عمان- يدخل الطالب القاعة وفي يده ورقة مليئة بأرقام وأفكار، وفي عينيه تحد وأمل.
ليس امتحانا يحفظ له، ولا درسا يلقى عليه، بل مشروع بناه بيديه على مدار أشهر، ويقف اليوم ليقنع لجنة من رجال الأعمال بأنه يستحق الفرصة.
اضافة اعلانهذا هو جوهر ما تصنعه مؤسسة" إنجاز" في برنامجها السنوي من" تحدي الأعمال"، إذ تضع الطالب في قلب الحدث، لا على هامشه.
بحضور مندوب وزير التربية والتعليم الأستاذ الدكتور محمد غيث، والسفير البريطاني فيليب هول، أسدل برنامج تحدي الأعمال للعام الدراسي 2025-2026 ستارته بمسابقة وطنية جمعت 13 فريقا من بين أكثر من 5000 طالب وطالبة تخرجوا في البرنامج هذا العام، موزعين على 119 مدرسة في مختلف أرجاء المملكة.
لكن الأرقام، على ضخامتها، لا تحكي القصة كاملة.
لم يفكر طلاب مدرسة ذكور الأشرفية في عمان في الفوز حين بدأوا، فكروا في مشكلة، رأوا في القهوة الخضراء، تلك الحبوب غير المحمصة التي يتجاهلها كثيرون، فرصة تجارية واعدة يمكن البناء عليها.
طوروا الفكرة، ودرسوا السوق، وقدموا مشروعهم أمام لجنة محكمة من رياديي الأعمال بثقة من يعرف ما يقول، وفي نهاية اليوم، حمل فريق القهوة الخضراء المركز الأول.
لم يكن الفوز مفاجأة بقدر ما كان تتويجا لرحلة تعلم فيها هؤلاء الطلاب أن الفكرة وحدها لا تكفي، وأن الإقناع مهارة، والتخطيط علم، والمثابرة حين تسوء الأمور هي ما يفرق بين من يحلم ومن يبني.
وفي المركز الثاني، وقفت طالبات مدرسة إناث الأشرفية بمشروع الطوب المستدام، وهو مشروع يلتقي فيه الاقتصاد بالبيئة، وتلتقي فيه الفكرة البسيطة بالرؤية الواسعة.
وفي المركز الثالث، جاءت فتيات من مدرسة إناث الرصيفة في الزرقاء بمشروع" غمرة"، حاملات معهن صوت المحافظات التي كثيرا ما تبقى على هامش الضوء.
ثلاثة مشاريع مع ثلاث مدارس وثلاث قصص تقول شيئا واحدا: " حين تعطى الفرصة لطالب أن يفكر ويجرب ويخطئ ويصحح، فإنه يفاجئ".
وفي كلمتها، لم تتحدث المديرة التنفيذية لمؤسسة" إنجاز" ديمة البيبي عن البرنامج بوصفه نشاطا لا مدرسيا أو مسابقة موسمية، بل وصفته بـ" رحلة تعليمية تراكمية"، تبنى فيها المهارات الريادية طبقة فوق طبقة، وتترسخ فيها قيم العمل الجماعي والمبادرة منذ سن مبكرة.
وحين تتحدث عن الأثر، لا تعني الجوائز، بل تعني شابا يغادر المدرسة وفي ذهنه أداة للتفكير لم تكن عنده من قبل، وهي القدرة على تحويل مشكلة إلى فرصة.
وهذه بالضبط هي الفجوة التي تسعى" إنجاز" إلى ردمها بين التعليم التقليدي ومتطلبات سوق العمل الحقيقي.
" الأثر الحقيقي ينعكس على جيل الشباب ويسهم في بناء توجهاتهم المستقبلية"، حسب البيبي.
وحضر السفير البريطاني فيليب هول شاهدا على ما وصفه بـ" مستويات لافتة من الإبداع والطموح"، أظهرها طلاب يصنعون مشاريعهم بأيديهم.
ويرى هول أن الشراكة بين المملكة المتحدة والأردن عبر" كينغز ترست" ومؤسسة" إنجاز" ليست مجرد تعاون مؤسسي، بل هي استثمار في الجيل الذي سيقود الاقتصاد الرقمي غدا.
والرسالة في خطابه كانت واضحة: أن المهارات التي يكتسبها هؤلاء الطلاب اليوم هي عملتهم في عالم لا يتوقف عن التغير.
ويقوم البرنامج على ركيزتين متكاملتين: عرض تقديمي أمام محكمين من عالم الأعمال الحقيقي، ولعبة محاكاة تفاعلية على الحاسوب تجسد تجربة بناء شركة وإدارتها.
هذا التصميم ليس عشوائيا، إذ يجبر الطالب على التفكير في وقت واحد كمبدع ومدير ورائد.
وبوجود المتطوعين القادمين من عالم الأعمال، يجلسون مع الطلاب لا فوقهم، فيشاركونهم خبراتهم، ويصححون مساراتهم، ويريحونهم من وهم الكمال ليحل محله درس أعمق، وهو" الخطأ جزء من المسار لا نهايته".
وتخرج أكثر من 5000 طالب هذا العام في برنامج تحدي الأعمال، بعضهم فاز، وأكثرهم لم يفز.
لكن الفارق الحقيقي لن يظهر في قائمة الفائزين، بل بعد سنوات، حين يقف أحدهم أمام فرصة أو أزمة ويجد في نفسه أداة للتفكير زرعها البرنامج قبل أن يزرعها الزمن.
فالرهان الحقيقي لمؤسسة" إنجاز" ألا يكون الطالب الأردني مجرد خريج يبحث عن وظيفة، بل صانع فرص في اقتصاد لا ينتظر من يتردد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك