بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافيةفي عالم السياسة والعلاقات الدولية، لا تُقاس قوة الدول فقط بقدراتها العسكرية أو الاقتصادية، بل أيضاً بقدرتها على إدارة خطابها الرسمي والحفاظ على صورة مؤسساتها في مختلف الظروف.
فالكلمات التي تصدر عن مؤسسات الدولة ليست مجرد تعبيرات عابرة، بل رسائل سياسية تعكس مستوى النضج المؤسسي وثقافة الحكم وطريقة إدارة الأزمات.
من هذا المنطلق، أثار المنشور الذي نُسب إلى الصفحة الرسمية لوزارة الدفاع الوطني الجزائرية موجة واسعة من الجدل، ليس فقط بسبب مضمونه، بل بسبب اللغة التي اعتبرها متابعون بعيدة عن الرصانة التي يُفترض أن تميز مؤسسة سيادية بهذا الحجم.
وما زاد من أهمية الحادثة هو حذف المنشور بعد فترة قصيرة من نشره، في خطوة بدت وكأنها اعتراف ضمني بأن ما نُشر لم يكن منسجماً مع الصورة التي ينبغي أن تعكسها مؤسسة بحجم وزارة الدفاع.
قد يكون الأمر مجرد خطأ فردي ارتكبه مسؤول عن إدارة الصفحة، وقد يكون انعكاساً لحالة من التوتر السياسي والإعلامي التي تعيشها السلطة الجزائرية في مواجهة فضاء رقمي متحرر من القيود التقليدية.
لكن في الحالتين معاً، تكشف الواقعة عن إشكالية أعمق تتعلق بكيفية تدبير التواصل الرسمي في زمن أصبحت فيه كل كلمة وكل منشور مادة للنقاش والتحليل داخل البلاد وخارجها.
منطق الدولة أم منطق رد الفعل؟الدول الواثقة من مؤسساتها لا تدخل عادة في معارك يومية مع وسائل الإعلام أو صناع المحتوى أو الخصوم السياسيين.
فالمؤسسات الراسخة تفضل أن تتحدث بلغة المصالح والاستراتيجيات والإنجازات، لا بلغة الانفعال وردود الفعل اللحظية.
وهنا تبرز المقارنة بين النموذجين المغربي والجزائري خلال السنوات الأخيرة.
ففي الوقت الذي اختار فيه المغرب نهجاً يقوم على الدبلوماسية الهادئة والعمل التراكمي طويل النفس، بدت بعض المؤسسات الجزائرية في أكثر من محطة وكأنها تنخرط في سجالات إعلامية وسياسية تستنزف جزءاً من رصيدها الرمزي والمؤسساتي.
لقد نجحت الدبلوماسية المغربية خلال العقد الأخير في تحقيق مكاسب استراتيجية مهمة دون اللجوء إلى خطاب التصعيد أو الاستفزاز.
فاعتراف الولايات المتحدة الأمريكية سنة 2020 بمغربية الصحراء شكّل تحولاً نوعياً في مسار هذا الملف، كما واصل المغرب توسيع دائرة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي داخل إفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية.
ولم تتوقف هذه الدينامية عند الجانب السياسي فقط، بل امتدت إلى المجال الاقتصادي والاستراتيجي من خلال تعزيز الشراكات مع القوى الدولية الكبرى، وترسيخ الحضور المغربي في العمق الإفريقي عبر الاستثمارات والتعاون جنوب-جنوب، فضلاً عن استقطاب مشاريع دولية كبرى في مجالات الصناعة والطاقة المتجددة والبنية التحتية.
كما نجح المغرب في تقديم نفسه كشريك موثوق على المستوى الإقليمي والدولي، وهو ما انعكس في استضافة تظاهرات دولية كبرى، وتعزيز مكانته كفاعل أساسي في ملفات الأمن والهجرة والتنمية بإفريقيا والمتوسط.
اللافت في كل هذه المحطات أن الخطاب الرسمي المغربي ظل في أغلب الأحيان محافظاً على نبرة هادئة ومؤسساتية، حتى في أشد مراحل التوتر الإقليمي.
فالمملكة فضّلت غالباً أن تجعل من الإنجازات الميدانية والاختراقات الدبلوماسية وسيلتها الأساسية للرد، بدلاً من الانخراط في معارك إعلامية مفتوحة.
في المقابل، شهدت الجزائر خلال السنوات الأخيرة عدداً من الأزمات التواصلية التي أثارت نقاشاً واسعاً داخل الرأي العام.
فمن البيانات الرسمية المتشنجة أحياناً، إلى بعض التصريحات السياسية التي تحولت إلى مادة للسخرية أو الجدل على وسائل التواصل الاجتماعي، مروراً بحوادث حذف أو تعديل منشورات رسمية بعد نشرها، ظهرت مؤشرات على وجود صعوبة في التكيف مع البيئة الإعلامية الجديدة التي تقوم على سرعة الانتشار والتدقيق الفوري في كل معلومة.
كما أن السلطة الجزائرية وجدت نفسها في أكثر من مناسبة في مواجهة مباشرة مع صحفيين ومدونين وصناع محتوى، وهو ما منح هؤلاء مساحة أكبر للتأثير وجعل المؤسسات الرسمية تبدو أحياناً وكأنها تتحرك برد الفعل بدل المبادرة.
ولعل ما تكشفه حادثة منشور وزارة الدفاع هو أن التحدي الحقيقي لم يعد أمنياً أو سياسياً فقط، بل أصبح أيضاً تحدياً يتعلق بإدارة الصورة والرسالة.
ففي العصر الرقمي، قد يحقق منشور واحد من الانتشار ما لا تحققه حملات إعلامية كاملة، وقد يتسبب خطأ تواصلي بسيط في إضعاف صورة مؤسسة بنت جزءاً من هيبتها على مدى عقود.
الدبلوماسية الهادئة كأداة قوةتجارب الدول الناجحة تثبت أن القوة لا تُقاس بحدة الخطاب، بل بقدرة المؤسسات على التحكم في أعصابها وفي رسائلها حتى في لحظات التوتر.
فالدبلوماسية الهادئة التي انتهجها المغرب خلال السنوات الأخيرة لم تكن تعبيراً عن ضعف أو تردد، بل عن قناعة بأن النتائج تُبنى بالتراكم والصبر والعمل الميداني.
لذلك جاءت المكاسب الدبلوماسية تباعاً، من توسيع شبكة الشراكات الدولية، إلى تعزيز الحضور الإفريقي، وصولاً إلى التحولات المهمة التي عرفها ملف الصحراء المغربية على الساحة الدولية.
أما المؤسسات التي تسمح للانفعال بأن يتسلل إلى خطابها الرسمي، فإنها تخاطر بإضعاف صورتها وإعطاء خصومها أوراقاً مجانية لاستثمارها إعلامياً وسياسياً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك