مثلما يشكل النزول العنيف للمعدن النفيس خسائر قاسية لشريحة كبيرة من المستثمرين، لكن هذه الخسائر تتحول إلى فرصة قوية لمن يعتزمون الشراء خلال الفترة الحالية أو المقبلة، إذ تشير غالبية توقعات شركات الأبحاث وبنوك الاستثمار الدولية، إلى استمرار نزول أسعار الذهب، مع تفاقم ضغوط تحريك أسعار الفائدة الأميركية خلال الفترة المقبلة.
وفي مذكرة بحثية حديثة، خفض" دويتشه بنك" توقعاته لسعر الذهب، مشيراً إلى تشدد السياسة النقدية للاحتياط الفيدرالي ومرونة البيانات الاقتصادية الأميركية كعوامل رئيسة تضغط على المعدن النفيس، إلى جانب غياب واضح لدعم الطلب الاستثماري التقليدي.
وحدد المحلل مايكل هسو سيناريوهاً أساسياً جديداً يبلغ 4800 دولار للأوقية في الربع الرابع، معتبراً أنه يتماشى مع تثبيت غير محدد للفائدة من جانب البنك المركزي الأميركي، مع تحذير من أن سيناريو الأخطار الذي يتضمن ثلاث إلى أربع زيادات في الفائدة قد يدفع أونصة الذهب إلى مستوى 3800 دولار للأوقية.
صافي المراكز الشرائية يقترب من أدنى مستوياته السنويةالتقرير أشار إلى أن اجتماع لجنة السوق الفيدرالية المفتوحة الأول في عهد رئيس الاحتياط الفيدرالي كيفن وارش، لم يظهر أية مقاومة لتوقعات الأسواق لرفع الفائدة، مشيراً إلى أن المؤتمر الصحافي عكس ميلاً إضافياً للتشديد، مدعوماً بنموذج" تايلور" الذي يشير إلى مستويات أعلى بنحو 80 نقطة أساس من المعدلات الحالية.
وقال محلل" دويتشه بتك" إن التباين بين أسعار الذهب والنفط خلال الشهر الماضي كان نقطة التحول، التي أصبحت عندها إعادة تسعير توقعات الفائدة هي المحرك الأساس للأسواق.
وأوضح أن إشارات الطلب الاستثماري تميل إلى الضعف، إذ استمرت عمليات البيع عبر صناديق المؤشرات، بعد تقرير الوظائف الأميركي لشهر مايو (أيار) الماضي.
بينما هبطت عقود الفائدة المفتوحة في الأسواق الآجلة إلى أدنى مستوى لها منذ 17 عاماً، كما أن صافي المراكز الشرائية يقترب من أدنى مستوياته السنوية، بدلاً من أعلى مستوياته.
وأضاف هسو أن علاوة الذهب في الصين مقابل عقود" كوميكس" تحولت إلى خصم طفيف، مما يشير إلى ضعف دعم الواردات، في حين من المتوقع أن يؤدي رفع ضريبة القيمة المضافة على واردات الذهب في الهند إلى تراجع الطلب هناك.
ويرى البنك أن مشتريات البنوك المركزية تمثل العامل الداعم الوحيد، متوقعاً استمرار البنوك المركزية في الأسواق الناشئة في زيادة حيازاتها من الذهب لمواكبة نظيراتها في الدول المتقدمة.
لكن هسو أوضح أن الطلب الرسمي لم يتسارع حتى الربع الأول، وأنه" لن يكون قادراً وحده على تعويض ضعف الطلب الاستثماري".
الضغوط التضخمية لن تتراجع قريباً بصورة ملاحظةفي السياق ذاته، استبعد" بنك أوف أميركا" إمكان وصول سعر الذهب إلى مستهدفه السابق البالغ 6 آلاف دولار للأوقية في الوقت الحالي، مشيراً إلى تغير الرؤية في شأن السياسة النقدية الأميركية باعتبارها العقبة الرئيسة أمام المعدن النفيس على المدى القريب.
في السابق، كان البنك من بين أكثر المؤسسات تفاؤلاً في شأن سوق الذهب عندما بلغت الأسعار مستويات غير مسبوقة، إذ توقع في يناير (كانون الثاني) الماضي، وصول السعر إلى 6 آلاف دولار للأوقية بحلول الربيع، إلا أن التصحيح الكبير الذي شهدته السوق خلال الأشهر الأخيرة دفعه إلى مراجعة توقعاته.
وفي بداية العام، كانت الأسواق تتوقع خفض الفائدة الأميركية هذا العام، لكن الحرب الإيرانية والتوترات الجيوسياسية التي تفاقمت خلال الفترة الماضية وأشعلت أزمة طاقة عالمية، أدت إلى زيادة حادة في الضغوط التضخمية، ونتيجة لذلك، بدأت الأسواق في تسعير احتمالات رفع أسعار الفائدة بقوة قبل نهاية العام.
وأشار" بنك أوف أميركا"، إلى أنه حتى في حال التوصل إلى اتفاق سلام دائم بين الولايات المتحدة وإيران، فمن غير المرجح أن تتراجع الضغوط التضخمية بصورة ملاحظة.
ماذا تتوقع بنوك الاستثمار لأسعار الفائدة الأميركية؟بالنسبة إلى مسار الفائدة الأميركية، فقد رجح قسم الأبحاث العالمي لدى" بنك أوف أميركا"، أن يرفع الفيدرالي أسعار الفائدة بمقدار 75 نقطة أساس خلال 2026، مستنداً إلى قوة البيانات الاقتصادية واستمرار الضغوط التضخمية وتزايد التوقعات باتباع البنك المركزي الأميركي نهجاً أكثر تشدداً تحت قيادة رئيسه الجديد كيفن وارش.
وتوقع أن يرفع الفيدرالي أسعار الفائدة ثلاث مرات متتالية، وذلك في اجتماعات سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) وديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالتوقعات السابقة التي كانت تشير إلى الإبقاء على الفائدة من دون تغيير هذا العام.
وأشار إلى أن التوقعات الاقتصادية الصادرة عن الاحتياط الفيدرالي في يونيو (حزيران) الجاري، إلى جانب تصريحات الرئيس الجديد للاحتياط الفيدرالي، أظهرت أن توجه البنك المركزي الأميركي لكبح التضخم أصبح أكثر تشدداً مما كان متوقعاً سابقاً.
فيما تبنى محللو" دويتشه بنك" نظرة أكثر تشدداً لمسار السياسة النقدية الأميركية، متوقعين أن يرفع الفيدرالي أسعار الفائدة مرتين خلال عام 2026 بواقع 25 نقطة أساس في كل من اجتماعي سبتمبر وديسمبر من العام الحالي.
وأوضح محللو المصرف الألماني أن هذه التقديرات تعكس تزايد التشدد في توجهات صناع السياسة النقدية، إلى جانب استمرار قوة سوق العمل وبقاء المخاوف المرتبطة بالتضخم عند مستويات مرتفعة.
وأشارت المذكرة إلى وجود أخطار حول هذا السيناريو، إذ قد يتجه الفيدرالي إلى رفع الفائدة في وقت أبكر إذا ازدادت قناعة المسؤولين بضرورة التحرك السريع، بينما قد تتراجع الحاجة إلى التشديد النقدي إذا استمر تحسن أسعار الطاقة وتوقعات التضخم خلال الأشهر المقبلة.
أدنى مستوى للمعدن النفيس في 7 أشهرفي التعاملات الأخيرة، فقد هبطت أسعار الذهب إلى أدنى مستوياتها في سبعة أشهر، لتلامس مستوى 4 آلاف دولار للأوقية الذي يعد حاجزاً نفسياً مهماً، وذلك في ظل ارتفاع قيمة الدولار الأميركي وتزايد التوقعات برفع الاحتياط الفيدرالي للفائدة، مما قلل من جاذبية المعدن الذي لا يدر عائداً.
وانخفض الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 2.
7 في المئة إلى مستوى 4002.
72 دولاراً للأوقية.
كما تراجعت العقود الآجلة للذهب في الولايات المتحدة بنسبة 3.
1 في المئة إلى مستوى 4020.
90 دولار.
وسجل المعدن النفيس تراجعاً في خمس من جلسات التداول الست الأخيرة، كما أنهى الأسبوع الثالث على التوالي من الخسائر.
وتقل جاذبية الذهب بالنسبة إلى المستثمرين عند ارتفاع أسعار الفائدة، نظراً إلى كونه أصلاً لا يدر عائداً.
ويذكر أن الذهب الفوري، الذي كان سجل ذروة قياسية عند 5594.
82 دولار في أواخر شهر يناير 2026، فقد منذ ذلك الحين أكثر من 1500 دولار من قيمته للأوقية.
وصعد مؤشر الدولار الأميركي إلى أعلى مستوى له في 13 شهراً في تعاملات جلسة الأربعاء، مع تزايد توقعات الأسواق برفع الاحتياط الفيدرالي للفائدة في اجتماع يوليو المقبل، وربما مرة أخرى لاحقاً هذا العام.
يذكر أن ارتفاع قيمة الدولار يجعل الذهب أكثر كلفة لحاملي العملات الأخرى، بينما تزيد أسعار الفائدة المرتفعة من كلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب.
قوة الدولار الأميركي تزيد من حدة الضغوطويتوقع المتداولون الآن احتمالاً أكبر بكثير لتشديد الفيدرالي لسياساته النقدية في الأشهر المقبلة، وذلك في أعقاب اجتماع السياسة النقدية الذي عقد خلال الأسبوع الماضي والتصريحات المتشددة من المسؤولين.
وترجح الأسواق احتمالاً بنسبة 70 في المئة تقريباً لرفع الفائدة بحلول سبتمبر المقبل، وتتوقع زيادة أخرى بحلول ديسمبر من العام الحالي.
وفي مذكرة بحثية حديثة، ذكر محللو" آي إن جي"، أن قوة الدولار الأميركي، وتوقعات تثبيت الاحتياط الفيدرالي لأسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، طغت على الدعم الذي يستمده الذهب من الأخطار الجيوسياسية باعتباره ملاذاً آمناً.
كما تعرض الذهب لضغوط مع استمرار انحسار المخاوف، في شأن تعطل الإمدادات في الشرق الأوسط.
ورصد المستثمرون الجهود الدبلوماسية الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، بعد أن أشار الجانبان إلى إحراز تقدم نحو تنفيذ إطار عمل أوسع للسلام من شأنه المساعدة في تطبيع تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز.
ومع ذلك، ظلت حالة من عدم اليقين تخيم على قضايا رئيسة، بما في ذلك عمليات التفتيش النووي وإمكان الوصول إلى الأموال الإيرانية المجمدة.
وأوضح" آي إن جي"، أنه على رغم بقاء الأخطار الجيوسياسية مرتفعة، فمن المرجح أن يتحرك سعر الذهب بما يتماشى مع توقعات الفيدرالي، مما يجعل الأسعار عرضة للتأثر بارتفاع العوائد وقوة الدولار على المدى القريب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك