يقوم الصلح الجزائي على تراضي المتهم والمجني عليه واعتراف الجاني بجرمه، ويوضح النص شروط الأهلية ودور الادعاء العام والوسيط لتسوية النزاع في المخالفات.
أثير- مريم بنت سعيد بن مسعد الشعيلية، ماجستير القانون الجزائييعد الصلح الجزائي أحد الأساليب القانونية الحديثة التي غايتها تحقيق العدالة بواسطة التفاعل المباشر بين الجاني والمجني عليه؛ بهدف التوصل إلى حلول يرضى بها طرفا النزاع الجزائي، دون الحاجة للجوء إلى النظام القضائي التقليدي، حيث يعتمد نظام الصلح الجزائي على مبدأ إصلاح الضرر الناشئ عن النشاط الجرمي، وتعزيز التفاهم والتوافق بين أطراف الخصومة، بدلًا من التركيز فقط على إنزال العقوبة.
ويعرف الصلح الجزائي على أنه: “إجراء يتم عن طريقه التراضي على الجريمة بين المجني عليه ومرتكبها خارج المحكمة، والذي يمكن اتخاذه أساسًا لسحب الاتهام في الجريمة، بمعنى أن المجني عليه قد قدمت له ترضية حفزته لأن يرغب في الامتناع عن الاتهام.
” (محمد الحكيم، 2009)إن أغلب التشريعات التي نظمت الصلح الجزائي حصرت نطاق اللجوء إليه في الجرائم البسيطة وقليلة الخطورة في أي مرحلة كانت عليها الخصومة الجزائية، حيث إن آليات العدالة التصالحية تكون أكثر فعالية في الجرائم البسيطة، والتي لا يشكل فيها الجاني أي خطورة إجرامية على المجتمع، وذلك بما يحقق أهداف العدالة الجزائية الحديثة التي ترمي إلى معالجة الجرائم وديًا، دون اللجوء إلى القضاء، بما يقلل الضغط الواقع على الجهات القضائية، ويحفظ العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع.
وتتمثل أطراف الصلح الجزائي في الآتي:أ) الادعاء العام: يعتبر الادعاء العام من أهم أطراف الدعوى الجزائية، فهو الجهة المختصة بتحريك الدعوى العمومية ومباشرتها أمام المحاكم الجزائية.
فالادعاء العام هو ممثل المجتمع في الدعوى الجزائية.
يتولى الادعاء العام الإشراف والرقابة على تنفيذ آلية الصلح الجزائي.
كما أن للادعاء لعام الصلاحية في اختيار الوسيط وتحديد مهامه، وله صلاحية فحص تقرير الوسيط، وتمحيص مخرجات العملية التصالحية، وتقدير مدى نجاح إجراء الوساطة من عدمه، ففي حالة الفشل، يقوم الادعاء العام بتحريك الدعوى ومباشرتها أمام القضاء.
وقرار الادعاء العام باللجوء إلى آلية الصلح الجزائي يخضع لمعيارين جوهريين، أولهما:المعيار الموضوعي، والمتمثل في تقدير الضرر الذي أصيب به المجني عليه من جراء الجريمة وأثره الاجتماعي، والآخر: المعيار الشخصي، والمرتبط بشخصية الجاني، فإذا كان الجاني لا يشكل خطرًا على المجتمع، ويمكن إعادة تأهيله؛ يكون اللجوء إلى إجراء الوساطة مناسبًا لتسوية النزاع.
ب) الجاني: يقصد بالجاني: “كل شخص ارتكب نشاطًا مجرمًا وفق القانون، وكان متمتعًا بالأهلية القانونية وقت ارتكاب الجريمة، أي توافر لديه عنصرا الإرادة والإدراك وقت ارتكاب نشاطه الجرمي”.
(عبابسة، عثمانية، 2021)ولأن أساس آلية الصلح الجزائي هو تحقيق الهدف الإصلاحي المتمثل في إعادة تأهيل مرتكب الجريمة ودمجه في المجتمع؛ لذلك فإنّ نطاق تطبيقها يقتصر على الجناة الذي لا يشكلون خطورة إجرامية، أي الجناة الذي يرتكبون الجرائم البسيطة.
وبطبيعة الحال، فإن الجناة المعتادين على الإجرام أو الذين يرتكبون الجرائم الجسيمة يُخرَجُون من نطاق تطبيق آلية الصلح الجزائي؛ وذلك لأنّ طبيعة هذه الفئة من الجناة تتعارض مع الغايات الوقائية والإصلاحية التي يهدف الصلح لتحقيقها.
كما يكون للجاني الخاضع لعملية الصلح الحق في استشارة محامي أو مستشار قانوني، كما له الحق في الشرح التفصيلي حول ما يدور فيها، وعلاوة على ذلك، يجب أن يكون للجاني القاصر الحق في الحصول على معونة ممثله القانوني.
ج) المجني عليه: هو طرف جوهري في الصلح الجزائي، فهو الشخص الذي يقع عليه النشاط الإجرامي، بغض النظر، سواء كان شخصًا طبيعيًا أم اعتباريًا، وتعد موافقته ضرورية لصحة الصلح، حيث يساهم رضا أطراف النزاع -الجاني والمجني عليه- في تحقيق ترضية معنوية للمجني عليه من خلال جبر الضرر الذي أصابه من جراء الجريمة، وكذلك من خلال اعتراف الجاني بالأضرار التي تسبب فيها.
وبذلك يكون التوصل لاتفاق الصلح أمرًا سهلًا لكلا الطرفين، سواء تمثل الاتفاق في إعادة الحال لما كان عليه قبل ارتكاب الجريمة، أو تعويض الضرر سواء ماديًا أو معنويًا، أو غيره بما لا يتعارض مع القانون.
والجدير بالذكر، لا يعد المجني عليه وفقا للقواعد العامة طرفًا جوهريًا في الدعوى الجزائية التقليدية، والتي أطرافها تنحصر في الادعاء العام؛ كونه ممثلًا للمجتمع والمتهم، إلا أن آلية الصلح الجزائي تمنح المجني عليه دورًا رئيسًا في إدارة عملية تسوية النزاع الجزائي، ويتم ذلك عن طريق اجتماعه بالجاني ومناقشته في الأسباب التي دفعته لارتكاب الجريمة، ومن خلال ذلك يتوصل الطرفان إلى حل النزاع وديًا، وبرضا تام من كليهما.
ويجب لفت الانتباه، إلى الحالة التي يكون فيها المجني عليه قاصرًا، حيث يجب أن تخضع إجراءات الصلح الجزائي إلى أحكام خاصة، تنظمها التشريعات التي تأخذ بهذا النظام، فالمجني عليه القاصر لا يدخل في الإجراءات بصفته الشخصية، وإنما من خلال ممثله القانوني الذي يملك هذه الصلاحية.
وفي حال رفض المجني عليه أو ممثله القانوني- إذا كان قاصرًا - اللجوء إلى آلية الصلح الجزائي لتسوية النزاع؛ يتولى الادعاء العام مباشرة الدعوى أمام القضاء للفصل في الخصومة الجزائية.
وفي حال موافقة المجني عليه، فإنه يتمتع بمجموعة من الحقوق، حيث يحق له الاستعانة بمحامي أو مستشار قانوني، ويحق له معرفة جميع تفاصيل الإجراءات الإصلاحية، وحصوله نسخة من التقرير الذي أعده الوسيط، بالإضافة إلى حقه في الاحترام ورد الاعتبار، إذ لا يكفي تعويض المجني عليه ماديًا عن الضرر الذي لحق به دون تعويضه معنويًا، وذلك لمعالجة أثر الجريمة على المجني عليه من جميع النواحي.
د) الوسيط: يُعنى بالوسيط: الشخص الذي تكمن مهمته في التوفيق بين مصالح الجاني والمجني عليه؛ بهدف التوصل إلى رضاء الأطراف بتسوية تقلّل من الآثار الناجمة عن الجريمة.
(قوادري، 2015)يعتبر الوسيط الجزائي جوهر عملية الصلح، حيث يشكل نجاحه في القيام بدوره الركيزة الأساسية لضمان فاعلية هذا النظام، كما ينبغي أن يتوفر فيه مجموعة من المؤهلات التي تمكنه من أداء دوره بشكل فعال، والجدير بالذكر، من الممكن أن يكون الوسيط الجزائي شخصًا طبيعيًا أو معنويًا، إذ لا يوجد أي مانع قانوني من إسناد هذه المهمة لشخص معنوي، مثل: الهيئات والجمعيات المتخصصة، وقد يقوم الوسيط بهذه المهمة إما بصفته الفردية، أو ضمن إطار مؤسسة.
علاوة على ذلك، قد تجيز بعض الأنظمة القانونية- مثل التشريع الإماراتي - لعضو الادعاء العام أو القاضي القيام بمهمة الوسيط، وعلى نقيض ذلك، تحرّم بعض التشريعات ذلك صراحة؛ ضمان مبدئي: الحياد والاستقلالية التي يجب أن يتمتع بها الوسيط.
هناك مجموعة من الشروط التي يجب أن تتوافر في الوسيط، منها: شروط شكلية، وتتمثل في: تمتع الوسيط بالأهلية القانونية، والنزاهة، والكفاءة الشخصية، والمهنية.
ومنها شروط موضوعية، حيث يجب أن يكون الوسيط: محايدًا، ومستقلًا عن أطراف الخصومة الجزائية والادعاء العام والقضاة، فلا يخضع لتأثير أيّ منهم، ولا ينحاز لأي طرف من أطراف النزاع، كما يجب على الوسيط عدم التأثر بأي معلومة خارجية تصل إلى علمه.
كما يجب على الوسيط إيجاد طرق للمناقشة، ترضي جميع الأطراف، وإخطار الأطراف بمسؤوليته في تسوية النزاع، ويجب عليه احترام كرامة الأطراف، وتكليف الأطراف باحترام بعضهم البعض، وتمكينهم من إيجاد تسوية ملائمة لحل النزاع بينهم.
ولصحة الصلح الجزائي لابد من توافر الشروط الآتية:1) الأهلية الإجرائية: ويقصد بها صلاحية المتهم بمباشرة الإجراءات الجزائية، حيث يجب أن تتوافر الأهلية الإجرائية لدى المتهم ليتمكن من المشاركة في الصلح الجزائي لاعتباره عملًا قانونيًا، ويجوز للحدث المشاركة في آلية الصلح بواسطة ممثله الشرعي.
كما يشترط في المتهم الخاضع للآلية أن يكون حيًا، ومعروفًا، حيث لا يمكن للجوء إليها إذا كان المتهم ميتًا، حيث يعتبر الموت سببًا لانقضاء الدعوى الجزائية، ولا يمكن كذلك إذا كان المتهم مجهولًا بسبب عدم وجود الأهلية القانونية لتقدير المسؤولية.
إضافة إلى ذلك، يشترط خضوع المتهم للاختصاص القضائي الوطني.
2) اعتراف المتهم: من المعلوم أنّ الجاني، بعد ارتكابه للنشاط الجرمي، يكون أمامه خياران:إما الاعتراف بالجريمة المنسوبة إليه أو إنكارها، وفي حالة الاعتراف، يمكن للجاني اللجوء إلى إجراء صلح بينه وبين المجني عليه طبقًا للحالات المحددة بمقتضى القانون.
علاوة على ذلك، إنّ إجراء الصلح بعد إقرار الجاني بارتكاب الجريمة يعدّ بلا شك ضمانًا لقرينة البراءة، وحماية لحقوق الجاني أمام المجني عليه، أما في حال إنكار الجاني للتهمة المنسوبة إليه، فيمكن أن تسلك الدعوى مسارًا آخر، يتمثل في إحالة الجاني إلى الادعاء العام للتحقيق معه، ومن ثم إحالته للمحاكمة.
كما يشترط أن يكون النشاط الجرمي الصادر من المتهم ثابتًا في حقه بإحدى وسائل الإثبات التي أقرها القانون.
3) موافقة المتهم والمجني عليه: تعتبر موافقة المتهم والمجني عليه من الشروط الجوهرية التي تتطلبها أغلب التشريعات الجزائية، التي تطبق بدائل الدعوى الجزائية، حيث يتعين الحصول على موافقتهم قبل اللجوء إلى إجراء آلية الصلح، ويستوي أن تكون الموافقة الصادرة عنهم شفوية أو كتابية.
4) أداء المقابل: يلتزم المتهم بدفع المقابل، حيث يعد المقابل من الشروط التي تميز الصلح الجزائي؛ فإذا تمّ التراضي بين أطراف النزاع الجزائي بدون تحديد المقابل، فإننا نكون أمام حالة من العفو والصفح، ويمكن أن يكون المقابل ماديًا أو معنويًا.
5) تفريغ إحداثيات عملية الصلح ونتائجها في محضر مكتوب يتمّ توقيعه من قبل أطرافها وتصديقه من قِبل الجهة المختصة.
6) موافقة الادعاء العام؛ وذلك لأنه الجهة المختصة بتحريك الدعوى العمومية، والقائمة على حماية الحق العام، والنظام العام، حيث تُعد خطوة ضرورية بعد حصول التراضي بين الطرفين، إلا أنّ سلطة الادعاء العام ليست مطلقة، وإنما مقيدة بنوع الجريمة، وبمبادرة المجني عليه بتقديم طلب الفصل في النزاع الجزائي بواسطة الصلح.
7) مشروعية اللجوء إلى الصلح الجزائي، حيث تعتبر آلية الصلح استثناء للقواعد العامة التي تمّ النصّ عليها في قوانين الإجراءات الجزائية، وبالتالي لا يجوز اللجوء إليها إلا إذا أجازها القانون بنص صريح.
أخيرًا، أقدم توصية للمشرع العماني بتنظيم آلية الصلح الجزائي في جرائم المخالفات والجنح بسيطة، وكذلك بيان الحالة التي يكون فيها أكثر من متهم ومجني عليه، بحيث يشترط قبول الجميع لإجراء الصلح الجزائي، وذلك في قانون الإجراءات الجزائية؛ لما لهذه الآلية من دور فعًال في معالجة العديد من إشكالات العدالة الجزائية التقليدية، والاستفادة في ذلك من التشريعات، وتجارب الدول المقارنة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك