لندن- “القدس العربي”: قال المعلق في صحيفة “الغارديان” سايمون تيسدال إن فشل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الحفاظ على وقف إطلاق النار هو جزء من تفكك النظام العالمي وسط استمرار معاناة الناس العاديين ودفعهم الثمن.
ففي عالم السياسة، هناك رجال دولة يتمتعون برؤية ثاقبة، ومفاوضون من أصحاب النوايا الحسنة، ووسطاء عمليون، ودبلوماسيون محترفون، ثم هناك حمقى متطفلون.
ومع انهيار اتفاقيات وقف إطلاق النار وموت أعداد هائلة من المدنيين أو فرارهم، واستمرار الحروب التي أشعلها دونالد ترامب أو أججها أو تعهد بحلها، يتفاقم الغضب بلا رادع.
وهنا نعرف إلى أين ينتمي ترامب، وبلغة لعبة البيسبول، فعلامة ترامب التي حصل عليها في أوكرانيا وإيران ولبنان وإسرائيل وفلسطين هي “صفر من ثلاثة”.
مع انهيار اتفاقيات وقف إطلاق النار وموت أعداد هائلة من المدنيين أو فرارهم، واستمرار الحروب التي أشعلها دونالد ترامب أو أججها أو تعهد بحلها، يتفاقم الغضب بلا رادعويأتي فشله بعدما تفاخر بأنه وحده القادر على إبرام الصفقات وتحقيق السلام، لكنه لم يف بأي منهما.
وبفشله الذريع، يزيد الأمور سوءا في أغلب الأحيان.
ويقول تيسدال إن عهد الدبلوماسية البطولية في القرن التاسع عشر قد ولى، وهو العهد الذي تجلى في “حفل أوروبا” العظيم الذي وضعه الأمير مترنيخ لتحقيق توازن القوى، و”سلام الشرف” الذي أطلقه بنيامين دزرائيلي في البلقان.
لكن لم يمض وقت طويل منذ أن كان صانعو السلام الحائزون على جائزة نوبل، مثل الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، والدبلوماسي الفنلندي مارتي أهتيساري، أو السناتور الأمريكي جورج ميتشل، الذي توسط في اتفاقية الجمعة العظيمة في أيرلندا الشمالية، يعالجون النزاعات المستعصية في جميع أنحاء العالم.
وتساءل الكاتب: أين هم خلفاء ديزموند توتو وأندريه ساخاروف وإسحاق رابين عندما نحتاج إليهم؟ ويجيب أن اتفاقيات وقف إطلاق النار يتم خرقها بشكل متكرر ومقلق هذه الأيام.
وقد فشلت آخر محاولة لوقف إطلاق النار في لبنان هذا الأسبوع، وهناك اتفاقيات أخرى، مثل تلك التي في إيران، تنتهك يوميا، أما السودان فليس لديه وقف إطلاق نار على الإطلاق.
وقال تيسدال إنه في ظل مستويات غير مسبوقة من الصراعات العالمية، فإن غياب الوسطاء المحترمين والمحايدين وغياب القادة السياسيين الجريئين يعد أحد الأسباب الرئيسية في فشل وقف الحروب الأبدية.
كما أن الفجوة في القدرات بين، على سبيل المثال، ريتشارد هولبروك، الدبلوماسي الأمريكي الذي ساعد في تسوية الحرب البوسنية، ومبعوثي ترامب الهواة مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، تشبه المسافة بين فريق أرسنال المحترف وفريق كرة قدم هاو في ملعب يوم الأحد.
وأضاف تيسدال أن سجل ترامب الدبلوماسي يعتبر، وبصراحة، مخزيا.
فقد وعد بحل الحرب الأوكرانية في يوم واحد، وهي الآن في عامها الخامس.
ثم انحاز بشكل سافر إلى جانب روسيا، وأخبر الرئيس الأوكراني المنهك فولوديمير زيلينسكي أنه “لا يملك أوراقا رابحة”، وقطع إمدادات الأسلحة.
في ظل مستويات غير مسبوقة من الصراعات العالمية، فإن غياب الوسطاء المحترمين والمحايدين وغياب القادة السياسيين الجريئين يعد أحد الأسباب الرئيسية في فشل وقف الحروب الأبديةومع ذلك، بالغ ترامب في تقدير قوته، مستهينا بميل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للخداع، وقلل من أهمية صمود أوكرانيا.
واستطاع مسؤولو الكرملين التفوق على ويتكوف وكوشنر الساذجين خلال “مفاوضات” موسكو.
وللأسف، لم يزر هذا الثنائي كييف حتى الآن.
أما ترامب، فقد فقد ماء وجهه، وفقد اهتمامه أيضا.
واقتناعا منه بأن الأمور تتغير، يقترح زيلينسكي الآن وقف إطلاق النار، وهو ما سيرفضه بوتين، كما جرت العادة.
ثم جاء الهجوم غير القانوني على إيران في شباط/فبراير، حيث أعلن ترامب وقف إطلاق النار في نيسان/أبريل دون تحقيق أي من أهدافه الرئيسية.
وفي ظل إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية إلى حد كبير، تتكرر الانتهاكات يوميا، فيما لا تؤدي “محادثات السلام” الفاترة التي تجرى عبر أطراف ثالثة غامضة إلى أي نتيجة، ويواجه الاقتصاد العالمي الركود.
ومرة أخرى، استهان ترامب بالتحدي، وبالغ في تقدير قدرة القوة العسكرية الغاشمة على تغيير الواقع السياسي، واتبع حدسه (السيئ للغاية)، وتجاهل الحلفاء الأوروبيين، وسعى عبثا إلى نصر سريع وسهل.
وهو الآن يواجه صراعا طويل الأمد وأعضاء متمردين في الكونغرس.
أما في غزة، فيبدو النصر الذي أعلنه ترامب في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، عندما تم التوصل إلى هدنة وإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين، انتصارا أجوف.
فقد اصطدمت خطته المكونة من 20 بندا، والتي تمحورت حول نزع سلاح حماس، بالأرض سريعا.
كما أن “مجلس السلام” الذي أنشأه وأفكاره الطموحة لإعادة إعمار غزة تفتقر إلى المصداقية.
وما يظهر على أرض الواقع في غزة هو استمرار المعاناة الفلسطينية التي لا تطاق، وتوسع الاحتلال العسكري الإسرائيلي.
والآن، يقوم شريك ترامب، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بتكرار ما فعله بغزة في جنوب لبنان، أي تحويله إلى صحراء قاحلة، وبالتالي يعرقل الاتفاق الأمريكي الإيراني.
وقد نشب خلاف حاد بين الرجلين الأسبوع الماضي.
ويقول تيسدال إن إخفاقات ترامب المتكررة تعبر عن مشكلة أكبر، فقد شهدت مناطق النزاع، مثل اليمن وميانمار وجمهورية الكونغو الديمقراطية، في السنوات الأخيرة، اتفاقيات وقف إطلاق نار واتفاقيات هدنة متكررة دون التوصل إلى تسويات دائمة.
وفي السودان، لا يزال الاتفاق على وقف إطلاق النار لأسباب إنسانية، ناهيك عن وقف الأعمال العدائية، بعيد المنال بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب الأهلية.
ويعتبر انعدام الثقة العميق بين الأطراف المتحاربة عاملا مشتركا وساما وراء الفشل، إلى جانب التعنت الشديد والاعتقاد الخاطئ بإمكانية تحقيق نصر كامل.
ويعتقد تيسدال أن العجز المزمن عن حل الحروب بشكل دائم ينبع في العادة من غياب عمليات سلام منظمة ومعترف بها.
لقد طويت الصفحة التي كان فيها مبعوثو الأمم المتحدة المكلفون يتواصلون مع جميع الأطراف، ويشكلون فرق عمل، ويقترحون تدابير وجداول زمنية لبناء الثقة على مراحل.
العجز المزمن عن حل الحروب بشكل دائم ينبع في العادة من غياب عمليات سلام منظمة ومعترف بها.
لقد طويت الصفحة التي كان فيها مبعوثو الأمم المتحدة المكلفون يتواصلون مع جميع الأطرافوكانت هناك فترة طويلة انخرط فيها وزراء خارجية الولايات المتحدة، مثل هنري كيسنجر ووارن كريستوفر وجون كيري، في دبلوماسية مكوكية نشطة سعيا وراء السلام.
وفي المقابل، يقف ماركو روبيو، وزير الخارجية الحالي، وهو رجل طموح هادئ لا يكترث بالمبادئ، بعيدا عن الصراع، ويؤكد لرئيسه أنه على صواب حتى عندما يكون مخطئا.
ووحدهما ترامب وروبيو فوجئا برفض حزب الله، المستبعد من محادثات السلام من قبل مضيفيه الأمريكيين، لأحدث اتفاق لوقف إطلاق النار في لبنان.
ويعتقد الكاتب أن الطبيعة العنيدة والمستعصية للصراعات الحديثة تعكس واقع عالمنا اليوم، حيث تتفاقم الفوضى في عالم الحرب والسلام في ظل نظام عالمي يفتقر إلى قواعد متفق عليها، وتتعامل فيه القوى الكبرى والجهات الفاعلة غير الحكومية بازدراء مع القانون الدولي والمحاكم الدولية.
أما بالنسبة للأنظمة عديمة الضمير التي تسعى جاهدة لتحقيق أقصى قدر من المصالح الوطنية، فإن أي اتفاق، مهما كان، يعتبر قابلا للنقض.
ولكن في غياب القواعد، لا يمكن في نهاية المطاف إنفاذ اتفاقيات السلام.
وعليه، يزداد الضعف المؤسسي بسبب فساد السياسيين وابتذالهم، ويتم إهمال أدوات القوة الناعمة والحوار والمنطق والإقناع والضرورات الأخلاقية والسياق التاريخي، بل وتحتقر، وتصبح الأولوية للقوة الغاشمة والنتائج السريعة والشعارات الرنانة.
وفي هذه الأرض القاحلة الخالية من الخيال، يصبح مفهوم “المدى البعيد” غريبا، وتعتبر الحقيقة والعدالة قضية خاسرة.
وحتى السلام بات مصطلحا نسبيا في عصر يستطيع فيه رئيس أمريكي عدواني هاجم عدة دول الزعم، وبلغة ملتوية مستوحاة من رواية “1984” لجورج أورويل، أنه يستحق جائزة نوبل للسلام.
ويشير الكاتب هنا إلى الأثر المروع الذي يخلفه الجدل المروع والذي لا ينتهي حول وقف إطلاق النار على عامة الناس.
فمنذ بدء الحرب الإيرانية، أفادت التقارير بمقتل ما لا يقل عن 3,468 شخصا في إيران، وإصابة 26,500 آخرين، ونزوح الملايين.
وقد تم صرف الانتباه، على سبيل المثال، عن تفجير مدرسة ميناب الابتدائية الذي لم تكشف ملابساته بعد، والذي وقع في 28 شباط/فبراير، حيث يزعم أن القوات الأمريكية قتلت أكثر من 100 طفل.
وإذا استؤنف القتال على نطاق واسع، فسيتم ارتكاب المزيد من الفظائع ونشر المزيد من المعاناة التي لا داعي لها.
وتستمر الخسائر في صفوف المدنيين في الارتفاع في جميع أنحاء الشرق الأوسط.
ففي لبنان، لقي الآلاف حتفهم رغم وقف إطلاق النار السابق (الفاشل)، حيث قدمت اليونيسف لمحة عن الأسبوع الأخير من شهر أيار/مايو، وأفادت بمقتل أو إصابة 77 طفلا.
وهذه المآسي تذكرنا بأهوال وفيات الرضع والأطفال الجماعية في ذروة حرب غزة.
إنها بمثابة 77 تذكيرا بأن مفاوضات وقف إطلاق النار ليست استعراضات سياسية للتفاخر أو التسلية على وسائل التواصل الاجتماعي، كما توحي تعليقات ترامب اليومية، بل هي مسائل حياة أو موت ملحة.
ويخلص تيسدال إلى القول إن أيا من هذه الحروب لن يحل بالقوة العسكرية، و”الأمر لا يتعلق بمن يملك أضخم القنابل أو بمن يعلن نصرا زائفا، يا سيد ترامب، إنه يتعلق بأرواح الناس”.
و”كما كان الحال في معظم الأحيان عبر التاريخ، فإن الدبلوماسية، الدبلوماسية المهنية والفعالة والماهرة والممارسة جيدا، هي التي تفتح باب السلام”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك