القدس العربي - محاق ستارمر وأوهام «السبيل الثالث» قناة الغد - فنزويليون عالقون أحياء تحت الأنقاض بعد زلزالين أوديا ب188 شخصا القدس العربي - مثقفون غاضبون من نتائج جائزة المغرب للكتاب: «مسرحية إدارية» بمعايير الترضية والمجاملات! قناة الغد - ارتفاع شحنات النفط عبر مضيق هرمز إلى أعلى مستوياتها منذ الحرب القدس العربي - هزيمة إنسانية قناة الغد - اقتصاد قوي وتضخم مرتفع.. معضلة جديدة أمام الاحتياطي الفيدرالي القدس العربي - ملفات إبستين واختراق الأمم المتحدة العربي الجديد - زيلينسكي يوافق على شن حملة مدتها 40 يوماً "للضغط" على روسيا قناة الجزيرة مباشر - نقاش الساعة - هل هناك سباق أمريكي إيراني للتقارب مع دول الخليج؟ قناة الغد - المدرب المساعد: فرنسا تسعى لحسم الصدارة وتجنب اضطرابات السفر
عامة

"البحار الأربعة".. لماذا يثير مشروع سوريا وتركيا الذعر في إسرائيل؟

الجزيرة.نت | سوريا

في 9 أبريل/نيسان 2026، أوحى المشهد في أنقرة بأن شيئا يتجاوز حدود الزيارة الدبلوماسية العادية يجري بين سوريا وتركيا، فقد وقف وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى جانب نظيره التركي هاكان فيدان في مؤتم...

في 9 أبريل/نيسان 2026، أوحى المشهد في أنقرة بأن شيئا يتجاوز حدود الزيارة الدبلوماسية العادية يجري بين سوريا وتركيا، فقد وقف وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى جانب نظيره التركي هاكان فيدان في مؤتمر صحفي مشترك، ليقدما عنوانا جديدا لمرحلة مختلفة: انتقال العلاقات السورية التركية إلى عهد الشراكة الإستراتيجية.

خلف هذه العبارة الكبيرة، كان هناك مشروع لافت عاد إلى دائرة الضوء، وهو: " مشروع البحار الأربعة".

بدا الاسم في تلك اللحظة كأنه يُبعث من بين ركام التحولات السورية والإقليمية.

فقد تحدث الشيباني عن رؤية تجعل من سوريا وتركيا ممرا لإعادة توزيع الطاقة والتجارة بين أربعة فضاءات مائية كبرى: الخليج العربي وبحر قزوين والبحر المتوسط، والبحر الأسود.

" تتغير الأنظمة لكن الجغرافيا تبقى حاكمة لا يمكن تجاوزها"تتغير الأنظمة لكن الجغرافيا تبقى حاكمة لا يمكن تجاوزها.

فتركيا وسوريا لا تملكان، في برّهما على الأقل، وفرة هيدروكربونية تضاهي ما تملكه دول الخليج أو روسيا أو بحر قزوين.

لكنهما تملكان شيئا آخر وهو الموقع الوسيط بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب.

من هنا نشأت الفكرة القديمة الجديدة: إذا لم تكن الثروة تحت الأرض كافية لصناعة القوة، فربما يمكن تحويل الطريق نفسه إلى ثروة؛ أي تحويل الجغرافيا إلى ممر عالمي للطاقة والتجارة والنقل.

list 1 of 2لماذا باكستان؟ سر الوساطة" الملغمة" والمشير الذي لم ينمlist 2 of 2حين حضر باولو روسي في ملاجئ بيروت وهزم بيكنباور الفلسفة الغربيةالفكرة ليست جديدة، ففي عام 2009، وفي ذروة التقارب السوري التركي آنذاك، طُرحت الصيغة الأولى لمشروع" البحار الأربعة" خلال لقاء مشترك على مستوى الرئاسة زمن عبد الله غل وبشار الأسد.

يومها، لم يتجسد المشروع في خط أنابيب محدد أو طريق واحد مرسوم على الخريطة، بل مثّل رؤية تهدف لتكامل اقتصادي يربط سوريا وتركيا والعراق وإيران، بحيث تصبح هذه الكتلة الجغرافية حلقة وصل بين البحر المتوسط، وبحر قزوين، والبحر الأسود، والخليج.

قامت الفكرة في جوهرها على تحويل سوريا من دولة تقع بمعزل عن ممرات الطاقة إلى عقدة مركزية تربطها ببعضها.

فإذا تكامل المجال الاقتصادي بين دمشق وأنقرة وبغداد وطهران، أمكن ربط البحار الأربعة، وتحويل المنطقة إلى عقدة للاستثمار والنقل والطاقة.

بالنسبة إلى سوريا، كان المشروع محاولة لاستخدام الموقع الجغرافي لتعويض محدودية الموارد وكسر العزلة السياسية وجذب الاستثمارات والبنية التحتية.

وبالنسبة إلى تركيا، كان جزءا من لحظة إقليمية أرادت خلالها أنقرة أن تقدّم نفسها بوصفها بوابة بين أوروبا والشرق الأوسط.

" كان المشروع جزءا من لحظة إقليمية أرادت خلالها أنقرة أن تقدّم نفسها بوصفها بوابة بين أوروبا والشرق الأوسط"لم تبقَ الفكرة يومها في مستوى الخطاب السياسي فقط.

ففي ذات العام، تأسس مجلس التعاون الإستراتيجي رفيع المستوى بين سوريا وتركيا، وأُلغيت التأشيرات بين البلدين، وجرى توقيع عشرات الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجالات النقل والطاقة والسكك الحديدية والمعابر والغاز والتجارة.

وظهر أمل مفاده أن الحدود السورية التركية، التي كانت لعقود طويلة خط توتر، ستصبح بوابة عبور.

لكن خيار بشار الأسد بالتعامل الدموي مع الثورة السورية عام 2011، قطع الطريق على هذا المسار، وحوّل سوريا من جسر محتمل بين تركيا والمشرق والخليج إلى حاجز جغرافي وسياسي وأمني يخنق تركيا.

قبل حرب غزة وطيلة فترة الحرب في سوريا، تابعت تركيا بقلق كيف تُرسم خرائط جديدة للمنطقة من حولها.

ففي شرق المتوسط، كانت لحظة اكتشاف الغاز على سواحل إسرائيل وقبرص نقطة تحوّل.

فبدلا من أن تكون تركيا الطريق الأقصر والأرخص نظريًا لنقل الغاز إلى أوروبا، تشكّل محور بديل يضم إسرائيل واليونان وقبرص (وحاول ضم مصر إليه في البداية)، وتُرجم ذلك في تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط ومشروع" إيست ميد".

هذا المشروع حمل رسالة مفادها أن غاز شرق المتوسط يمكن أن يصل إلى أوروبا من دون المرور بتركيا.

وعندما تتوفر البنية التحتية سيكون ربط الشرق بالغرب أيسر عبر إسرائيل لا تركيا.

وشكّل ذلك كابوسا لتركيا التي تعاني من ارتفاع كلفة استيراد النفط والغاز.

ردّت تركيا على هذا المسار عبر توقيعها في عام 2019 مع الحكومة الليبية في طرابلس اتفاقا لترسيم الحدود البحرية.

كذلك، عملت على تثبيت موقعها في مسار آخر لا يقل أهمية، وهو محور قزوين-القوقاز-أوروبا عبر" خط الغاز العابر للأناضول" (TANAP)، الذي بدأ تشغيله منذ عام 2018، والذي ينقل الغاز الآذري من حقل شاه دنيز في بحر قزوين إلى تركيا ثم أوروبا.

" قبل حرب غزة وطيلة فترة الحرب في سوريا، تابعت تركيا بقلق كيف تُرسم خرائط جديدة للمنطقة من حولها"أصبح هذا الخط جزءًا من" ممر الغاز الجنوبي"، والذي يهدف إلى منح أوروبا مصدرًا للغاز خارج مظلة الغاز الروسي.

ومع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، اكتسب هذا المسار قيمة إستراتيجية مضاعفة إثر النظر إلى تنويع مصادر الغاز الأوروبية كأولوية أمنية واقتصادية.

بالتوازي مع الطاقة، عملت أنقرة على ترسيخ موقعها في ممرات النقل والسكك الحديدية عبر خط" باكو–تبليسي–قارص"، الذي افتُتح عام 2017 ليربط أذربيجان بجورجيا ثم تركيا، ويجعل من الأراضي التركية امتدادًا طبيعيًا للممر الأوسط، أي الطريق الذي يصل الصين وآسيا الوسطى ببحر قزوين، ثم أذربيجان وجورجيا وتركيا، وصولًا إلى أوروبا.

وقد زادت أهمية هذا الممر بعد الحرب في أوكرانيا أيضا، لأن الطريق الشمالي بين الصين وأوروبا، والذي يمر عبر روسيا، أصبح غير محبذ للشركات والحكومات الأوروبية.

جاء الإعلان عن ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا الشهير بـ" ممر بايدن" في سبتمبر/أيلول 2023، قبل أسابيع قليلة من حرب غزة، ليزيد من القلق التركي، ويجعل التحرك المضاد أكثر إلحاحا.

فالممر المقترح يُفترض أن يربط الهند بمنطقة الخليج، ثم يمتد إلى الأردن وإسرائيل على البحر المتوسط، وصولا إلى أوروبا، من دون المرور بتركيا.

" طرحت الولايات المتحدة مشروع ممر بايدن لمنافسة طريق الحرير الصيني ومحاولة دمج إسرائيل في المنطقة"وبدا أن المشروع يمنح إسرائيل، وميناء حيفا تحديدًا، موقعًا مركزيًا في الربط بين آسيا وأوروبا.

وقد حمل المشروع عنوانين كبيرين: الأول أنه جزء من مساع أمريكية للرد على مشروع الحزام والطريق الصيني، عبر إنشاء شبكة ربط بديلة تقودها واشنطن وشركاؤها بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا.

أما الثاني، فهو محاولة دمج إسرائيل في المنطقة من خلال مشروع بنية تحتية كبير، يتماشى مع الأهداف الاقتصادية والإستراتيجية للولايات المتحدة.

ورغم أن المشروع لم يراوح مكانه لأسباب لوجستية، وأخرى مرتبطة بتحفظ بعض دول المنطقة على الانخراط في ممر مشترك مع إسرائيل، فإن المشروع أثار انتباها واسعا في أنقرة، ودفعها لإعادة النظر في سياستها في سوريا.

فبعد سنوات من الحرب، والدعم السياسي والعسكري للمعارضة السورية، لم يسقط النظام، وبدأت عملية إعادة تأهيل الأسد عربيا بشكل تدريجي.

لذلك أخذ التفكير التركي يميل نحو مراجعة المقاربة السابقة، والبحث عن ترتيبات مع الأسد، تضمن لأنقرة مصالحها الأمنية، وتفتح أمامها الباب السوري الجنوبي الذي ظل مغلقًا طوال سنوات الحرب.

لكن عملية" طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما تلاها أدخلت عناصر جديدة إلى المعادلة، من دون أن تتغيّر الجغرافيا بطبيعة الحال.

فقد أعادت الحرب المسألة الفلسطينية بقوة إلى قلب الحسابات الإقليمية، وجعلت إدماج إسرائيل في المنطقة عبر الممرات الاقتصادية والتجارية أكثر صعوبة.

وفي الوقت نفسه، ذكّرت الحرب بالوجه الإسرائيلي الدموي أمام الرأي العام العالمي، وبذلك، أسقطت قدرة إسرائيل على تقديم نفسها بوصفها طريقا طبيعيا وآمنا ومقبولا بين آسيا وأوروبا.

في تلك المرحلة، منح القدر تركيا هديتين إستراتيجيتين: الأولى، سقوط نظام الأسد على يد قوى إسلامية سورية قريبة من أنقرة، بما أعاد فتح الباب أمام تغيير النظرة إلى سوريا من كونها حاجزا جغرافيا لتصبح بوابة جنوبية دون عناء التفاهم مع الأسد وإيران؛ والثانية عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، بتقدير أكبر للأدوار التي تلعبها تركيا في المنطقة.

فتح التغيير في سوريا الباب أمام إعادة وصل تركيا بالخليج العربي بريا، في لحظة تعيد فيها المنطقة النظر في خرائطها تحت ضغط القوة الإسرائيلية المنفلتة.

فالتعطش الإسرائيلي لاستخدام القوة، والنظر إلى العرب وتركيا كعماد" محور سني متطرف"، بحسب توصيف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إضافة إلى الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، خلقت جميعها حافزا لبناء شبكات ربط تصل المنطقة ببعضها، وتخفف في الوقت نفسه من تحوّل إسرائيل إلى عقدة إلزامية بين الخليج وأوروبا وللحد من طموحاتها في تفتيت ما حولها.

وفي هذا كله، تفرض سوريا نفسها بوصفها العمود الجغرافي لهذه المعادلة.

" فتح التغيير في سوريا الباب أمام إعادة وصل تركيا بمنطقة الخليج بريا"ورثت القيادة السورية الجديدة بلدًا مثقلًا بالمشاكل في مختلف المجالات: خطر التفتت الداخلي، وتعدد مراكز النفوذ، والتدخلات الخارجية، والخروج المطول من الأنظمة الاقتصادية والنقدية العالمية، فضلًا عن حرب خلّفت دمارا هائلا في البنية التحتية، وأوقفت عجلة الاقتصاد، ودفعت قطاعات ضخمة من السوريين إلى مربعات الفقر والنزوح والهجرة.

لكن الأصل الرئيس بقي قائمًا: جغرافيا تحاول القيادة الجديدة استغلالها لتخطّي أزمات البلاد المتعددة.

في هذا السياق عاد" مشروع البحار الأربعة" إلى النور تحت مظلة إستراتيجية تجمع مشاريع متفرقة في الطاقة والنقل والمرافئ والسكك الحديدية والبيانات.

لذلك، حين تحدّث وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في أنقرة عن المشروع، فإنه كان يقدم رؤية سياسية لموقع سوريا وتركيا في خريطة الربط الإقليمي.

عمليا، بدأ المشروع قبل الإعلان عنه، وظهر في مجالات متعددة.

فعلى صعيد الطاقة، كان التطور الأبرز هو بدء نقل الغاز الأذري إلى سوريا عبر تركيا.

فقد أعلنت أذربيجان في أغسطس/آب 2025 أنها ستصدّر نحو 1.

2 مليار متر مكعب من الغاز سنويا إلى سوريا عبر الأراضي التركية، من حقل شاه دنيز في بحر قزوين.

هذا المسار يقدم مثالا عمليا على إحدى ركائز البحار الأربعة: طاقة قادمة من فضاء قزوين، تمر عبر تركيا، وتصل إلى سوريا لتشغيل محطات الكهرباء.

وأهميته لا تقتصر على معالجة جزء من نقص الطاقة السوري، بل في أنه يضع سوريا داخل شبكة طاقة إقليمية تربط بحر قزوين بتركيا ثم بالمشرق.

" كان التطور الأبرز هو بدء نقل الغاز الأذري إلى سوريا عبر تركيا"إلى جانب الغاز، دخلت الكهرباء كأحد أهم أبواب إعادة ربط سوريا بمحيطها.

ففي مايو/أيار 2025، وقّعت دمشق مذكرة تفاهم بقيمة 7 مليارات دولار مع تكتل يضم شركة (UCC Holding) القطرية وشركات تركية وأمريكية، لتطوير 5000 ميغاواط من قدرات التوليد، منها 4000 ميغاواط من محطات غازية و1000 ميغاواط من الطاقة الشمسية.

هذا المشروع لا يتصل مباشرة بخطوط العبور، لكنه مهم في بناء الشرط الداخلي لأي ممر، وهو تأمين الكهرباء للمرافئ والمناطق الصناعية والمدن والمعابر.

وفي مجال النقل، ظهرت خطوة مهمة عبر مذكرة تعاون ثلاثية بين تركيا وسوريا والأردن في أبريل/نيسان 2026، استهدفت تطوير النقل والربط اللوجستي بين الدول الثلاث، وتحديث شبكات الطرق والسكك بما يسمح بإحياء ممر بري يبدأ من تركيا ثم يمر بسوريا، ويصل إلى الأردن.

وتزداد أهمية هذا المسار مع الإعلان مؤخرا عن مشروع" الربط السككي بين السعودية وتركيا"، المنتظر أن يربط دول الخليج العربي وسوريا والأردن بتركيا وصولا إلى أوروبا، وهو المشروع الذي يجعل من سوريا الحلقة الوسطى للربط بين الخليج والأناضول.

ولا يقتصر منطق الربط على المسار الخليجي التركي.

فقد عاد البعد العراقي بدوره إلى الواجهة، سواء عبر الحديث عن تفعيل المعابر البرية بين سوريا والعراق، أو عبر إمكان ربط هذا المسار بالممرات القادمة من الخليج نحو البحر المتوسط.

وفي اللوجستيات والمرافئ، ظهرت خطوات مكمّلة لمنطق الربط.

فقد وقعت سوريا عقدا طويل الأمد مع شركة" سي إم إيه سي جي إم" الفرنسية لتطوير وتشغيل مرفأ اللاذقية، واتفاقًا مع" موانئ دبي العالمية" الإماراتية لتطوير مرفأ طرطوس، ثم اتفاقا آخر مع شركة" سي إم إيه سي جي إم" الفرنسية نفسها لإدارة موانئ جافة في عدرا (قرب دمشق) وحلب.

وتزامنت تلك الخطوات مع إطلاق قطار شحن تجريبي بين اللاذقية وعدرا بعد توقف طويل.

وتهدف تلك المشاريع إلى ربط الساحل بالداخل السوري، وهو ما يعزز مشاريع الربط والممرات الإقليمية.

" في اللوجستيات والمرافئ، ظهرت خطوات مكمّلة لمنطق الربط"أما في مجال الربط الرقمي، فقد كشفت رويترز عن مفاوضات سورية مع شركات اتصالات خليجية حول مشروع ألياف ضوئية باسم" سيلك لينك".

ويهدف هذا المشروع إلى تحديث البنية الرقمية السورية وجعل البلاد ممرًا رقميًا بين الشمال والجنوب والشرق والغرب.

هذا البعد مهم لأن ممرات العصر الحالي لا تقوم على الطاقة والبضائع فقط، ولكن تشمل البيانات أيضًا.

فإذا نجحت سوريا في أن تكون ممرًا للكابلات، فإن مشروع البحار الأربعة يكتسب بعدًا رقميًا إلى جانب بعديه الطاقوي واللوجستي.

سرعت حرب إيران النقاش حول مشاريع الربط الإقليمي، بعدما أعادت أزمة مضيق هرمز إلى الواجهة سؤال أمن الطاقة وسلاسل الإمداد.

ومع ارتفاع المخاطر في الممرات البحرية، حاولت تركيا وسوريا دفع مشاريع الربط البري والطاقوي إلى الأمام, بوصفها مسارات يمكن أن تخفف الاعتماد على هرمز والبحر الأحمر.

في هذا السياق، كان الحضور السوري في اجتماع أوروبي إقليمي انعقد في نيقوسيا عاصمة قبرص في أبريل/نيسان الماضي، حيث شدد الرئيس السوري أحمد الشرع على أهمية موقع سوريا في ربط الخليج وآسيا الوسطى بأوروبا، وربط ذلك بالحاجة إلى تطوير طرق بديلة وأكثر مرونة في ظل اضطراب الممرات البحرية.

" يدعم الاتحاد الأوروبي دورا لسوريا وتركيا في منظومة نقل الطاقة والربط بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا"تعامل الاتحاد الأوروبي مع الفكرة من زاوية مشابهة.

فالوثيقة الأوروبية الخاصة بسوريا التي كُشف عنها في الشهر نفسه تحدثت عن إعادة بناء العلاقة مع سوريا، وتعزيز التعاون في التجارة والأمن والاستثمار، ودمج دمشق في مشاريع الربط الإقليمي، بما فيها النقل والطاقة والروابط الرقمية.

كما أشارت إلى أهمية سوريا كنقطة عبور في ظل أزمة الطاقة المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز.

في واشنطن، سوق المبعوث الأمريكي توماس باراك الفكرة من الزاوية نفسها.

فقد ربط مشروع البحار الأربعة بالحاجة إلى بدائل عن هرمز والبحر الأحمر، معتبرًا أن موقع سوريا يسمح لها بأن تكون جزءًا من الحل الإقليمي لأزمة الممرات.

لم يكن المقصود، بطبيعة الحال، أن تحل سوريا محل مضيق هرمز، بل أن تشكل ممرًا إضافيًا عبر الطرق والأنابيب والمرافئ، يمنح الخليج وأوروبا بدائل عند الأزمات.

ويؤشر ذلك بوضوح إلى أن الولايات المتحدة ليست بعيدة عن المشروع وأن جهات في واشنطن تدعم تعزيز الدور السوري التركي في الشرق الأوسط.

في المحصلة، يمكن لسوريا المستقرة، أن تتحول إلى محور التقاء عربي تركي، وإلى عقدة جغرافية لمظلة إقليمية جديدة تقوم على الربط.

وتظهر ملامح ذلك في مشروع البحار الأربعة وما يرافقه من استثمارات في الطاقة والمرافئ والسكك والبيانات, حيث تسعى دمشق إلى تحويل موقعها من عبء ورثته من الحرب إلى أصل إستراتيجي يخرجها من أزمتها الاقتصادية والسياسية.

تستفيد تركيا من هذا المسار لأنه يعيد فتح بوابتها الجنوبية نحو المشرق والخليج.

وتستفيد دول الخليج من منحها مسارات إضافية تقلل الاعتماد على هرمز والبحر الأحمر وإسرائيل، وتفتح فرص استثمار ونفوذ في سوريا.

أما أوروبا، فترى فيه فرصة اقتصادية وسياسية يمكن أن تخفف عنها عبء ضغوط الرئيس ترمب وضغوط الحرب في الشرق الأوسط والحرب مع روسيا.

وفي الخلفية، تدعم الولايات المتحدة هذا الاتجاه، أو على الأقل يدعمه جناح رئيسي فيها، بوصفه وسيلة لإعادة إدخال سوريا في المنظومة الغربية، وتقليص نفوذ إيران وروسيا والصين.

" المشروع لا يزال أقرب إلى حلم إستراتيجي منه إلى خطة مكتملة"لكن المشروع لا يزال أقرب إلى حلم إستراتيجي منه إلى خطة مكتملة.

فالعوائق كبيرة: التحديات الكثيرة أمام الدولة السورية الناشئة، والدمار الكبير في سوريا، ونقص التمويل، كما تبقى إسرائيل العائق الإقليمي الأبرز، لأنها ترى في أي ربط عربي تركي عبر سوريا تهديدا لمركزيتها في مشاريع العبور.

كما أن فكرة الربط نفسها وما يتبعها من تقوية للدول الإقليمية، تخالف جوهر المشروع الإسرائيلي القائم على تفتيت ما حوله.

لذلك، من المتوقع أن تكون مشاريع الربط الإقليمي التي تتوسطها سوريا، ومحاولات إسرائيل لإجهاضها وتفتيتها، أحد العناوين الرئيسية لصراعات المنطقة خلال الحقبة القادمة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك