعة في التحول والقدرة على استغلال الفرص.
وإذا كانت الأرجنتين قد حسمت المواجهة بخبرتها الكبيرة وجودة لاعبيها في اللحظات الحاسمة بقيادة ليو ميسي الذي استعاد شبابه، وبمساعدة الفيفا وحكامها الذين قرروا استمرار الأرجنتين في البطولة، فإن مصر كسبت شيئا لا يقل قيمة عن التأهل، وهو احترام المتابعين وثقة جماهيرها بأن المستقبل يحمل الكثير لهذا الجيل.
لقد دخل الفراعنة التاريخ في هذا المونديال، ليس فقط بالنتائج التي حققوها، وإنما بالطريقة التي نافسوا بها.
فقد أثبتوا أن المنتخب المصري عاد ليكون رقما صعبا في الكرة العالمية، وأن الفجوة التي كانت تفصل الكرة العربية عن كبار العالم بدأت تضيق عاما بعد آخر، منذ بلوغ المغرب نصف نهائي مونديال 2022، عندما أكد أن الوصول إلى الأدوار المتقدمة في كأس العالم لم يعد حلما بعيد المنال، بل هدفا يمكن تحقيقه.
صحيح أن صافرة النهاية أعلنت نهاية الحلم، لكن الأحلام الكبيرة لا تقاس دائما بعدد المباريات التي تربحها، بل بما تتركه من أثر.
ومصر، في مونديال 2026، تركت أثرا كبيرا، وقدمت نفسها بصورة منتخب يملك الشخصية والهوية والطموح، حيث خسرت مصر مباراة أمام بطل عالمي، لكنها ربحت جيلا يؤمن بنفسه، وربحت احترام العالم، وربحت مكانة جديدة في كرة القدم الدولية.
وهذه، في حد ذاتها، قد تكون بداية قصة أكبر في البطولات القادمة، لأن المنتخبات العظيمة لا تولد من الانتصارات فقط، بل تصنعها أيضا الهزائم المشرفة التي تتحول إلى نقطة انطلاق نحو إنجازات أعظم.
مصر خسرت لكنها لم تنهزم، مصر أقصيت وخرجت من كأس العالم، لكنها دخلت قلوب العالم، وكسرت كل الحواجز التي كانت تحول دون اعتلائها المكانة التي تستحقها كرتها ومنتخبها وجمهورها وشعبها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك